يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في ضربة استباقية، أفقدت النظام التركي توازنه، داس جنود الجيش السوري صباح اليوم أوهام الغزو التركي بأقدامهم، وهم يتقدمون صوب مدينة منبج، ويسيطرون عليها بالكامل.
"مستجيبا لنداء أهالي المدينة لحمايتهم من العدوان التركي".. انتشر الجيش السوري في المدينة، منذ الساعات الأولى، وسارع جنوده إلى رفع العلم السوري في أرجائها، ما قطع الطريق نهائيا على خطة الغزو التي توعد بها رجب إردوغان في الأيام الماضية.
وفي أول رد فعل دولي، رحبت روسيا بدخول السوريين منبج، وشدد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف على أن رفع العلم ‏السوري في المدينة يمثل من دون أدنى شك خطوة إيجابية ستسهم في استعادة استقرار المنطقة.‏
الصحف التركية الموالية لإردوغان ردت بفتح النار على خطوة دمشق، كونها تربك خطط أنقرة، التي ابتهجت لقرار واشنطن سحب قواتها من شرق الفرات، معلنة عزمها الهجوم على القوات الكردية في الشمال السوري في أية لحظة، طوال الأسبوع الماضي.

"سوريون أرضا وشعبا"
قالت وحدات حماية الشعب الكردية، في بيان اليوم، إنها سارعت لاستدعاء الجيش السوري لدخول منبج حماية للمدنيين "في ظل التهديدات المستمرة من الدولة التركية لاجتياح مناطق شمال سورية، وتدمير المنطقة، وتهجير أهلها المسالمين، كما حصل في جرابلس و إعزاز و الباب و عفرين".
وأضافت "لهذا ندعو الدولة السورية التي ننتمي إليها أرضا و شعبا و حدودا إلى إرسال قواتها المسلحة لاستلام هذه النقاط وحماية منطقة منبج من التهديدات التركية".
أكد بيان الوحدات الكردية انسحابها الكامل من المنطقة، وتفرغها للحرب ضد داعش والمجموعات الإرهابية الأخرى المدعومة من النظام التركي في شرق الفرات ومناطق أخرى.
 
"كل شبر عربي حر"
الجيش السوري الذي لبى نداء الأهالي على الفور، أصدر بيانا قال فيه "انطلاقا من الالتزام الكامل للجيش بتحمل مسؤولياته الوطنية في فرض سيادة الدولة على كل شبر من أراضي سورية، واستجابة لنداء الأهالي في منطقة منبج، تعلن القيادة العامة عن دخول وحدات من الجيش العربي السوري إلى منبج ورفع علم الجمهورية العربية السورية فيها".

 "اتفاق قذر"
في أول تعليق مرتبك على سيطرة الجيش السوري على منبج، قال رجب إردوغان- الذي بدا عليه الإحباط والصدمة- إن هذه الادعاءات ليست مؤكدة حسب معلومات الاستخبارات التركية.
زعم إردوغان أن نظام  الرئيس بشار الأسد يشن حربا نفسية هناك، مشيرا إلى أن بلاده ستبحث هذه القضية مع موسكو، حيث يتوجه وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو غدا السبت إلى روسيا لمناقشة الملف بشكل مفصل.

وبنبرة يائسة، أشار الرئيس إردوغان إلى أن هدف بلاده في سورية هو تطهيرها من الإرهابيين، وإذا تحقق ذلك سيخرج منها مباشرة، حسب زعمه.

تبارت الصحف التركية في الهجوم على الانتصار السوري، وقالت صحيفة دوفار إن أكراد منبج استنجدوا بحكومة دمشق من أجل إنقاذهم من أنقرة، بعد تهديدات الاجتياح، كما حدث من قبل في عفرين والباب وغيرها من المناطق السورية.

صحيفة صباح -كبرى الصحف الموالية- نقلت الخبر مباشرة تحت عنوان "الاتفاق القذر في منبج، وحدات حماية الشعب والعمال الكردستاني يعلنان انسحابهما من منبج"،  وقالت إنه "مع بدء انسحاب الجنود الأميركيين من سورية، قررت الوحدات الإرهابية الانسحاب من منبج غربي الفرات، وتسليمها للجيش السوري".

وزارة الدفاع التركية من جهتها أصدرت بيانا كشف مدى الاضطراب الذي أصاب حكومة أنقرة، إذ ادعى أن "وحدات حماية الشعب الكردية لا يحق لها دعوة قوة ثالثة إلى منبج والتحدث باسم الشعب (السوري)".

وشاركت "الدفاع التركية" شكوك الرئيس بشان ما حدث على الأرض قائلة :"فيما يتعلق بالحالة في منبج، يتم سماع العديد من التصريحات المشكوك فيها" ووجهت ما قالت إنه دعوة جميع الأطراف إلى "تجنب التصريحات والإجراءات الاستفزازية التي يمكن أن تؤدي إلى عدم الاستقرار في المنطقة". 

