يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


28 سبتمبر 2018 من سيدفع فاتورة الأزمة الاقتصادية في تركيا؟

يتعين علينا أن نتوقف بتفكيرنا طويلاً أمام الوضع الاقتصادي الراهن في تركيا، ونطرح على أنفسنا أسئلة من قبيل "هل توجد بالفعل أزمة اقتصادية في تركيا أم لا، وهل سيشهد الوضع الاقتصادي انفراجة قريبة خلال شهر أو شهرين، أم أن الأمور في طريقها للتفاقم؟ هل يجب علينا أن نتخذ بعض التدابير حيال ذلك، أم نهتم بأمرنا فقط ونقول إن الأمور لا تستدعي كل هذا؟".
باتت هوية الذين سيدفعون فاتورة الأزمة الاقتصادية، التي تعصف بالبلاد، معروفة لدينا، وإن لم تذكر الحكومة هذا صراحةً، في وقت كرَّست فيه الإرادة السياسية الحالية كافة طاقاتها للاستدانة من الخارج بفوائد مرتفعة، وكرَّست القضاء لتغيير نظام الحكم بما يتماشى مع السياسات الاستقطابية التي تزجي روح الفرقة بين طوائف المجتمع في الداخل.
دعوني أؤكد في البداية أنّ هذه الأزمة قد تحوّلت من مُجرّد كونها أزمة اقتصادية إلى أزمة نظام. وما يدعو للأسف حقاً أن الحكومة ودوائر الأعمال المحيطة بها تنكر هذا الأمر تماماً.
إنهم يزعمون أن برنامجهم الاقتصادي متوسط الأجل أو كما يطلقون عليه "البرنامج الاقتصادي الجديد" سيخرج البلاد من أزمتها عن طريق ترشيد الإنفاق، وتحفيز الاقتصاد، والتعرّض لكثير من الضغوط.

فإلى جانب أن عدم إدراك إدارة الأزمة لأبعاد الأزمة الحقيقية، عبر تبني أهداف غير واقعية،  لن يكون بالأمر الصواب، فلن يكون من الخطأ أيضاً قولنا إن إدارة الأزمة بهذا الشكل سيجعل الأزمة الاقتصادية تتحول إلى إعصار عظيم سيلتهم الشركات التي تبحث عن حلول عاجلة للأسواق ولمشكلاتها.

فعلى سبيل المثال، تَسبَّب تطبيق نظام الإعسار المالي الفني بعد مطالبة من ممثلي غرفة الصناعة في غازي عنتاب، في نقل الأزمة برمتها إلى القطاع التمويلي، وحدوث بعض تغيرات أخرى من قبيل عدم اعتبار الشركات، التي غرقت في الديون بسبب سعر صرف الليرة التركية، مفلسة. (يقصد بالإعسار المالي الفني عدم قدرة الشركة على سداد الالتزامات قصيرة الأجل. ومن مؤشرات ذلك حدوث انخفاض حاد في الرصيد النقدي، وضعف تحصيل مديونيات البيع الآجل، وارتفاع تكلفة الاقتراض من البنوك، وتدهور ربحية الشركات، وصعوبة التمويل الذاتي).

وبدلاً من أن تعمل الدولة على ترسيخ الأمن القانوني، وتوفير الضمانات المؤسساتية التي من شأنها تحسين بيئة العمل والاستثمار، يحاول إردوغان إفساح المجال لنفسه بإعطاء بعض الضمانات السياسية لممثلي 30 شركة عالمية معظمهم من أميركا بقوله "إذا واجهتم أية صعوبات، فأنا هنا"...

ويتردد الآن في أنقرة أيضاً اقتراح بدفع رواتب العاملين في غرفة الصناعة هناك، لفترة زمنية محددة، من صندوق البطالة. وعندما نعرف أن العاملين في الإنشاءات الخاصة بالمطار الثالث قد تعرَّضوا للضرب والحبس والاعتقال، لا لشيء سوى أنهم طالبوا بأن يحصلوا على رواتبهم في مواعيدها المقررة، وتحسين ظروف العمل بحيث تكون أكثر إنسانية، ندرك أن احتمال تطبيق هذا الاقتراح على أرض الواقع ليس مُستبعداً. 

ترتفع الأسعار بشكل مضطرد مع اقتراب فصل الشتاء؛ حيث ترتفع أسعار السلع الغذائية والوقود والملابس، كل السلع تقريباً ازدادت أسعارها، وستشهد ارتفاعاً آخر خلال الأيام المقبلة. وفي إطار هذا، أصبح الجميع مثقلاً بالديون، الأفراد والشركات على حد سواء، وخيَّم شبح الإفلاس والطرد من العمل على الشركات والعاملين. ومع تضاؤل فرص الحصول على وظائف إضافية، تقلَّص دخل الأسرة التركية، وصارت تبحث عن طريق تحاول به سداد الديون التي اقترضتها، كما عجز العاملون في القطاع العام عن الادخار من رواتبهم بعد اقتطاع مصروفات التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية.

