يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مع ارتفاع وتيرة ترحيل اللاجئين السوريين قسريًا من تركيا، خاصة من مدينة إسطنبول الاقتصادية، مؤخرًا، كشفت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، عن فضيحة جديدة لنظام الرئيس التركي، رجب إردوغان، الساعي إلى تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، من استغلال ورقة اللاجئين، الذين جنى باسمهم مليارات الدولارات من جيوب أوروبا، في وقت سابق.

المجلة الشهيرة قالت في تقرير نشرته اليوم الأحد، بعنوان "سياسة الترحيل التركية تقتل اللاجئين السوريين"، إن خطوة الترحيل جاءت متزامنة مع استعداد أنقرة شن حرب في شرق الفرات.
كلام المجلة الأمريكية، يأتي بعد أيام من نشر صحيفة "الجارديان" البريطانية، تقارير عن ترحيل تركيا لاجئين سوريين إلى محافظة إدلب السورية، التي لاتزال بؤرة توتر رئيسة في الصراع السوري.
 
وثائق غير مفهومة
شبكة بي بي سي البريطانية كانت قد نقلت أيضًا عن لاجئين سوريين قولهم، إن السلطات في إسطنبول "تجبرهم على التوقيع على وثائق عودة طوعية، لا يستطيعون قراءتها أو فهم محتواها". بناء على أمر حكومي صدر في أواخر يوليو الماضي، ومنحهم مهلة مدتها شهر واحد لتنفيذ الأمر.

وبحسب مراسل بي بي سي، مارك ليوين، فإن حوالي 3.6 مليون لاجئ سوري، فروا من بلادهم إلى تركيا، منذ اندلاع الحرب عام 2011، وتشير تقديرات إلى وجود نحو نصف مليون سوري مسجل رسميًا في إسطنبول، وإن كانت تقديرات أخرى تقول بأن الرقم الحقيقي يصل إلى مليون سوري، غالبيتهم جاءوا من ولايات تركية سجلوا أنفسهم فيها عند وصولهم الأراضي التركية.

تصريحات كاذبة
وخلافًا لتصريحات حكومة إردوغان، بأن اللاجئين السوريين يتم نقلهم إلى مناطق آمنة، تخضع لسيطرة الجيش التركي، فإن بي بي سي أشارت إلى تصريحات لسوريين في تركيا، قالوا فيها إن الكثير منهم يتم نقلهم بالحافلات إلى إدلب.
ما ذكرته وسائل إعلام دولية، عادت "فورين بوليسي" لتأكيده، مع الإشارة إلى مخاطر أكبر، تتمثل في احتمالات دفع حكومة إردوغان، لشباب اللاجئين السوريين إلى القتال في صفوف الميليشيات المسلحة الموالية لأنقرة.

دمّروا مستقبلي
"لقد دمروا مستقبلي"، هكذا قال اللاجئ السوري هاني هلال، البالغ من العمر 27 عاما مستنكرًا أمر الترحيل الذي صدر بحقه يوم 10 يوليو الماضي من تركيا إلى شمال سورية، وذلك على الرغم من حيازته وثائق "كيمليك"، وهي أوراق قانونية تضمن حمايته.
وفقا للمجلة، يخشى هلال من مواجهة أي انتقام من جماعة "حياة تحرير الشام"، المدعومة من حكومة إردوغان في سورية والمرتبطة بتنظيم القاعدة الإرهابي، والتي كان ذات يوم ناشطًا صريحًا ضدها، بعد ترحيله إلى منطقة خاضعة لسيطرة تركيا في شمال سورية.

و"حياة تحرير الشام"، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال"، جماعة إرهابية تتبع تنظيم القاعدة، في شمال غرب سورية، وتضم الآلاف من الإرهابيين الموالين لجبهة النصرة.
المسؤولون الأتراك زعموا أنهم يرحلون الذين لا يحملون أوراق "كيمليك" فقط، بينما هلال، الذي يحمل تلك الأوراق، ومعه ألف سوري آخر، تلقوا أوامر بالترحيل مؤخرا من حكومة إردوغان.

