يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في 19 يناير 2007، وفي وضح نهار إسطنبول، لقي الصحافي التركي من أصول أرمنية، هرانت دينك، مصرعه بالرصاص، على يد مراهق ذي نزعة قومية متطرفة، وذلك بعد رفض بلدية إسطنبول طلب دينك بتعيين حماية شخصية له، على خلفية تلقيه تهديدا بالقتل.

المشهد يبدو أنه يتكرر، فالروائي التركي الأشهر، الحائز على جائزة نوبل للآداب، أورهان باموق، تلقى تهديدات جادة متتالية بالقتل، وصلت لحد التخطيط للاغتيال، إلا أن جهاز الاستخبارات التركي نفى في تقرير له وجود أي خطر على حياته.
باموق ودينك كلاهما كان هدفًا لانتقادات وغضب كاسح من القوميين المتطرفين، خصوصا وأنهما يظهران تعاطفا مع الأرمن ودعمًا لهم. الثاني بحكم انتمائه لهم، والثاني لموقف شخصي اتخذه، ورآه مناسبا لإنسانيته.

الشرطة أجهضت محاولة لاغتيال باموق في 2006، خططت لها جماعة قومية متطرفة، بجانب عشرات الدعاوى القضائية التي تتهمه بإهانة الهوية التركية، بعد أن أجرى مقابلة مع صحافي سويسري، ديسمبر 2005، انتقد خلالها معاملة الأرمن والأكراد على أيدي الإمبراطورية العثمانية والجمهورية التركية، كما اعترف بالمذابح ضد الأرمن وبشاعتها.

المخابرات.. تكذب
وفيما قالت تقارير جهاز الاستخبارات الوطنية في 2006 أنه لا يوجد خطر حقيقي يهدد حياة باموق، جاءت تقارير الشرطة على العكس، مؤكدة أن حياة الروائي العالمي معرضة للخطر.
وثائق سرية أظهرت أن استخبارات الشرطة حددت تهديدًا ملموسًا ضد باموق من مجموعة تركية تابعة لتنظيم القاعدة، وهي منظمة "غزاة الشرق الأعظم الإسلاميين"، والتي كانت مسؤولة عن عشرات التفجيرات وعمليات القتل في تركيا خلال التسعينيات، وكانت تقوم بدور نشط في تجنيد الجهاديين الأتراك للانضمام إلى النزاعات في سورية وبلدان أخرى خلال السنوات الأخيرة.

إردوغان حاميًا للإرهاب
حكومة الرئيس التركي، رجب إردوغان، وفرت غطاءً سياسيًا لمنظمة غزاة الشرق الأعظم الإسلاميين، إذ تدخل في 2014 لإطلاق سراح زعيمها الراحل، صالح ميرزا بك اوغلو (اسمه الحقيقي صالح عزت ارديش)، من السجن، حيث كان يقضي عقوبة السجن المؤبد. 
إردوغان اعترف، في مقابلة تليفزيونية، بأنه أمر رجاله بالقيام بكل ما يلزم لمساعدته على الخروج من السجن، وهنأه عبر الهاتف فور إطلاق سراحه، وعقد اجتماعًا خاصًا معه في مكتبه في إسطنبول.
تحريات الشرطة التركية بيّنت أن إحدى منشورات المنظمة، بعنوان "قاعدة"، استهدفت باموق، إذ ذكرت: "لقد سجلنا كل التعليقات التي أبداها باموق". اعتقدت الشرطة أنه بذلك ربما يكون معرض للخطر من قبل "غزاة الشرق الأعظم الإسلاميين".

الشرطة التركية استدعت باموق في 20 ديسمبر 2005، وسألته عما إذا كان يريد حماية شخصية، وهو ما رفضه الكاتب. لكنه طلب في نفس الوقت من الشرطة أن يبلغوه  بما يستجد من معلومات دقيقة تشير إلى أنه في خطر. ووقع باموق على إفادة في 22 ديسمبر بهذا الشأن، مؤكدًا رفضه للحماية الأمنية.

مكتب رئيس بلدية إسطنبول، في 22 ديسمبر، سأل الاستخبارات التركية عما إذا كان باموق في خطر، وأجاب مكتبها في إسطنبول في اليوم التالي عبر اتصال سري بأن الجهاز ليس لديه معلومات محددة عن أي تهديد ضد المؤلف التركي من قبل أي جماعة إرهابية. كما قلل من خطورة النعرة القومية في تركيا التي جعلت من باموق عدوًا للشعب. 
في إحدى جلسات محاكمته بإهانة الهوية التركية، وأثناء خروجه من المحكمة، تعرض باموق وسيارته لاعتداء من متطرفين كانوا متربصين به. ومع ذلك، قالت الاستخبارات إنه في أمان، على العكس من تقارير الشرطة.

في 21 ديسمبر 2005، استقرت الشرطة على أن حياة باموق في خطر، وطلبت من مكتب رئيس بلدية إسطنبول تعيين حماية شخصية له بموجب قانون يسمح للسلطات بتنفيذ ذلك دون طلب من الشخص المستهدف. بعد شهر، في 26 يناير 2006، طلب باموق بنفسه من السلطات توفير حماية شخصية، وبناء عليه تم تمديد الحماية الأمنية التي خُصصت له مسبقًا.

