يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بالسلاح والمعلومات والتدريب، تشارك تركيا في الحرب الأهلية الليبية، دون أن تخفي انحيازها إلى ميليشيات إرهابية، تحمل السلاح في وجه الجيش الوطني، وتضم مرتزقة من عشرات الدول، يقاتلون من أجل المال.

تورط أنقرة أثار غضب قائد الجيش الليبي، خليفة حفتر، مما دفعه لتشديد موقفه تجاه تركيا، فحظر الرحلات الجوية التجارية بين ليبيا وتركيا، كما منع السفن التركية من الرسوّ على الساحل الليبي، بل وهدد باعتقال المواطنين الأتراك في ليبيا، تم بالفعل اعتقال ستة مواطنين أتراك لعدة ساعات في أواخر يونيو، ثم تم إطلاق سراحهم بعدها.

التوترات المتصاعدة جاءت بعد المعارك التي خاضها الجيش الوطني الليبي من الميليشيات التركية أو المدعومة من أنقرة، خلال تقدمه نحو طرابلس، فبعد أن أحرز تقدما كبيرا، تراجع وفقد مدينة غريان الرئيسة في غرب ليبيا، بسبب التدخل التركي.

أنقرة أقامت جسرا بحريا هائلا نقلت خلاله مئات الأطنان من الأسلحة إلى حكومة طرابلس، في تحدٍّ صارخ للقرار الأممي بحظر نقل وتصدير الأسلحة إلى ليبيا في مارس 2011. وضمن هذه الشحنات سيارات مدرعة وطائرات بدون طيار مقدمة من تركيا.

النفط والغاز
موقع "دويتش فيلله" الألماني نشر تقريرا يسرد أسباب التدخل التركي في ليبيا ورغبات أنقرة وأطماعها في الدولة التي تعاني صراعًا مدمرًا منذ الإطاحة برئيسها السابق معمر القذافي قبل 8 سنوات.

التقرير يؤكد أن ليبيا بلد غني باحتياطيات النفط والغاز، ومع زعزعة استقرارها، ثار جشع العديد من اللاعبين الدوليين، بما في ذلك الحكومة التركية، التي لا تخفي أطماعها في ثروات البلد العربي.

أويتون أورهان، عضو مركز الدراسات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، يعتقد أن الجشع التركي كان أحد العوامل الحاسمة التي دفعت أنقرة للتدخل في ليبيا، وقال: "الكثير من الشركات التركية كانت نشطة بالفعل في ليبيا في ظل حكم معمر القذافي".

مشروعات واستثمارات
الشركات التركية شاركت في العديد من مشروعات البناء المربحة في ليبيا، فضلا عن مشروعات في مجالات أخرى عديدة. الأرقام الدقيقة لحجم هذه الاستثمارات غير معلنة، لكن يُعتقد أن حجم الاستثمار زاد على الـ30 مليارا من الدولارات الأمريكية. 

الحرب الأهلية الليبية التي اندلعت في 2011 والتي أدت في النهاية إلى سقوط القذافي، جعلت ليبيا أقل أهمية من الناحية الاقتصادية، حيث انخفضت الفائدة في الاستثمار بشكل ملحوظ. ومع ذلك، ظلت الحكومة التركية على اتصال وثيق مع حكومة طرابلس، واستمرت الشركات التركية في تلقي عقود العمل في ليبيا.

أنقرة نجحت في توقيع عقد لتدشين الطريق الساحلي في طرابلس. لكن عندما اندلع النزاع مع الجيش الوطني الليبي، تم تجميد الكثير من مشروعات البناء، وخسرت الشركات التركية العاملة في ليبيا قدرا كبيرا العقود.

ويضيف أورهان: "كلما زاد عدد المناطق التي يستحوذ عليها الجيش الوطني الليبي من ميليشيات طرابلس قلت فرص الشركات التركية في رؤية أموالها مرة أخرى".