مجلة "فورين بوليسي" نقلت عن هلال قوله إنه "تعرض للتهديد والمضايقة والضرب بعد اعتقاله إلى جانب رجال سوريين آخرين، كلهم ​​تحت سن 35 عامًا، في حافلة في إزمير"، مشيرا إلى أنه تم إجباره على توقيع أوراق الترحيل بعد احتجازه تعسفيًا لمدة أسبوع. 
المجلة الأمريكية ذكرت أن هلال موجود حاليًا، في منطقة تسيطر عليها ميليشيات مسلحة موالية لأنقرة في شمال سورية، حيث يشعر بعدم الأمان، قائلا: "أنا لا أشعر بالأمان هنا، حتى في المناطق التي تسيطر عليها تركيا، ولا يمكنني مغادرة هذا المنزل خوفًا من جماعة النصرة ومجموعات أخرى".

حمل السلاح
هلال، الذي تحدث إلى المجلة بلسان شباب اللاجئين الذين يتم ترحيلهم، قال إنه يشعر أن استهداف سلطات إردوغان للشباب السوريين لم يحدث بمحض الصدفة، معتقدا أنه سيتم إعادتهم للانضمام إلى صفوف جماعات المعارضة السورية المسلحة المدعومة من تركيا. 

اللاجئ السوري أضاف أن الظروف الاقتصادية "قاسية للغاية، بحيث يصبح  هذا هو الخيار الوحيد القابل للتطبيق (الانضمام إلى الجماعات المسلحة الموالية لتركيا) لكسب عيش اقتصادي مستقر في سورية".
كلام هلال تضمن كذلك الإشارة إلى بيان عمدة أنقرة السابق وعضو حزب العدالة والتنمية "مليح غوكسيك" الذي كان يدعو السوريين للقتال في جماعات المعارضة المسلحة المدعومة من أنقرة. 

غوكسيك كتب وقتها عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "يجب على جميع السوريين الذين يعيشون في تركيا والذين تقل أعمارهم عن 35 عامًا الانضمام إلى معسكرات التدريب العسكري في تركيا ثم إرسالهم إلى الخطوط الأمامية في سورية".

لكن هلال أكد إصراره على عدم حمل السلاح أبدا، رغم وضعه الحرج على مستوى سلامته وحاجته إلى سد حاجات المعيشة، لافتا إلى أنه "يشعر أن معظم الآخرين سيفعلون ذلك بدافع الضرورة".
اللاجئ الشاب اختتم بأسى: "إما أن تتورط مع جيش النظام أو مع قوات المعارضة.. هذا هو مستقبل الشباب الذين يعودون إلى سورية".

قتل اللاجئين
أما اللاجئ السوري هشام محمد علي، البالغ من العمر 25 عامًا، فقد قُتل بالرصاص، بعد قطع 400 متر فقط من الحدود التركية، حينما حاول العودة من مدينة إدلب السورية، إلى أسرته في إسطنبول، رغم حصوله على وثيقة الحماية المؤقتة.

هشام، الذي كان يعمل لرعاية ثلاث أسر، وكان يستأجر منزلاً في مقاطعة "باغجلار" بإسطنبول مع والده وأشقائه وزوجته وأطفاله الثلاثة وزوجة عمه المتوفى وأبنائه، اُعتقل أواخر مايو الماضي لأن وثيقة "كيمليك" الخاصة به كانت صادرة من مدينة أخرى في تركيا، وظل في مركز الترحيل 30 يوما ثم تم ترحيله بعد ذلك إلى مدينة إدلب في 15 يونيو الماضي.

ترحيل قسري
منظمة "هيومن رايتس ووتش" الأمريكية المعنية بحقوق الإنسان، دانت هذه التطورات الأخيرة، وذكر العديد من السوريين في مقابلات معها، أن مئات الرجال تم ترحيلهم دون محاكمة، وصودرت وثائقهم القانونية وممتلكاتهم. 
كما وثقت المنظمة كيف أعادت تركيا اللاجئين إلى أحياء في شمال حلب وإدلب، وكلتا المحافظتين بعيدة كل البعد عن الأمان.

