يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لا يكف العثمانيون الجدد عن إثارة المشكلات لجيرانهم، ومحاولة تسوية ما نضج واحترق من أوهام الماضي القريب من جديد، ولو بالكد والتعب في تقليب أرشيف  مزيف خلفه لهم أجدادهم في قصور السلطنة قبل السقوط المروع منذ 100 عام، بحثا عن نفوذ مفقود هنا، أو هيبة ضائعة هناك، أو أرض عربية لم يشبعوا من نهبها قديما، ويسيل لعابهم لاستنزافها واحتلالها بشتى الذرائع حديثا، ولو كانت ورقة بالية أكل عليها الدهر وشرب تسمى "الميثاق الملي". 

في أكتوبر 2016، تشكلت حملة عسكرية مشتركة لتحرير الموصل من أيدي تنظيم داعش الإرهابي تألفت من الجيشين العراقي والأميركي وميليشيات الحشد الشعبي وعناصر البشمرجة الكردية، فيما تم استبعاد تركيا التي أصرت في ذلك الوقت على المشاركة بعد رفض رئيس الحكومة العراقية السابق حيدر العبادي لتلك المشاركة الذي أعلن أن تركيا تسعى إلى احتلال شمال العراق، وأن وجودها العسكري يهدد بإشعال حرب إقليمية، مؤكدا أن حكومة بغداد ستتصدى لتلك الأطماع التركية بحزم، ووصل به الأمر إلى مطالبة حلف الناتو إجبار تركيا على سحب قواتها من العراق وتقديم طلب كذلك إلى مجلس الأمن بعقد جلسة عاجلة لمناقشة التدخل التركي في الشأن العراقي الداخلي.


لم تكن تركيا ترغب في خوض المعركة ضد الدواعش حبا في جيرانها، بل لتأكيد مزاعم رجب إردوغان بالحق التاريخي في الوجود التركي شمال العراق بناء على فرية "ملي ميثاق" المعروف عربيا بالميثاق الملي.
وفي مؤتمر القانون الدولي المنعقد بإسطنبول، زعم إردوغان أنه من المستحيل "أن تبقى تركيا خارج مسألة الموصل"، وقال إن أنقرة ستشارك في تحريرها، وأن أية محادثات مستقبلية بشأن المدينة ستكون بمشاركة تركية، وفي تبرير زائف لرغبته في احتلال المنطقة، قال: "في الموصل التاريخ يكذب علينا.. وإذا رغب السادة الأفاضل (يقصد الحكومة العراقية) في التحقق من ذلك فعليهم بقراءة الميثاق الملي ليفهموا معنى الموصل بالنسبة لنا". 

 تصريحات إردوغان الجوفاء لم تجد صدى لها، حيث أكد قائد العمليات الأميركية الجنرال ستيفن تاونسيند أن الحملة تشكلت بقوة عراقية بالكامل دون وجود تركي، الأمر الذي استمر حتى تحرير المدينة في العام التالي، في حين ظل عالقا من تصريحات رجب كلمة "الميثاق الملي" والتي أصبحت مفتاح اللغز لتحركات تركيا العدوانية المتزايدة في العراق وسورية .
 
 
أحلام كبيرة والنتيجة صفر
لقد تكبدت الدولة العثمانية هزيمة قاسية في الحرب العالمية الأولى أجبرتها على توقيع هدنة "مودروس" مع الحلفاء في عام 1918، وبعد غزو اليونان لإزمير في 16 مايو 1919، أصدر قائد الجيش مصطفى كمال أتاتورك خطاب أماسيا في 22 يونيو من العام نفسه، وأوضح فيه أن وحدة تركيا أصبحت على المحك وأن الحكومة العثمانية في إسطنبول ضعيفة وعاجزة.
وفي الثالث والعشرين من يوليو 1919، ترأس أتاتورك المؤتمر الوطني في مدينة أرضروم، واتخذ خلاله مجموعة من القرارات، على رأسها تشكيل حكومة جديدة بدلا عن حكومة إسطنبول العثمانية، وفي الرابع من سبتمبر عقد مؤتمرا جديدا في سيواس للإعلان عن تشكيل "جمعية الدفاع عن الأناضول والروم إيلي (تراقيا)" ثم انتقل إلى أنقرة ليتخذها مقرا للجمهورية الوليدة.
وفي 12 يناير 1920 انعقد البرلمان العثماني، وبعد عدة جلسات من النقاش حول مستقبل الأتراك، أعلن المجلس في الثامن والعشرين من يناير عن الاتفاق المسمى بـ "الميثاق الملي" الذي تتفق مبادئه مع مؤتمرات أرضروم وسيواس، وتكون من مبادئ ستة:
_ مستقبل المناطق المحتلة ذات الأغلبية العربية في زمن توقيع اتفاقية مودروس سوف يحدد عن طريق استفتاء، أما المناطق التي لم تتعرض للاحتلال وقت توقيع الهدنة وتسكنها غالبية تركية مسلمة فهي تعتبر وطنا للأمة التركية. 
_ وضعية قارص وأردا خان وباطوم تحدد من خلال استفتاء. 
_ وضعية تراقيا الغربية تحدد من خلال تصويت سكانها. 
_ يجب ضمان أمن إسطنبول وبحر مرمرة، وسيتم الإشراف على التجارة الحرة والانتقالات في المضايق من قبل تركيا والبلدان الفاعلة.
_ حقوق الأقليات سوف تضمن حال ضمان حقوق الأقليات المسلمة في البلدان المجاورة. 
_ لضمان تطور تركيا في كل المجالات، لابد من ضمان استقلال وحرية الدولة وإلغاء كل الالتزامات السياسية والقضائية والمالية على البلاد.
 
 
اعتبر أتاتورك ورفاقه من القوميين أن "الميثاق الملي" هو الأساس الذي يجب أن تبنى عليه تركيا الحديثة عقب هزيمتها في الحرب، وقد رسمت بناء عليه خريطة جديدة للبلاد، اعترف الأتراك خلالها بخسارة الولايات العربية المحتلة مع استثناء إقليم كردستان ومدن حلب والموصل وأجزاء من البلقان والقوقاز التي اعتبروها جزءا من الدولة الوليدة.
 
تسبب إعلان الميثاق في غضب الحلفاء، وهاجمت القوات اليونانية الخط الغربي من الأناضول في 3 مارس 1920، بينما احتل الحلفاء إسطنبول بعد أسبوعين فقط في 19 مارس.
ونتيجة لتلك الأحداث المتلاحقة، وقعت الحكومة العثمانية في إسطنبول معاهدة سيفر مع الحلفاء في العاشر من أغسطس 1920، حيث خلقت حدودا جديدة تخالف تلك التي أقرها الميثاق الملي ولا تتجاوز منطقة الأناضول وتراقيا الشرقية دون الغربية مع تقسيم الأقاليم العربية في سورية والعراق بما فيها مدن حلب والموصل وكردستان العراقية والسورية بين إنجلترا وفرنسا.
رفض أتاتورك المعاهدة وأعلن من "الجمعية الوطنية التركية" التي كان قد ألفها منذ أبريل 1920 عدم الاعتراف بالحكومة العثمانية في إسطنبول متهما إياها بخيانة الميثاق الملي، ثم شكل حكومة جديدة في أنقرة، وأعقب ذلك اندلاع حرب الاستقلال التركية اليونانية، التي انتهت في 11 أكتوبر 1922 بانتصار تركي.
 
جعل الانتصار في حرب الاستقلال من أتاتورك بطلا قوميا، ونال مع حكومته في أنقرة اعترافا دوليا من خلال دعوة حكومتي أنقرة وإسطنبول إلى مفاوضات السلام الجديدة في مدينة لوزان جنوب سويسرا.
وفي الأول من نوفمبر 1922 أعلن أتاتورك إلغاء السلطنة العثمانية وحل حكومة إسطنبول، وأكد أن وفد أنقرة برئاسة عصمت إينونو الممثل الوحيد للأتراك في لوزان. 
وفي الجولة الأولى من المفاوضات من 21 نوفمبر 1922 إلى 4 فبراير 1923، ربط عصمت إينونو توقيعه على المعاهدة بالموافقة على بنود الميثاق الملي، الأمر الذي قوبل بالرفض من قبل الحلفاء في 31 يناير عام 1923. 
أيقن أتاتورك أن التصلب حول شروط الميثاق الملي والخريطة المنبثقة عنه سوف يؤدي إلى إشعال حرب لا طاقة للأتراك بها، وبالتالي فضل التمسك بما حققه من مكاسب في حرب الاستقلال وأمر إينونو بالتوقيع على المعاهدة بأي ثمن. 
بدأت الجولة الثانية من مفاوضات لوزان في 23 أبريل 1923 وانتهت بتوقيع الاتفاقية في 24 يوليو، ولم يقبل من الميثاق الملي سوى الفتات، حيث منحت تركيا حكم مدينتي قارص وأردا خان بينما خرجت باطوم من السيادة التركية، حيث تمثل اليوم عاصمة جمهورية ذاتية الحكم تدعى أرجا تقع جنوب جورجيا.
 
