يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


7 يوليو 2019 انتهت هيمنة إردوغان

وفقًا للعديد من المؤرخين كان القرنان الــ 16 والـــ 17 هما فترة "الهيمنة العثمانية" في أوراسيا. حيث يُزعم أن أسلافنا العثمانيين، الذين أصبحوا "القوة الوحيدة" في حوض البحر الأبيض المتوسط والبلقان والشرق الأوسط والقوقاز خلال هذين القرنين، قد حققوا هيمنة تسهم في استقرار هذه المناطق وازدهارها.

أما القرن الــ 20 فقد بدأ بالهيمنة البريطانية، والتي تركت مكانها للهيمنة الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. أما الشعور بالغموض وانعدام الأمن والفوضى التي تحيط بنا في العالم في الوقت الراهن فيرجع إلى تحدي كلٍّ من الصين وروسيا للهيمنة الأمريكية. ومن المتوقع أن تنتهي فترة التحدي هذه إما بحرب علنية أو بتصالح الدول العظمى على تقسيم جديد للعالم.
هيمنة إردوغان في تركيا أي الفترة التي حكم فيها الرئيس إردوغان البلاد بمفرده بدأت فعليًا بقضايا أرغنكون، وانتهت بانتخابات إسطنبول في الـ 23 يونيو الماضي. وهنا لا بد من تفسير فوري. فانتهاء هيمنة إردوغان لا يعني رحيله عن الرئاسة، ولا حتى إن يقوم حزب العدالة والتنمية بنقل السلطة بدعم من حزب الحركة القومية أو بمفرده إلى حزب أو أحزاب أخرى.

سيظل إردوغان رئيسًا حتى نهاية فترة ولايته، وربما يتم إعادة انتخابه إذا تمكن من إعادة الاقتصاد إلى مجده السابق. ويظل حزب العدالة والتنمية أقوى مرشح للحكم مع وجود إردوغان أو بدونه. وراء مفهوم "باكس/الهيمنة" توجد مفاهيم مثل "تحديد مصيره"، و"أن يكون بمفرده أقوى من كل منافسيه مجتمعين"، وأن يكون "صاحب القرار الوحيد والأخير".
انتهت هيمنة إردوغان؛ إذ لم يعد بإمكانه الحكم دون مشاركة سلطاته. فسلسلة الانتخابات المحلية التي جرت بإسطنبول والتي انتهت بهزيمته الأكيدة يوم 23 يونيو، والأهم من ذلك في رأي الشخصي هو إصراره على جلب منظومة الصواريخ إس-400 إلى تركيا منخدعًا بدغدغة ترامب، كانت أخطاءه النهائية.
إردوغان هو زعيم "يكون مرة واحدة في الجيل" لكل بلد، ولكن ما الذي يجعله إردوغان؟
الكاريزما: لماذا يحظى قائد بالحب؟ من المستحيل بالنسبة لي أن أُجيب على هذا بمعلومات وأدوات ولوازم الفروع الاجتماعية التي أنا متمكن منها. إنه يحظى بالحب هكذا، لديه مجموعة من الإمكانيات التي تجعله متعاطفًا ومقنعًا لقطاعات واسعة من شعبنا. من الصعب إعطاء رقم دقيق، ولكنني أقول إن التصويت على الكاريزما يبلغ حوالي 20 بالمائة. بينما يمكن تصنيف النسبة المتبقية من أصوات حزب العدالة والتنمية للأسباب التالية:

القدرة على توزيع أرباح الحصص العقارية: إن قدرة إردوغان على إعالة المقربين إليه، ومن يصوتون له ويخدمون الحزب، ووضعه إياهم في أماكن مرموقة من الممكن أن تشكل الركن الثاني لشعبيته.
قدرته على إنتاج الازدهار الاقتصادي: خلال فترة حزب العدالة والتنمية وإردوغان البالغة 17 عامًا عانت تركيا من حالة الركود خلال الفترة 2008-2009، والفترة 2018-2019 فحسب. فالقدرة على منع ودفع الأزمات المالية والاقتصادية التي اندلعت بشكل متكرر خلال فترة القادة السابقين ألبست إردوغان درع الحصانة والغلبة. وألَّهته في عين الشعب.
الهيمنة على وسائل الإعلام: ثمة أسطورة أو صفقة تكمن وراء نجاح كل زعيم أو حزب. فالأحزاب التي تقدم أفضل خدمة للبلاد أو التي لديها أكثر الخطط فائدة للمستقبل لا تفوز دائمًا بالانتخابات. يفوز أولئك الذين يسيطرون على المعلومات التي تصل إلى الجمهور. ولقد أدرك إردوغان قوة التحكم في المعلومات منذ دخوله لأول مرة في مصارعة "لي الذراع" مع مجموعة دوغان. إن فترة هيمنة إردوغان هي الفترة التي كانت غالبية الشعب تسمع خلالها الحقيقة التي يريدها ويصوغها إردوغان فقط.
لماذا انتهت هيمنة إردوغان؟ ليس لدي أي دليل ملموس على أن كاريزما أردوغان قد تضاءلت. ولكن الأركان الثلاثة الأخرى انهارت أو أصابها الصدأ فتآكلت. لم يعد إردوغان وحزب العدالة والتنمية يوزعان أرباح العقارات حتى على أقرب أقربائهما، لأن الاستثمار العقاري انتهى. وتحول 50 في المائة من الذين لم يصوتوا لصالح حزب العدالة والتنمية إلى منبوذين أو مواطنين من الدرجة الثانية بسبب الإمكانيات الحكومية التي كانت تُمنح تباعًا "للموالين" بصورة غير عادلة، ودون الاحتياط بأنه ينبغي "الاحتفاظ بشيء للغد، ربما تطرأ الحاجة إليه". لقد فُقدت الرغبة في الإنتاج. ثم تم استبدال النظام الاقتصادي القائم على المنافسة الحرة ومكافأة ذوي المهارات بالنظام المشوه الذي كان يربح فيه دون أي جهد يُبذل فقط المقربون من إردوغان.