صراع في أنقرة
وسائل الإعلام التركية انتابها الصرع، وأخذت تتنبأ بتحول منبج إلى مسرح مواجهة بين الجيشين السوري والتركي، خاصة في ظل التعزيزات العسكرية التركية باتجاه الشمال السوري، وآخرها منتصف ليلة أمس الخميس.

أحد القادة التركمان في الجيش السوري الحر الموالي لإردوغان زكريا قارصلي، زعم أنهم مستعدون أتم الاستعداد لتحرير منبج وتطهيرها من الإرهابيين.

مكالمة انقلابية
في 14 ديسمبر الجاري، تغير كل شيء على الجبهة السورية، حين تلقى إردوغان اتصالا هاتفيا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعقبه إعلان واشنطن فجأة سحب  قواتها من سورية، وإعادة نحو ألفي جندي كانوا منتشرين في شمال سورية،  دعما لقوات سورية الديموقراطية في معاركها ضد تنظيم داعش الإرهابي إلى بلادهم.

الانسحاب المفاجئ للعالم أثار نهم أنقرة للمزيد من التوغل في الشمال السوري، لترد باريس وعواصم أخرى بالتحذير، ما دفع إردوغان للتراجع عن اجتياح منبج في الساعات الخيرة لـ "فترة مؤقتة" حسب قوله، تحسبا لرد الفعل الدولي.  

في تلك الأثناء، جرى رصد رتل عسكري تركي يتحرك باتجاه الحدود التركية الجنوبية مع سورية، فضلا عن تعزيز الميليشيات المدعومة من تركيا عند خطوط التماس مع قوات سورية الديموقراطية في محيط منبج، حسب "فرانس برس".
 
مسؤولون أتراك قالوا لـ روتيرز إن "ترامب سأل إردوغان في المكالمة هل تستطيع تطهير سورية من داعش إذا سحبنا قواتنا من هناك؟ فرد: نعم نستطيع، ليمنحه الأمر: إذن فلتفعلها أنت"، ثم أصدر أوامره لمستشاره للأمن القومي جون بولتون - الموجود على الخط - بسحب القوات الأميركية من سورية.

إردوغان غارق لأذنيه في شمال سورية، بين أطماعه وفشله المتواصل، وفضائح دعمه للإرهابيين هناك، في ظل تقدم الحكومة السورية يوما بعد آخر، في تحرير أراضيها من الدواعش والميليشيات الأخرى.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان حاضرا على خط إفشال خطط إردوغان، من قبل، حين وافق على طلب الرئيس التركي تأجيل تدخل القوات السورية شرق الفرات، واشترط عليه لقاء ذلك تطهير المنطقة من إرهابي داعش، وهو ما لم يفعله إردوغان حتى الآن، لأنهم حلفاؤه.

خسائر الجيش التركي
غرق إردوغان في شمال سورية يكشفه خسائر الجيش التركي، خلال عمليتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون" آوائل العام الجاري، من مخزون الدبابات طراز "ليوبارد"، الألمانية المتهالكة، ما دفعه للسعي لإنتاج دبابة جديدة أطلق عليها اسم "ألتاي" أملا في تعويض خسائره.

كانت 11 دبابة دُمرت في معركة الباب، التي فقدت فيها تركيا أرواحاً كثيرة، وأظهرت مقاطع فيديو الدبابات المدمرة والآليات القتالية من طرازات مختلفة مبعثرة في ساحة المعركة.

فقد الجيش التركي 862 جندياً ومقاتلا تابعين له في عملية درع الفرات (أغسطس 2016 - مارس 2017) بالإضافة إلى 270 مصابا، كما سقط في "غصن الزيتون" ( انطلقت 20 يناير 2018) المئات من القتلى والمصابين أيضاً. 

وحسب موقع تركي بيورج فإن أكثر من 200 عسكري سقطوا بين قتيل وجريح في صفوف الجيش التركي خلال العملية، بالإضافة إلى مئات القتلى والمصابين في الألوية والميليشيات التابعة لتركيا.

في المقابل، نفى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، التصريحات السورية والكردية حول الوضع في منبج، إذ أكد التحالف في بيان رسمي، عدم وجود تغييرات في الانتشار العسكري في بلدة منبج السورية، وأضاف الحساب الرسمي لقوات التحالف الدولي المنخرطة في عملية "العزم الصلب" على "تويتر": "رغم عدم صحة المعلومات المتعلقة بالتغييرات التي طرأت على القوات العسكرية في مدينة منبج في سورية، فإن قوات التحالف المنخرطة في عملية العزم الصلب لم تر أي مؤشر على صحة هذه الادعاءات".

Qatalah