بخلاف منظمة غزاة الشرق الأوسط الإسلاميين، خططت مجموعة أخرى ذات نزعة قومية متطرفة، تعمل مع زعيم العصابة المدان، سادات بكر، لمؤامرة أخرى لاستهداف باموق واغتياله. تضمن سجل مكالمات هاتفية اعترضها المحققون الأتراك في 2 أكتوبر 2007، في الساعة الثامنة و26 دقيقة مساءً، محادثة بين اثنين من المشتبه بهم، هما محمد يوجي وكوشكون تشاليك.

سادات بكر، زعيم مافيا مسلحة، شاركت في تمويل الجماعات الإرهابية في سورية، وله صور متعددة يبدو فيها مدى القرب والألفة بينه وبين إردوغان. وسبق له تنظيم مؤتمر جماهيري لدعمه في الانتخابات الرئاسية، قال فيه أمام الحشود عن إردوغان إنه "زعيم يستحق أن يتقدم الصفوف"، وأضاف عن المعارضين: "سنريق دماءهم أنهارا وكأنما تتقطع شرايين العالم بأسره، ولن ننظر إليهم بعين الرحمة أو الشفقة، وعندها سيعرفوننا جيدا".

يوجي وتشاليك ناقشا في هذه المكالمة ما يمكن أن يلحق بهما إذا تم القبض عليهما بعد تنفيذ عملية اغتيال باموق، إذ قالوا إن بكر سيحرص على نقلهم إلى السجن الذي كان مسجونًا فيه، وإنهم سيبقون هناك في راحة وسيدفع لهم بسخاء مقابل قبول "العملية".
قبل 15 دقيقة من هذه المكالمة، أرسل يوجي رسالة نصية قصيرة إلى تشاليك يقول فيها: "سنهتم بمسألة أورهان باموق وسنحصل على 1.6 مليون دولار تقريبًا، وأضاف يوجي: "سوف نقوم بالتحضيرات اللازمة".

في الرسالة نفسها، قال يوجي إن شريكه تحدث بالفعل مع أشخاص شاركوا في اغتيال الصحافي دينك، وأكد أن سادات بكر وزعيم المافيا الآخر، علاء الدين تشاكيجي، يدعمان خطتهم. 
الشرطة استجوبت تشاليك وسألته عن المكالمة الهاتفية. في إفادته، واعترف بأن "العملية" الأولى التي جاءت في الرسالة النصية كانت لقتل السياسي الكردي وعضو البرلمان التركي أحمد تورك، وأوضح أنه شعر بعدم الارتياح إزاء هذا الاغتيال، وخشي أن ينتقم حزب العمال الكردستاني باستهداف عائلته.

عندما شرح يوجي ذلك لرجل يدعى العقيد فكري محمد كاراداغ، وهو شخصية غامضة أخرى في الشبكة ذات النزعة القومية الجديدة، طلب منهم قتل أورهان باموق بدلا من تورك، وضمن لهم، في حال اعتقالهم، فإن سادات بكر سيضمن سلامتهم في السجن. لكن اكتشفت الشرطة مؤامرة الاغتيال وأحبطتها.
التهديدات ضد باموق استمرت في السنوات التالية. وكشفت وثيقة عسكرية سرية أرسلتها قيادة الدرك في إسطنبول، في 12 يوليو 2008، أن متشدد تركي يدعى إمره يمان، من محافظة أغري، وهو عضو في "سادات بكر" خطط لقتل باموق، وأن مدع عام في إزمير أطلق تحقيقًا في هذه المزاعم. أوضحت المذكرات الاستخباراتية في ملف قضية التحقيق أن يمان جنّد مراهقًا يبلغ من العمر 15 عامًا يدعى "أيسه أوزبي Ayse Özbey" لارتكاب جريمة القتل.

في 7 يوليو 2008، حصلت الشرطة على معلومات جديدة تشير إلى تخطيط جماعة "حزب الله" التركية، لاغتيال باموق. بيّنت المذكرة أن "حزب الله" كان يدرس تنفيذ هجوم مثير وأنه قد وقع الاختيار على باموق ليكون هدف العملية.
المحادثات التي التقطتها الشرطة أظهرت أن العديد من الأشخاص المرتبطين بحزب الله قاموا باستعدادات للهجوم، وأن قاتلًا مأجورًا سيرسل تقرير عن العملية إلى محافظة بطمان في 10 يوليو. جرى مشاركة هذه المعلومات الاستخباراتية مع مكتب المدعي العام في إسطنبول، وعلى إثرها تقرر تعزيز الإجراءات الأمنية حول منزل باموق.

قبل اغتياله بأيام، تلقى هرانت دينك، تهديدًا بالقتل من عميل في الاستخبارات التركية، لكن لم يتم التحقيق أبدًا في دور الجهاز، بل إن حكومة أردوغان تدخلت لمنع تحقيق قضائي عن دور جهاز الاستخبارات الوطنية في اغتيال الصحافي التركي الأرمني، سواء بالعمد أو بالإهمال.
ورغم الالتماسات المتكررة التي قدمها محامو عائلة دينك، منعت السلطات التركية أي موظف في جهاز الاستخبارات من الإدلاء بشهادته في المحكمة، حتى ولو كشاهد في القضية.

Qatalah