يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد، رفع شعار "مصر للمصريين"، لمواجهة دعاة السيادة العثمانية على مصر، حيث كان العقاد مناهضاً لشمولية السياسية والفكر، وحارب دعوات العثمانيين لإنشاء الجامعة الإسلامية، لأنها كانت غطاءً للتغلغل العثماني في بلاد المسلمين، كما دافع عملاق الأدب عن حق الشعوب التي تحتلها السلطنة العثمانية في نيل حريتها وإقامة دول مستقلة، تعيش في سلام فيما بينها، لذا دعم الحركة الإصلاحية العربية، واحتفى برائدها عبد الرحمن الكواكبي.
 
العقاد انتقد من نادى بربط مصر بالعثمانيين، من أقطاب الحركة الوطنية مطلع القرن العشرين، وشدد على ضرورة استقلال مصر التام عن الإنجليز والعثمانيين. حيث كانت مصر تشهد حركة وطنية واسعة، تضم رؤى عديدة عن مستقبل مصر، وكان من بينها تياران قويان: الأول نادى باستقلال مصر التام، الثاني دعم السيادة العثمانية، ومثله الحزب الوطني المصري، الذي أسسه مصطفى كامل.
في معرض حديثه عن الحزب الوطني، كتب العقاد :"فقد تقدم غير مرة أننا كنا ننكر السيادة العثمانية، ونكره أن يكون الاعتراف بها مبدأ من مبادئ الوطنية المصرية"، وعن موقفه من تيارات الوطنية المصرية قال :"الخطة المثلى هي مصر للمصريين، تمييزاً لها من خطة المحافظة على السيادة العثمانية".
العقاد، أوضح أن "الحوادث تمخضت فظهر بعد حين موقع الصواب من المذهبين (مصر للمصريين، التبعية للعثمانيين)، حيث ضعفت حجة السيادة العثمانية شيئاً فشيئاً حتى أصبح الجيل الحاضر يتعجب كل العجب كيف كان هذا الرأي في يوم من الأيام موضع خلاف". 
 
الحركة الوطنية
التبعية الاسمية للدولة العثمانية كانت عائقاً أمام الحركة الوطنية المصرية، في مواجهة الاحتلال البريطاني، فقد اتخذ المحتل من السكوت العثماني عن الوضع القائم، حجة لمواجهة المطالب المصرية بالاستقلال، وكان الرد بأن السلطان العثمانلي هو ولي أمر مصر.
الحركة الوطنية كانت مقيدة أيضاً في رفع المطالب، فلم يكن بمقدور أعضائها في بعض الفترات المطالبة بإعلان "الدستور" في ظل عهد السلطان المستبد عبد الحميد الثاني، الذي عطل الدستور وحل مجلس المبعوثان، كما تخوف المصريين، مثل الشيخ علي يوسف، من استغلال بريطانيا غضب السلطان في قمع الحركة الوطنية.
 
مساومة أوروبا
كان السلطان العثماني يتهم الخديويين (حكام مصر) بالسعي إلى تحويل الخلافة من الترك إلى البلاد العربية، وكانوا بدورهم يحذرون من السلطان لأن بيده خلع أمير مصر، أو تبديل نظام الوراثة، وكانت الخطورة في قدرته على مساومة الدول الأوروبية على حساب استقلال مصر، إذا كان ذلك يحقق مصلحة إسطنبول.
إعلان الحماية البريطانية على مصر عام 1914، ترتب عليه انتفاء السيادة العثمانية على مصر، وسقوط حقوق السلطان على الأسرة الحاكمة، وأصبح لمصر سلطان مستقل، ثم ملك، في خطوة أنقذت مصر من مؤامرات القصر العثماني، وحررت العقل المصري من أوهام الخلافة العثمانية، وكان لها أثر إيجابي على نهضة الحركة الأدبية، كما أوضح العقاد :"انتهاء العلاقة بين مصر والدولة العثمانية، أنهى مدرسة الكتاب والأدباء، الذين كانوا يضعون قدماً في هذا البلاد أو ذاك، وقدماً في بلاط صاحبة الجلالة، ونشأ الجيل الجديد من الكتاب والشعراء في الهواء الطلق، أو في جو الحركة الوطنية".
 