ونتيجة لذلك أصبحت البلاد غير قادرة على توليد فائض في القيمة لتوزيع الاستثمار العقاري، كما أنها استهلكت من ثروتها القومية. فتم نهب وتوزيع المناجم والأراضي السكنية والأنهار والشركات المملوكة للدولة. لكن مالكيها الجدد لم تكن لديهم الفدائية لتنمية الكعكة الاقتصادية باستخدام هذه الامكانيات.
على مدى 15 عامًا غسلت شركات استطلاع الرأي أدمغتنا برسالة واحدة: الناخب مستقطب، إنه لا يُصوِّت من أجل المصالح الشخصية أو الطبقية، ولكنه يُصوّتُ لصالح الاختلافات الأيديولوجية. لطالما ضحكت على هذا، لأنه، وعلى حد تعبيرنا، هذه فرضية "لا يمكن اختبارها". من الطبيعي أن يذهب الناخب إلى صندوق الاقتراع بأولويات مختلفة طالما أن الدخل القومي للفرد ينمو بانتظام أو من المتوقع أن ينمو. ولكن صورة إردوغان وتميزه بأنه "الرجل الذي يُمطرُ البركة" قد انتهت في آخر عام 2018. وعلى حين أن دخل الفرد دخل في انكماش دائم منذ ذلك اليوم وحتى الآن، أصبحت البطالة والتضخم داءين يستحيل التغلب عليهما.
والسبب الوحيد لفوز تحالف الأمة بالانتخابات المحلية ليس فقدان إردوغان سحر وضع الخبز على الطاولة وإطعام الجالسين، ولكنه السبب الأول.

وأخيرا انهار احتكار وسائل الإعلام. فالتحكم في الصحف والتلفزيون ليس هو نفسه التحكم في المعلومات. فالفئة العمرية من 7 إلى 40 عامًا تتلقى المعلومات عن وسائل التواصل الاجتماعي حاليًا. وعلى الرغم من أن حزب العدالة والتنمية يوظف الآلاف من المتصيدين على الانترنت، إلا أنه خسر الحرب في هذه الجبهة الحساسة أمام حزب الشعب الجمهوري، لأنه فكريًا وعقليًا ليس مستعدًا للقتال على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أرضية فوضوية ومفتوحة. لذلك يحاول خنق وسائل الإعلام الاجتماعية والمواقع الإخبارية، لكنه لا يستطيع. تركيا لم تعد متكاملة مع الانترنت اجتماعيًا فحسب، بل واقتصاديًا أيضًا. قم بإغلاق يوتيوب، وتويتر، وفيس بوك إن كنت رجلًا، عندها يُصاب الناخب بالجنون.
منظومة إس-400 خطأ آخر، لأنه لا أحد في تركيا يهتم بـ إس-400 أو صواريخ باتريوت. الولايات المتحدة الأميركية غير محبوبة، ولكن هذا لا يعني أن روسيا وإيران أو الصين محبوبة. المهم بالنسبة للشعب هو حل هذه المشكلة دون الاضرار بالاقتصاد. ولكن هذا مستحيل طالما أصر إردوغان على إس-400. أولاً ستزيد الولايات المتحدة الأميركية، ثم دول الناتو والاتحاد الأوروبي من الضغط علينا حتى تُثنينا عنها. فهل تترك تركيا حجر الزاوية في استقرار الشرق الأوسط والبلقان وفي القوقاز إلى روسيا "تفضلوا لتكن تركيا لكم"؟
أنا متأكد من أن إردوغان سوف يقوم بعمل اللازم من خلال تفحصه المشهد قبل أن يقع الاقتصاد في الهاوية. لكن "عمل اللازم" لا ينتهي بمجرد شحن إس-400 مرة أخرى وإعادتها إلى حيث تأتي. الاقتصاد في وضع مذرٍ، ولا يمكن للناخب قضاء شتاء آخر في حالة من الركود. لقد نفد الصبر والامكانيات.
إما أن يتغير إردوغان ويتقاسم سلطته مع الزعماء والأحزاب الأخرى وصندوق النقد الدولي، أو أنه سيخضع لقاعدة "يرحل كل من حان موعده" كما في أي نظام ديمقراطي.

نقلا عن "أحوال".

Qatalah