يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بعد يوم واحد من اجتياح جيش إردوغان لعفرين يناير الماضي، تداولت وسائل إعلام وثائق مزيفة تزعم أن المدينة السورية أرض تتبع تركيا، وأن التواجد العسكري فيها هو من أجل الدفاع عنها. 

تناست الوثيقة أن مدن (أورفة ــ عنتاب ــ كلس) الموجودة في عمق الجنوب التركي كانت مدنًا سورية بنص اتفاق سيفر الدولي، إلا أن أتاتورك ضمها عنوة إلى حدود بلاده.

يعد كتاب "أرض الميثاق الوطني"، للمؤرخ التركي، أنس دميرو الموالي لإردوغان - يعمل حاليًَا في مجلس الوزراء التركي - هو المصدر الرئيس لتلك الوثائق المزيفة. 

 

 

 

ادعت الوثيقة أن الجيش العثماني حارب الاحتلال الفرنسي في مدينة عفرين خلال الفترة بين 1920-1921 بوصفها جزءا من أراضي السلطنة، كما لفتت إلى نص "المثياق الوطني" - مجموعة قرارات اتخذها آخر برلمان عثماني في 28 يناير 1920 - على أن المدينة السورية أراض لا يمكن التنازل عنها.

أشارت الوثائق المفبركة إلى مراسلات كتبها القائد التركي في عفرين، بولاط بك، أرسلها إلى قيادة جبهة أضنة في مدينة "قهرمان مارش"، ومراسلات أخرى تشير إلى أنه في العام 1921 كانت القوات التركية تتواجد بشكل دائم في منطقة عفرين.

ترويج الأكاذيب
زعم المدلس التركي أنس دمير في كتابه أن الجيش لم يخسر مدينة عفرين خلال الحرب العالمية الأولى، حيث كان يسيطر على مناطق "أعزاز، عفرين، تل رفعت" حتى بعد توقيع هدنة "موندروس" عام 1918 عقب هزيمة الدولة العثمانية.

 

 

 

 

أشار إلى أن نفوذ الجيش التركي كان في مناطق من جنوب مدينة هاطاي التركية، حتى شمال إدلب، وفي تلك الفترة كان الجيش السابع في القوات المسلحة بقيادة مصطفى كمال باشا (أتاتورك)، ومقره راجو في عفرين، مسؤولًا عن قيادة العمليات في المنطقة.

نشرت صحيفة "صباح" الموالية لإردوغان تلك الوثائق، كما كثفت صفحات على مواقع التواصل من ترويجها وجزمت بصحتها في محاولة لتثبيت الأمر الواقع وشرعنة احتلال الشمال السوري.  

تاريخ من الأطماع 
لا تستطيع تركيا نسيان ماضيها القائم على سياسة الغزو واحتلال الآخر، وتزعم غالبية الأدبيات والقصص الشعبية أن سورية تم اقتطاعها من الإمبراطورية العثمانية، سُلب منها بعد الهزيمة التي تكبدتها مطلع القرن العشرين.

تُنسب أولى محاولات إعادة سورية إلى الحظيرة العثمانية لمصطفى كمال أتاتورك، فرُغم طي صفحة الماضي العثماني، منذ قيادته حرب التحرير التركية (1919 ــ 1923) ضد الحلفاء، إلا أن ذلك لم يثنه عن محاولات قضم المنطقة الممتدة على خط (إسكندرونة ــ حلب ــ الموصل)، وضمها إلى تركيا.

تمكن أتاتورك من احتلال كل ما كان تابعًا لولاية حلب مدن (أورفة ــ عنتاب ــ كلس)، قبل توقيعه اتفاق هدنة مع الفرنسيين في اجتماع "أنقرة" 1921، وكانت تلك المناطق وفق معاهدة "سيفر" 1920 تتبع الأراضي السورية، وتقع تحت الانتداب الفرنسي.

 

 

 

 

حدد اتفاق "سيفر" حدود الكيان السوري، وجعل الحد الفاصل مع  تركيا خطًا يبدأ من غرب مدينة "جيهان"، ويمتد شرقا على مسار خط السكة الحديد التي كانت تمر إلى الشمال من عنتاب وأورفة وماردين وصولا إلى نهر دجلة.

لم يكتف أتاتورك بما حققه بغير وجه حق، تمكن مرة أخرى من ضم أراض جديدة عبر اتفاق لوزان (1923)، وفي العام 1939 إبان الحرب العالمية الثانية كانت سورية لا تزال تحت الانتداب الفرنسي، شعرت فرنسا بالحاجة إلى كسب الود التركي فتنازلت لها عن لواء إسكندرون تحت ذرائع واهية منها أن غالبية سكانه من الأتراك، وعلى الفور وافق أتاتورك بالعرض الفرنسي المغري. 

الجدير بالذكر أن أنقرة نشرت في وقت سابق وثائق وخرائط تزعم أنها تاريخية تخص الموصل وحلب، أوضحت فيها أنها ستبسط سيطرتها من جديد عليهما، بسبب أحقيتها التاريخية فيهما، في محاولة منها لتبرير موقفها من انتهاك سيادة دول الجوار، عبر التدخل عسكري.

Qatalah