العامل الأيديولوجي
هناك أيضًا جانب أيديولوجي للتدخل التركي في النزاع الليبي. فالحزب التركي الحاكم "العدالة والتنمية" تربطه علاقات أيديولوجية وثيقة الصلة بجماعة "الإخوان المسلمين" ومختلف الجماعات الإسلامية المتطرفة حول العالم.

جزء كبير من دعم الجيش الوطني الليبي يأتي من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر، إذ تتحد الدول الثلاث في مواجهة جماعة "الإخوان المسلمين" التي تمثل تهديدا للمنطقة. وفي المقابل تدعم تركيا الجماعات المتطرفة في ليبيا ومنها "الإخوان المسلمين" منذ الحرب الأهلية التي أدت إلى سقوط القذافي.

ومع ذلك، يؤكد أورهان أن هذه ليست القضية الحاسمة، حيث إن دعم تركيا لا يقتصر على الإخوان المسلمين فقط، حيث يقول: "تركيا تدعم حكومة طرابلس" بكافة أطيافها وتزودها بالأسلحة". وهو ما يتعارض مع قرار حظر الأسلحة إلى ليبيا الذي سبق وأصدره مجلس الأمن في مارس 2011.

الكاتب ينوه إلى أن تركيا وحكومة طرابلس عقدتا محادثات في وقت مبكر من أبريل بهدف وقف تقدم الجيش الليبي الذي يسعى لاستعادة العاصمة. وثمة تصريحات تشير إلى أن هذه المحادثات كانت تتركز بصورة أساسية للتنسيق العسكري والأمني. ويؤكد أورهان على أن الميليشيات التي تقاتل نيابة عن حكومة طرابلس تلقت بالفعل شحنات أسلحة مباشرة من تركيا.

السيادة البحرية
تقرير آخر نشره موقع "المونيتور" الأمريكي قبل أيام، يسرد أسباب اهتمام أنقرة بالشأن الليبي، وتساءل: لماذا تولي أنقرة مثل هذا الاهتمام الكبير للشأن الليبي؟ لماذا لا يتردد الجانب التركي في تصعيد الأوضاع في وقت تواجه فيه الحكومة التركية ضغوطا كبيرة تنبع من المشكلات الناجمة عن سياستها في سورية؟.

مصلحة تركيا في ليبيا تتعلق أكثر بالموازين الاستراتيجية في صراع القوى الدائر في شرق البحر الأبيض المتوسط. بالنسبة لأنقرة، يتمثل أسوأ السيناريوهات في شرق البحر الأبيض المتوسط في أن تتوصل اليونان مع قبرص اليونانية إلى اتفاق محتمل للمشاركة في مناطق السيادة البحرية. وهذا الأمر من شأنه أن يهدد حقوق ومصالح تركيا والقبارصة الأتراك في مناطق السيادة البحرية المعروف أنها غنية بالموارد الهيدروكربونية.

احتياطيات الغاز
محلل استراتيجي تحدث لـ "المونيتور" رفض الكشف عن هويته قال: "تحديدا بعد 2013، ملأت اليونان تدريجيا وبشكل حاسم الفراغ الذي خلفته ليبيا وبدأت تعتبر المياه الدولية شمال ليبيا كما لو كانت مياهها الإقليمية الخاصة. 

أطماع تركيا في المنطقة الغنية باحتياطيات الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط واضحة، لذلك فهي تحاول أن تستولى على المياه الإقليمية الليبية بشكل كبير لمواجهة النفوذ اليوناني جنوب غرب جزيرة كريت، والتي تعتبر بوابة شرق البحر الأبيض المتوسط.

ولذلك، تحاول تركيا التوصل إلى اتفاق مع ليبيا حول التبادل الساحلي للهيمنة على مناطق احتياطيات الغاز في البحر المتوسط ومحاربة النفوذ اليوناني فيه. ويضيف المحلل قائلًا: "يُمكن أن يسمح هذا الاتفاق لأنقرة بزيادة نفوذها في المنطقة لمواجهة الضغوط النابعة من التكتل بين قبرص اليونانية واليونان ومصر ولتحجيم النطاق المسموح لمصر ليقتصر على الجنوب فقط".

الحدود البحرية
المدن الساحلية التركية المطلة على البحر المتوسط (مرمريس وفتحية) تواجه نظيرتها الليبية (درنة وطبرق والبردية)، ومن الممكن التوصل إلى اتفاق لرسم الحدود بين البلدين، رغم أن جزيرة كريت اليونانية تقع بينهما. 

أنقرة ترى أيضا أنه نظرا لأن ساحل ليبيا في درنة يواجه السواحل التركية في جنوب غرب مدينة مرماريس، فإن ترسيم حدود مناطق السيادة البحرية بمثابة حق أساسي لتركيا وليبيا. وتقول أنقرة إن هذا يصب في مصلحة ليبيا أيضا حيث يمكن أن تتمتع بـ16ألف كيلومتر مربع إضافي من السيادة البحرية إذا وقّعت على هذا الاتفاق مع تركيا.

علاوة على ذلك، إذا توصلت ليبيا بدعم من أنقرة إلى اتفاق رسم حدود مع اليونان باستخدام شواطئ البر الرئيس  كأساس للاتفاق، قد تزداد مساحة السيادة البحرية الإجمالية بنسبة 62% لتصل إلى ما لا يقل عن 40 ألف كيلومتر مربع.

التدخل التركي
في نوفمبر 2018، ذهب وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، إلى ليبيا لتوضيح هذه الخيارات لحكومة طرابلس. ذكرت المصادر أنه خلال الزيارة، حاول آكار طمأنة الليبيين بأنه سيكون هناك مساعدة تركية جوهرية لجهود التأمين وبناء القدرات، وحث الليبيين إلى التعاون مع أنقرة في شرق البحر المتوسط.

لكن، قوّضت هذه الجهود التي قادها الجيش التركي عندما هاجم الجيش الوطني الليبي ميليشيات طرابلس المدعومة من أنقرة، في الوقت الذي يحصل فيه الجيش الليبي على دعم من مصر والإمارات بل إن هناك توافقا يجمعه باليونان وروسيا كذلك. ويأتي ذلك في سياق نظرة العالم الغربي الإيجابية إلى حفتر على أنه رجل عسكري يستحق التقدير بسبب موقفه العلماني والموالي للغرب.

تسليح الإرهابيين
ردا على محاولات الجيش الليبي لاستعادة العاصمة من الميليشيات الإرهابية، بدأت أنقرة تزويد حكومة طرابلس بالمساعدة اللازمة، والتي تتضمن إمدادات من الأسلحة والجنود. 

بعض وسائل الإعلام تشير إلى أن الضباط الأتراك يشاركون في القتال ولا تقتصر مساعدتهم على تقديم التدريب والدعم اللوجستي فحسب. بل وتقوم بتسليح قوات ميليشيا طرابلس بأنظمة أسلحة متطورة، بما في ذلك الطائرات المسيرة التركية الصنع.

كل هذا يدل على أن اهتمام أنقرة بالصراع الليبي لا يعتمد ببساطة على السياسة أو الأيديولوجية فقط، بل أيضا على المخاوف الجيواستراتيجية. فوفقًا للعقلية الاستراتيجية التركية، إذا واجهت تركيا خسائر في ليبيا، فسوف يقتصر نفوذها على منطقة محدودة من شرق البحر المتوسط. وبالتالي من المرجح أن تزيد تركيا دعمها لحكومة طرابلس وقواتها في الأيام المقبلة.

حرب بالوكالة
في تصريحاته لموقع "دويتش فيله"، يقول أويتون أورهان، إن تركيا على شفا حرب بالوكالة، وأن هذا الصراع قد يتصاعد أكثر، فتطور ميزان القوى مهم ومرغوب فيه من وجهة نظر تركيا. لكن هذا يعني أيضا أن ليبيا لا تزال منقسمة فعليا.

في الوقت نفسه، كما قال أورهان، فإن هذا التوازن بين المعسكرين سيعمق النزاع، وقال: "لن يتوصلوا إلى أي اتفاق، لأن أيا من الجانبين لديه ميزة على الآخر يمكن أن يبني عليها".

Qatalah