وعلى الجهة الأخرى، لم تغفل الحكومة، على الرغم مما يعيشه المواطنون من عناء، الإنفاق ببذخ على عنصر الوجاهة لديها؛ فنجدها تنفق سنوياً عشرات الملايين من الدولارات على أمور تتعلق بالوجاهة والشكل العام. أضف إلى هذا المبالغ التي خصصتها من أجل طلاء الطائرة التي يزعمون أنها هبة أو هدية من دولة قطر.
أضف إلى هذا أيضا أن الانتخابات المحلية صارت، هي الأخرى، على الأبواب. ولهذا السبب، يحاول إردوغان جاهدًا أن يقنع جموع الشعب بآرائه، ويكرر "لا يوجد أزمة أو أي شيء من هذا القبيل، هناك مؤامرة تحاك ضد تركيا. إن سبب الأزمة التي نمرّ بها هو هجمة اقتصادية تنفذها القوى الخارجية".

ويبقى السؤال في ظل هذا الوضع عن الشريحة التي ستتحمل الجزء الأكبر من فاتورة الأزمة الاقتصادية الحالية. ومع استمرار جمعية المُصنِّعين ورجال الأعمال بتركيا، التي تنادي- وإن كان على استحياء- بالديمقراطية ودولة القانون وحقوق الملكية، في تجاهل الأسباب الحقيقية للأزمة، لم يكن مُستغرباً على الإطلاق أن تتودد إلى السلطة السياسية في تركيا، طمعاً في النجاة بأقل الخسائر؛ فقد ضغط فقدان الليرة التركية قدراً كبيرًا من قيمتها على الميزانية العامة للشركات، لهذا فهم يرغبون في أن يرفعوا عن كواهلهم أعباء مكافأة الخدمة وضغوط  قوة العمل الأخرى؛ حتى يتمكنوا من مجابهة ما يتعرّضون له من خسائر.

لهذا السبب، فهم يغضّون الطرف عن الممارسات التي تقوم بها الحكومة التركية بواسطة الشرطة والقضاء، ردًا على مطالب العاملين في الدولة؛ خشية انتشارها في عموم تركيا، في حين أن الشرط الأول لإدارة أية أزمة اقتصادية هو التوزيع العادل لأعباء الأزمة على كافة الشرائح بلا استثناء، وأن تثق كل شريحة في المجتمع في أن الحكومة تقوم بهذا الأمر بشكل عادل.

كتب الروائي جورج أورويل مقالا في صحيفة ديلي إكسبريس البريطانية عن ظروف الحرب التي عاشتها بريطانيا في عام 1941؛ حيث كانت تصرف السلع الغذائية ببطاقات أُعِدَّت لهذا الغرض، وصارت تُباع في السوق السوداء. يحكي أورويل عن وصول عدد من سفن المساعدات في يوم 23 يوليو إلى بريطانيا محملة بالبرتقال، وكيف تم توزيع حمولة هذه السفن على المواطنين هناك، حيث يقول:
"تُرى كم ثمرة برتقال من هذا الكم الهائل وصلت بالفعل إلى أيدي الأطفال الفقراء في شوارع لندن الخلفية؟" لو أنهم تحرّوا العدل عند توزيع البرتقال، لحصل كل مواطن على برتقالة، وربما اثنتين من حمولة هذه السفن.

لم تكن ثمرة البرتقال تعني الكثير بالنسبة للأطفال، من ناحية القيمة الغذائية، بقدر قيمتها في تحقيق مبدأ "المساواة في التضحية" بين المواطنين. تُظهر التجربة أنه طالما تحرّى الطرف المقابل العدل في أفعاله، فسيكون الطرف الآخر هو أيضا على استعداد لتحمّل أي شيء...

حسناً، لماذا يتعين على الشعب أن يتحمل هذه الأعباء في مقابل فئة قليلة لم تشعر بالحرمان يوماً. كيف يمكنكم أن تنتظروا منهم أن يفعلوا شيئاً كهذا ؟!

سيُختبر تضامننا الوطني خلال الأزمة عندما تحتم الأزمة فرض قيود كبيرة تطال كل شيء...

لو أثبتنا أن المساواة في التضحية ليست مجرد كلمة جوفاء نرددها، فسنكون حينها في مأمن".

كتب أورويل هذه السطور عن سنوات الحرب. وأنا هنا لا أجد فارقاً كبيراً بين الأزمات الاقتصادية وسنوات الحرب؛ فليس من الممكن الخروج من ضائقة الأزمة الاقتصادية دون خفض مستوى المعيشة بشكل عام.

سنستهلك أقل ونعمل بجد وننتج أكثر، شريطة أن تتوزع فاتورة الإصلاح على شرائح المجتمع كافة دون استثناء.

لا ينبغي لإدارة الأزمة أن تكتفي بإطلاق الشعارات الجوفاء من قبيل "نحن في مركب واحد"، أو بتقديم ضمانات وتسهيلات لرجال أعمال بعينهم، أو بركوب الطائرات الفارهة، أو بتوجيه الدعوات للموائد العامرة بالفاكهة المستوردة من الخارج. لا ينبغي لإدارة الأزمة أن تقهر العمال، وأن تنكل بهم وتحبسهم تحت ذريعة "الإرهاب"، بسبب مطالب عادلة بالحصول على رواتبهم في مواعيدها المقررة، والحصول على حقوقهم الاجتماعية.

لقد تعمقت حالة عدم الثقة في تركيا، وأفلتت الأزمة من عقالها، وصار من الصعوبة بمكان إدارتها أو السيطرة عليها.

نقلا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah