يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يفتش رجب إردوغان فى دفاتر الدولة العثمانية القديمة، بحثا عن وثائق أو خرائط قديمة، تعطي مشروعية تاريخية لأطماعه فى ثروات جيرانه، واستكمال حالة الشعور بالعظمة التي تنتابه، باعتباره الفاتح العثماني الجديد.
 وجد الخليفة الواهم ضالته فى الميثاق الملي، وهو بيان من 6 مواد، أصدره البرلمان العثماني، بإيعاز من القوميين الأتراك، وزعيمهم مصطفى كمال أتاتورك، في العام 1920.
وقد رسمت خريطة تركيا بناء على ذلك الميثاق، تم رفضها من قبل القوى الأوروبية، في معاهدة لوزان 1923، وإردوغان  اليوم يحاول العودة إلى حدود تلك الخريطة المزعومة، من خلال الدعاية الكاذبة، وتمويل الجماعات التكفيرية، والمكائد التي يحيها ضد جيرانه في العراق وسورية وقبرص واليونان.

في أكتوبر من العام 1918، وقعت الدولة العثمانية هدنة مودروس، لوقف إطلاق النار مع الحلفاء، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، ثم قامت بريطانيا في 13 نوفمبر من نفس العام باحتلال العاصمة العثمانية إسطنبول، ونتيجة لذلك، قام مصطفى كمال بعقد مؤتمر في أرضروم، يوم 23 يوليو 1919، قرر خلاله تشكيل حكومة تركية جديدة، تكون بديلة عن حكومة إسطنبول، ثم عاد وأكد على نفس الإعلان في مؤتمر سيواس، 4 سبتمبر 1919، وأضاف فيه الانتقال بعاصمة الدولة إلى أنقرة. 
وفي 28 يناير 1920، أعلن البرلمان العثماني تأييده لقرارات مؤتمري أرضروم وسيواس، ثم أصدر الميثاق الملي أو الوثيقة الوطنية، والذي رسمت بناء عليه خريطة جديدة لتركيا، ووضت فيه ضعت شمال سورية (حلب)، وشمال العراق (الموصل)، وقبرص، وجزر بحر إيجة، وتراقيا الغربية، ضمن حدود الدولة المزمع قيامها، على أنقاض السلطنة العثمانية. 

رفض الحلفاء الميثاق الملي فور صدوره، واعتبروا أن  الشمالين السوري والعراقي خارج نفوذ الأتراك، بسبب أغلبيته السكانية العربية، كما رفضوا ضم تراقيا الغربية وجزر بحر إيجة إلى دولة أتاتورك الجديدة، بسبب الأغلبية اليونانية في كلا منهما، لتشتعل بسببها حرب الاستقلال التركية اليونانية، بين عامي 1920 و 1922.
انتهت الحرب بانتصار مصطفى كمال على اليونانيين، واعترفت أوروبا بحكومة أنقرة، بصفتها الممثل الشرعي الوحيد لإرادة الأتراك، بعد إلغاء أتاتورك السلطنة العثمانية، في 1 نوفمبر 1922. 
وبناء على ذلك الاعتراف، تمت دعوة الحكومة التركية الجديدة إلى مفاوضات السلام الجديدة في لوزان، وكان إصرار الأتراك على خريطة الميثاق الملي سببا في انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات بالفشل، في فبراير 1923، وبعد تجدد المفاوضات مرة أخرى، تخلت أنقرة عن تعنتها وشروطها السابقة، وانتهت الجولة الثانية في يوليو 1923، بتوقيع معاهدة لوزان، والتي رسمت الخريطة الحالية لـتركيا، وتجميد خريطة الميثاق الملي إلى الأبد. 
ولكن منذ العام 2011، وفي ظل الفوضى التي تضرب الشرق الأوسط، وجد رجب إردوغان أن الفرصة مواتية لإحياء الميثاق الملي وحدوده الجغرافية القديمة، وفي سبيل ذلك بدأت وسائل الإعلام التركية في نشر خريطة الميثاق على نطاق واسع، وأشار الرئيس التركي في التلويح فى أكثر من مناسبة، إلى ذلك، بعد ما أسماه التخلص من معاهدة لوزان في العام 2023. 

 أعقب تلك المقدمات بإشعال حربا عسكرية واستخباراتية واسعة ضد شمالى سورية والعراق و قبرص وجزر بحر إيجة.

Qatalah