ما زلنا مع تفاصيل ما كشفه تقرير مجلة "فورين بوليسي" الذي أوضح أن مدينة إدلب لا تزال تتعرض للقصف الجوي الروسي والسوري. فخلال شهر يوليو الماضي وحده، وجدت منظمة "إنقاذ الطفولة" أن عدد الأطفال الذين لقوا حتفهم في إدلب خلال ذلك الشهر كان أكبر من عدد الأطفال الذين وافتهم المنية خلال عام 2018 بأكمله. كما تواصل جماعة "حياة تحرير الشام" خطف عمال الإغاثة والصحافيين والناشطين في مناطق المعارضة المسلحة.

"هيومن رايتس ووتش"نقلت عن سوريين في تركيا قولهم، إنه في عام 2018 "تم إبعادهم بشكل تعسفي عن مكاتب التسجيل مرتين على الأقل"، ولم يتمكن سوى ثلاثة، ممن أجريت معهم مقابلات مع "هيومن رايتس ووتش"، من التسجيل، بعد إعطاء رشوة للمسؤولين بمبالغ تتراوح بين 300 و 500 دولار. وكان المسؤولون يخبرونهم في كثير من الأحيان أنه "لم يعد هناك وثائق "كيميلك" لمنحهم إياها.

المجلة الأمريكية اختتمت تقريرها بإشارة إلى تصريح إردوغان الذي أكد فيه أن "هناك نحو مليون سوري سيعودون إلى ديارهم"، موضحة أنه حتى الآن، تلقى حوالي 6000 شخص أوامر الترحيل، وفقًا للموقع الرسمي لمعبر باب الهوى، الذي يعد إحدى نقاط العبور الرئيسة على الحدود بين سورية وتركيا.

نهب المليارات
مجلة "دير شبيجل" الألمانية، اتهمت أنقرة بتعمد ترحيل اللاجئين إلى مناطق الحرب الخطرة في سورية، مشيرة إلى أن إردوغان ينسف، وبشكل ممنهج، صفقة اللاجئين المبرمة مع دول الاتحاد الأوروبي قبل نحو 4 سنوات، بعدما نهب مليارات الدولارات الممنوحة للسوريين.

المجلة الألمانية، أفادت في تقريرها المنشور الأربعاء الماضي، أن الآلاف من السوريين يخشون الترحيل القسري من قبل السلطات التركية دون سند حقيقي، أو على خلفية اتهامات "غير جدية"، تتعلق بطرق الإقامة على الأراضي التركية، أو الأوراق الثبوتية الخاصة بذلك.

المعطيات، التي أعلنت عنها المعارضة السورية نهاية يوليو الماضي، كشفت ترحيل مئات اللاجئين السوريين إلى إدلب رغم أنها "منطقة حرب"، وزعمت أنقرة في تلك الأثناء بأنه تم اعتقال  5000 لاجئ، بسبب حملهم أوراق إقامة غير صالحة.
"دير شبيجل"، أكدت أن إردوغان حصل على مساعدة مالية من الأوروبيين في 2016، كان نصيب برلين منها 6 مليارات يورو، مقابل إبقاء اللاجئين بعيدًا عن القارة الأوروبية، ما دفع أحزابًا ألمانية ومنظمات حقوقية، إلى التأكيد في بيان مشترك، بأن عمليات الترحيل إلى إدلب لم تترك سوى استنتاج واحد مفاده أنه يجب ألا يكون هناك مزيد من التعاون مع إردوغان في الدفاع عن اللاجئين.

لارس كاستيلوسي، المتحدث باسم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، قال :"إنه إذا ما ثبت أن تركيا تدفع باللاجئين السوريين إلى منطقة الحرب، فذلك من شأنه أن يضع اتفاقية اللاجئين موضع تساؤل تام".
واقع كارثي، واستغلال يجيده نظام إردوغان لملف اللاجئين السوريين، وصل إلى حد دفع الشباب منهم إلى حمل السلاح في صفوف الميليشيات المسلحة الموالية لأنقرة، ما ينذر بنسف اتفاق أنقرة مع الأوربيين بشأن ملف اللاجئين.

Qatalah