يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عانى العرب في الشام من حكم المماليك ذوي الأصول التركية وتمنوا زوال حكمهم وحين سقط ملكهم فوجئوا بأشد الشعوب التركية انحطاطا في صورة العثمانيين، الذين جلبوا إلى دمشق الخوازيق منذ بداية احتلالهم عام 1516، ووزعوها على كل حارة من أجل نشر الرعب بين السكان، فكان من يجرؤ على انتقاد السلطة الجديدة مصيره "الخزوقة".
قص المؤرخ الدمشقي شمس الدين بن طولون (المتوفى 1546) المعاصر للمآسي التي عاشها أهل الشام وناله منها نصيب، فكان شاهد عيان على مهازل ارتكبها الاحتلال، ورصد بعين الناقد المكلوم ما حدث في وطنه في كتابه "مفاكهة الخلان في حوادث الزمان".
لم تقف معاناة أهل دمشق عن التهديد بالقتل بالخازوق فقد طُردوا من بيوتهم وشُردوا ونُهبت مكتباتهم، وفرض العثمانيون ضرائب على السكان وشرعوا في تحصيل أخرى على الأراضي الزراعية، فيما نكلوا بأهل الذمة وأصدروا مراسيم مشددة بألا يركبوا الخيل ولا الحمير في وجود مسلمين داخل المدن.

جئناكم بالخازوق
الأتراك شعب يعيش على النهب وليس صانع حضارة، فكانت دولتهم دائما سلطة الغرامات والضرائب والنهب والإتاوات، ولم يبرعوا في تجارة ولا صناعة فيما تفوقوا في سلب خيرات الشعوب خاصة العربية، كانوا آلة جهنمية مخصصة للسطو على منجزات الأمم الأخرى، وكان نصيب الشام وافراً من لعنتهم منذ عام 1516 حتى طردهم على يد الثورة العربية 1918، أي أربعة قرون من الطغيان والنهب.
يقول ابن طولون: "جهز ملك الروم سليم خان عساكر كثيرة من أصحاب الديانات الأخرى والأرمن وغيرهم من أجل امتلاك الشام ومصر"، وبعد موقعة مرج دابق عام 1516 التي انهزم فيها المماليك أمام العثمانيين، دخل السلطان سليم حلب، وكان أول عمله نهب مال قلعة حلب وأموال السكان حتى صار له مئة وثمانية عشر حملا من الأموال، وقد سلم السكان المدن اتقاءً لشر  الجنود إلا أن هذا التسليم لم ينقذهم من النهب.
عبر السلطان سليم الأول عن احتقاره للعرب منذ دخول بلادهم برفض استقبال العلماء، ويقول ابن طولون: "لم يجتمع ملك الروم سليم خان بجمع الطلبة وعلماء الشام في دمشق، واجتمع مع الإفرنج وقنصل الإفرنج".
كشف العثمانيون عن وجههم الحقيقي بعد يومين من دخول دمشق بعملية السلب الممنهج للمدينة ويقول ابن طولون: "في يوم الثلاثاء، هجمت العساكر الرومية على دمشق وضواحيها للسكنى، وأخرجت أناس كثيرة من بيوتهم ورُميت حوائجهم ومؤنهم وتعرضوا لشدة لم تقع على أهل دمشق من قبل".
لم يعرف العثمانيون قانوناً سوى القتل، فكان الخازوق وسيلتهم المفضلة في تنفيذ أحكامهم البربرية التي تخالف الإسلام الذي حدد قطع اليد كعقاب للسرقة شرط أن تتحقق الجريمة، وحض على الاجتهاد ووضع قوانين تناسب روح كل عصر، لكن العثمانيين لم يفقهوا من الدين إلا قشوره لذلك اعتمدوا القتل بالخازوق عقاباً للضعفاء إن سرقوا بينما كان النهب حلالا لهم وجنودهم.
يقول ابن طولون: "أدخل العثمانيون الخوزقة إلى الشام، وقاموا بخوزقة شخص لأنه حرامي وقاموا بإرسال خازوق إلى كل حارة".

نهب الشام
إقامة السلطان سليم الأول في أي مكان كان لعنة على أهله، كانوا يُطردون من بيوتهم وتصادر أطعمتهم ويُسخرون لصالح خدمة السلطان، حتى سافر عن الشام إلى مصر كل من له قدرة، والفقراء سكنوا الجوامع والمدارس مع أسرهم.
يقول ابن طولون :"جرى ترحيل أهل قيسارية القوّاسين في دمشق، وتحويل محلتهم إلى مطبخ السلطان سليم"، فيما صدر أمر سلطاني بمصادرة جزء كبير من القمح والشعير من بيوت أهل دمشق، وكتب الدفتردار إلى كل عشر قرى مرسوماً بإحضار رؤسائها وأكابرها ومعهم الخدم فحضروا فطلب منهم مغل (محصول الأرض) هذه السنة، فتضرر أهل القرى وأربابها بذلك كما ذكر ابن طولون.
ألغى العثمانيون ملكية الأراضي الزراعية وأعلنوا ضمها إلى ملكية السلطان، ورغم احتجاج الناس وتقديم صكوك الملكية إلا أن قاضي العسكر العثماني لم يستمع، وأثناء إقامة سليم جرى تسخير الناس في مسك الخيل وفي غيرها في خدمته، وأحصى الأتراك السكان وفرضوا ضريبة على كل إنسان، وكانت أول مرة تفرض هذه الضريبة على المسلمين.
نهب السلطان سليم أموال الناس بحيلة خبيثة، عبر صك عملة جديدة وخفض قيمة القديمة، ما أدى إلى خسارة كبيرة لجميع الناس وقال ابن طولون :"نودي على الفلوس الجدد التي ضربت باسم الملك المظفر سليم خان، كل ستة عشر فلساً بدرهم، بعدما كانت كل ثمانية بدرهم، فذهب للناس مال كثير في ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
ترك السلطان سليم بلاد الشام بعد أن فرض جزية على دمشق حتى حدود مصر قدرها 230 ألف دينار، يجب جمعها باستخدام كل وسائل القوة، وما كاد أهل الشام يتعافون مما حل بهم من الجيش العثماني، حتى تمرد جان بردي الغزالي والي دمشق، فأرسل العثمانيون حملة من 62 ألف جندي سامت السكان سوء العذاب، ونقل المؤرخ المعاصر للأحداث ابن الحمصي في كتابه "حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران" هذه الفظائع بقوله :"دخلوا البلد ونهبوا قماش الناس وحوائجهم ونهبوا دكاكين السوقة ولم يتركوا لأحد شيئا في الدكاكين، ونهبوا البيوت والضياع ولم يسلم أحد منهم إلا ما قل، وارتجت دمشق رجة عظيمة أعظم من وقعة تيمور لنك، وأخذوا من دمشق حريما كثيرا وأولادا وعبيدا ولم يخلوا فيها لأحد فرسا ولا بغلا".

مجاعة الحجاج
لم يحفظ العثمانيون مكانة أهل العلم وتعرض ابن طولون للطرد من بيته ويقول :"أُخرجت من بيتي ورُميت كتبي ولم يوّقروا أحداً لا صغيرا ولا كبيرا ولا أهل القرآن ولا أهل العلم ولا الصوفية ولا غيرهم"، وفقد ابن طولون أغلب مؤلفاته العلمية في هجمة بربرية تذكر بما فعله المُغول في بغداد.
تعصب عسكر الأتراك للمذهب الحنفي عن جهل، دفع بهم إلى التعرض للشافعية في محرابهم بالمسجد الأموي، ومنعهم من الصلاة فيه وكادوا يقاتلونهم، ولم يتورعوا عن هدم المساجد وإهانة المقدسات، وحول بعضهم مصلى العيدين في دمشق إلى خانٍ للإبل والخيل والبغال، أما المدارس، فتم إغلاقها وتحويلها إلى حظائر للماشية، يقول ابن طولون :"بعض جماعة السلطان جعل المدرسة العذراوية صيرة لغنمه".
ينقل ابن الحمصي أن العثمانيين فرضوا ضرائب كبيرة على الأوقاف، التي كانت تُعفى من الضرائب، ويذكر أن العساكر العثمانية عام 1521 سطت على قافلة الحج الشامي ونهبت البضائع والمؤن خلال الحملة إلى منطقة العلا، ما أدى إلى شح الأطعمة وارتفاع الأثمان حتى صارت البقسماطة الواحدة بما يعادل 70 أشرفية، ولم يجد الحجاج ما يأكلون، وكادت المجاعة أن تفنيهم.

غلاء الأسعار
كان الغلاء ظل الجيش العثماني، لم يدخل الأتراك مدينة إلا وتفشى فيها ارتفاع الأسعار وندرة السلع وذلك لأنهم ينهبون الأسواق، يقول ابن طولون :"لما دخلت العساكر العثمانية دمشق مع السلطان سليمان خان أغاروا على المدينة وغوطتها فنهبوا كل شيء وصلت إليه أيديهم وأخرجوا الناس من بيوتهم حتى سافر من له قدرة على السفر من أهل دمشق، ولم يُوقر الجند كبيراً ولا صغيراً، وفُرضت الأموال على الناس فصاروا في شدة وغلت الأسعار وتزايدت".
وارتفعت أسعار القمح والأرز واللحم والدقيق وسائر السلع وبيع الرطل اللحم بأضعاف ثمنه، بسبب مصادرة المحاصيل لصالح الجيش العثماني، وجرى تسخير المعمارية والحجارين بتعمير المكان الذي يسكن فيه السلطان الذي كان يوم رحيله عن الشام سعيداً على سكانها فقد فرحوا بالتخلص من النهب والطرد من البيوت.

السراويل أو الخصي
لم يكتف الأتراك بالنهب والتهجير بل رغبوا في إذلال الناس بفرض لبس السراويل على سكان مدن الشام، يقول ابن طولون :"نادى الدفتردار بأن لا يخرج أحد من بيته إلا بلبس سراويل عليه، ومن خرج بعد ثلاثة أيام بلا سروال خُصي"، وكادت أن تحدث ثورة على العثمانيين ما دفعهم إلى التراجع عن الأمر الغريب خوفاً من تمرد السكان.
وأمعن الأتراك في أذى المسيحيين في الشام، وصدر منشور سلطاني جاء فيه "لا يركب فرساً ولا حماراً ولا غير ذلك نصراني ولا يهودي ولا سامري ولا أفرنجي في دمشق ولا في مجامع الناس من ضواحيها"، حسب ابن طولون.
وشهد سكان الشام ممارسات سلاطين العثمانيين اللاأخلاقية والشاذة، فقد كان يرافق السلطان سليم دائماً أمردان بشعور مسبلة وكوفيتين من ذهب، وقيل إنه كان يمتلك مئة شاب أمرد.

Qatalah