خرافات العثمانلي
الذهنية العثمانية كانت تؤمن بالخرافة، على الرغم من استعمالها لمنتجات العلم الحديث، وقد تحدث العقاد عن هذه الإشكالية، التي ظلت مصاحبة للعقل العربي، حتى اليوم، حيث نقل العقاد عن السيد عبد الحميد الزهراوي، المناضل العربي، وعضو مجلس المبعوثان العثماني، ما حكاه في أحد أمسيات مجلس الآنسة "مي"، عن موقف كشف عن هذا الجهل.
في إحدى الجلسات، تمت مناقشة مشكلة غرق قطعة بحرية، فقام أحد النواب العثمانيين يطالب بشراء نسخ من كتاب البخاري، بقدر عدد القطع الحربية، توزع عليها، لتحفظها من الحرائق والغرق، وكان رد الزهراوي هذه الخرافة، بقوله : "السفن الحربية لا تسير في هذا الزمن بالبخاري، وإنما تسير بالبخار".
 
حادثة المطبعة
الشعوب التي تخضع للسلطنة العثمانية عاشت في خوف من الاعتقال والاغتيال، فقد كانت دسيسة واحدة كفيلة بالاطاحة برقاب العشرات، في دولة لم يكن للقانون فيها احترام، وقد لمس العقاد ذلك بنفسه، وكتب عنه عند تناوله للقضية المعروفة باسم "قضية المطبعة"، التي وقعت أحداثها عام 1902 في عهد المستبد عبد الحميد الثاني.
القاهرة كانت مقراً للصحف المعارضة للمستبد، لذا سعى إلى القضاء على هذه المعارضة، وعرف عن طريق جواسيسه بوجود مطبعة في القاهرة، تطبع المنشورات المعارضة، وكاد جواسيسه أن يصلوا إلى كشوف عن أسماء الناشطين في معارضة السلطان، لولا أن تدخلت بريطانيا، وأنقذت الكشوف من مبنى المطبعة، قبل أن تصل إليها أيدي عملاء السلطان.
العقاد سأل أحد القائمين على المطبعة عن سر خوفه الشديد، فالقصة لا تعدو كونه يطبع جريدة، لكن الرجل أخبره قائلاً :"إنك يا بني لا تعلم أنها مسألة خطرة على حياة المئات".
 
عبقرية الكواكبي
العقاد وضع كتاباً عن عبد الرحمن الكواكبي، صاحب المؤلف الشهير "طبائع الاستبداد"، تناول فيه سيرته، وأعماله، ونضاله ضد الاستبداد العثماني، ورأى العقاد أن الكواكبي اشتغل على قضيتين بشكل أساسي وهما: قضية البحث في أسباب تأخر الأمم، لاسيما العالم الإسلامي، والثانية قضية البحث في عوامل الاستبداد في حكم الدول، لاسيما الدولة العثمانية.
 
الكواكبي أودع خلاصة آرائه عن قضية التخلف في كتابه "جمعية أم القرى"، وخلاصة فكره عن الاستبداد في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، حيث لاقت مواقف الكواكبي من قضية الاستقلال وقضية الجامعة الإسلامية والإيمان بالإصلاح الديني والوطني إعجاب العقاد، الذي أثنى على إطلاع الكواكبي الواسع، على الوضع المتدهور للدولة العثمانية، وما يتبع ذلك من خطر على بلاد العرب.
العقاد فند الأطماع الخفية للسلطان عبد الحميد الثاني من وراء فكرة الجامعة الإسلامية، والتي هدف من خلالها إلى السيطرة على العرب، ووصف الكواكبي بأنه "شخصية عزيز قوم يغضب لكرامته، وكرامة قومه"، وخصص العقاد لمؤلف كامل عن الكواكبي تقديرا لفكره ودوره النضالي في سبيل خدمة الأمة العربية، والتصدي للاستبداد العثماني.
 
الأوهام الاستعمارية
العقاد رفض المركزية التركية، وأكد أن التشبث بالسيادة التامة على الأمم الأخرى سيعرض السلطنة إلى متاعب كبيرة، كما هاجم الأوهام الاستعمارية العثمانية، وطالب الأتراك بالتخلي عن البلقان، فلن يجنوا منه سوى الدماء، وبعد هزيمة البلقان أكد على ضرورة التخلي عن هذه الأوهام، والإيمان بحقوق الشعوب في الاستقلال وإنشاء دول قومية. 
العقاد أكد أيضاً على ضرورة استقلال العرب، وحق كل شعب في دولة مستقلة، حيث كان العقاد يرفض كل مذهب يحدد موقفاً شاملاً متكاملاً من كل نواحي النشاط الإنساني، لذلك رفض الاستبداد العثماني، وكان له موقف نبيل من رفض النازية أيضاً.

Qatalah