 
أما البندان الأول والثالث، وهما الأكثر إثارة للجدل بين الأطراف المتفاوضة، فقد جرى رفضهما تماما، حيث اعتبر الأول بمثابة إصرار تركي على إنكار الهزيمة في الحرب العالمية الأولى وخسارة كامل الوجود بالعالم العربي وبالتالي أصبحت مسألة الاستفتاء خاوية من المعنى.
وبالنسبة للشق الثاني من نفس البند والذي حاول الأتراك من خلاله الاستيلاء على الشمالين العراقي والسوري بسبب خلوهما من أغلبية عربية، فإن المجتمعين في لوزان كانوا على إدراك بسياسات التتريك الممنهجة التي اتبعتها الحكومة العثمانية تجاه تلك المناطق منذ أوائل القرن العشرين، خاصة في الموصل التي حاول الأتراك الاستيلاء على الثورة النفطية فيها من خلال التأكيد على حق إثني تركماني فيها، الأمر الذي رفض بطبيعة الحال في لوزان.
ومصير الرفض الذي لاقاه البند الأول هو نفسه الذي كان في انتظار البند الثالث، حيث جرت عملية تعداد للسكان في تراقيا الغربية أثبتت أن العرق اليوناني يمثل الأغلبية في الإقليم بنسبة 63% مقابل 30% فقط للأتراك، لتدحض بذلك بيانات أنقرة الملفقة.
على تلك الصورة لم يتحول الميثاق الملي إلى واقع، وأعيدت الخريطة التركية إلى تلك التي رسمت في سيفر باستثناءات محدودة للغاية، ومع ذلك اعتبر أتاتورك وقت تأسيس الجمهورية أن اتفاق لوزان مدعاة للفخر باعتباره أفضل الخيارات المتاحة.
 
خطط الهيمنة الجديدة
تبدو محاولات إردوغان الحديث عن الميثاق الملي من الطرافة والخطورة، والطرافة هنا لا تعود إلى استدعاء جزء من التاريخ لتبرير واقع حالي لأن تلك المسألة تمثل جزءا من خطاب الرئيس التركي منذ استيلائه على السلطة في تركيا العام 2002، إنما تكمن في أنه يستخدم واحدا من أبرز إنجازات القومية التركية -حتى لو كان ذلك نظريا فقط- في رؤيته المضادة للقومية والتي وصفها منذ وقت قريب بالعنصرية.  
ففي حالة الميثاق الملي، يظهر إردوغان قوميا أكثر من القوميين أنفسهم، حيث يجد الفرصة مواتية أمامه للعودة إلى النقاط التي فقدها الأتراك في خريطة 1920 ،وتركت تركيا وفقا لمعاهدة لوزان"دولة محدودة الحجم والإمكانات"، وقد منح إردوغان من خلال فوضى الشرق الأوسط منذ العام 2011 والأزمات المالية الخانقة في اليونان والوجود التركي في شمال قبرص الفرصة لاستخدام وثيقة تاريخية ساقطة في أساسها لإطلاق الوعيد المستمر لجيرانه بل والتواجد العسكري المكثف في أراضي البعض منها.
 
 
يخطط إردوغان لأن تكون السنوات المقبلة حتى العام 2023 والذي سيشهد الذكرى المئوية لتوقيع معاهدة لوزان شبيهة بتلك التي تلت انتهاء الحرب العالمية الأولى، ولكن في صياغة معكوسة لا تصبح فيها تركيا الطرف الأضعف الذي يذعن للشروط وإنما الأقوى الذي يفرضها. وفي سبيل ذلك ينشئ القواعد العسكرية في شمال العراق استعدادا للانقضاض على الموصل وكركوك، ويعقد المحادثات السرية والعلانية مع القوى الفاعلة في الأزمة السورية، روسيا والولايات المتحدة وإيران، لإيجاد وجود تركي في حلب وشمال سورية عند إعادة رسم حدود البلاد، كما يرفض تهدئة الأوضاع بين الشمال والجنوب في قبرص ويصر على نهجه العدائي، وفي اليونان يوجه التهديدات المستمرة تجاه أثينا حول ملكية الجزر في بحر إيجة. 
خطة إردوغان تلك تتشابه كثيرا مع أحلام القوميين الأتراك قبل ما يقارب المئة عام، فإذا كان الأخيرون آثروا السلامة وكفوا عن المضي في غيهم، فإن إردوغان يبدو أكثر إصرارا على إكمال مغامرته حتى النهاية، ما يبشر بختام ربما أكثر كارثية من الذي عاشه أجداده من سلاطين الدولة العثمانية البائدة.
 
المصادر:

Qatalah