يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عادت قضية مقتل السفير الروسى السابق لدى تركيا، أندريه كارلوف، إلى الواجهة مجددا، بمحاولة يائسة من النظام التركى غسل يده من الجريمة، بإلقاء التهمة على حركة الخدمة التابعة لرجل الدين المعارض فتح الله غولن، المقيم فى ولاية بنسيلفانيا الأمريكية.
زعم الادعاء العام التركى أن منفذ العملية الضابط مولود مرت ألتن طاش، ينتمى إلى "الخدمة" وجرى تكليفه بالعملية من قبل قيادى فى الحركة شاهين سوغوت، الذى التقاه قبل 10 أيّام من ارتكاب الجريمة.
ادعت لائحة الاتهام التى نقلتها وكالة "الأناضول" للأنباء، السبت، أن سوغوت الذى كان يعمل فى هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التركية ينتمى لحركة "الخدمة"، ويعد المرجعية الدينية لمنفذ عملية الاغتيال، لافتة إلى أنه تم حبسه على ذمة التحقيقات، لتطالب بعد ذلك بمعاقبته بالسجن مدى الحياة هو و28 آخرين، على رأسهم زعيم المنظمة فتح الله غولن.
شملت مذكرة الإدانة، تهما بينها انتهاك النظام الدستورى والانتماء إلى منظمة إرهابية وارتكاب جريمة قتل بدافع الترهيب وإطلاق النار بالسلاح لإشاعة الخوف والذعر والقلق.
وقُتل كارلوف (62 عاما) الدبلوماسى المخضرم من العهد السوفييتى، فى 19 ديسمبر 2016 بتسع رصاصات أطلقها عليه من مسافة قريبة جدا شرطى تركى كان من بين طاقم حمايته، ويبلغ من العمر 22 عاما، خلال افتتاح معرض للصور فى أنقرة قبل أن ترديه عناصر من قوات الأمن، فى جريمة تمت على الهواء مباشرة أمام كاميرات الصحفيين والإعلاميين.
وفى إشارة إلى مدى تطرفه واعتناقه الأفكار الإرهابية، هتف الشرطى عقب إطلاقه النار على السفير الروسى، "الله أكبر" و"لا تنسوا حلب"، التى كانت قوات النظام السورى فى ذلك الحين بصدد استعادتها بالكامل بدعم من الطيران الروسى.


الإرهابى حارس إردوغان
تجاهلت النيابة التركية أن مولود مرت ألتن طاش الذى أطلق النار على السفير الروسى لدى تركيا، فى ديسمبر 2016، عمل ضمن الحراسة الخاصة لرجب إردوغان، ما يكشف بشكل أو بآخر مدى تورط الحكومة فى الأمر أو على الأقل تسهيلها اختراق العناصر التى تحمل الأفكار الراديكالية للمواقع المهمة والحساسة.
ويأتى اتهام حركة "الخدمة" بالتورط فى حادث الاغتيال ضمن سياسة تركية لشيطنة الحركة المعارضة، حتى أصبحت مناصرة فتح الله غولن شمّاعة تشكل مخرجا لكل الجرائم التى تريد السلطة أن تبرئ نفسها منها وتزج عبرها بالمعارضين فى السجون.
صحيفة "ينى عقد" التركية، كشفت تولى ألتين طاش وظيفة ضابط أمن ضمن الحراسة الخاصة فى 8 لقاءات أجراها إردوغان فى العاصمة أنقرة، ثم عمل عضوا  فى فريق قوات الأمن الداخلى ليتولى مسؤولية أمن السفير الروسى، ويقول مراقبون إنه إذا ما كان ينتمى فعليا لحركة الخدمة فكان من المفترض أن يحاول الاعتداء على الرئيس التركى نفسه، وليس بإحراج نظامه بقتل السفير الروسى.

فى خدمة الإرهاب
ما يعزز ضلوع تركيا الرسمية فى القضية أنها تعمدت استفزاز الجانب الروسى، بإسقاط طائرة سوخوى فى أكتوبر 2015، واعترف رئيس الوزراء حينها أحمد داود أوغلو أنه أعطى بنفسه أوامر بالعملية، وفى حالة اغتيال السفير فإن الجانى شرطى ينتمى لجهاز القوات الخاصة، وكان فى مهمة رسمية ومسدسه مرخص ونفذ الحادث بصفته الرسمية، ولم يكن متنكرا أو دخل متسلالا.
وتحاول أنقرة التنصل من الجريمة لكن التحقيق - حال كان جديا - يطرح تساؤلات يُمكن أن تفضى إلى طرف الخيط الذى بدوره يصل إلى مسؤولية النظام التركى عن الجريمة، وأهمها لماذا أردت قوات الشرطة منفذ العملية قتيلاً ولم تحاول القبض عليه حيا؟ فالمكان الذى حوصر فيه القاتل محدود وليس متعدد الطبقات، وكان بالإمكان إطلاق النار على قدميه أو أى مكان آخر من جسمه دون قتله، لأنه لو بقى حيا لأمكن رفع نسبة النجاح فى الوصول إلى الحقيقة وتحديد الدافع والجهات المُحرّضة.


الشواهد تعزز تورط الحكومة التركية، إذ كانت الأخيرة خلال تلك الفترة تحشد الرأى العام ضد روسيا، فقبل أسبوع من اغتيال السفير نظّم متظاهرون مؤيدون لحزب العدالة والتنمية الحاكم احتجاجاً حاشداً أمام القنصلية الروسية فى شارع الاستقلال فى إسطنبول، ورفعوا شعارات معادية لروسيا وإيران وسورية.
وتُظهر مراجعة الصحف الموالية للنظام التركى منذ بوادر سقوط حلب الشرقية بيد الدولة السورية، عشرات المقالات وآلاف الصور المُحرّضة على روسيا، ما أسهم فى حالة من التجييش والتحريض كان لها أثر بالغ فى توجيه الرأى العام، وتوفير المظلّة الشرعية لممارسة عمليات اعتداء ضد المصالح الروسية فى تركيا والمنطقة.

Qatalah