يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


إذا كنت من هؤلاء الذين لا يتخيلون يومهم بدون قهوة، فيجب ألا يشاهدك أحد وأنت تحتسيها، حتى لا تواجه حكما واجب النفاذ بقطع شفتيك أو إلقائك في النهر وأنت مربوط في حجر ثقيل لتستقر في القاع، أو إعدامك بالسيف! كل هذا حدث بالفعل مع شخص مثلك ذات يوم عاش في الدولة العثمانية التي حرّمت القهوة على الناس، واعتبرتها رجسا من عمل الشيطان وزعمت وجود أحاديث نبوية تبشر من يتناولها بعذاب أليم!

نفس الدولة التي أعلنت الحرب على القهوة على مدار قرون وأمرت بإغراق السفن المحملة بحبوبها في البحر، تحاول الآن أن تمحو تاريخ الجهل وتنسب القهوة العربية إلى نفسها وتروج إلى أنها تركية، في محاولة ساذجة لتشويه التاريخ، وقلب ما حدث لتبرئة صحيفة العثمانيين من جرائمهم.

 

يمكنك الآن أن تذهب معنا إلى منتصف القرن السادس عشر لتشاهد بنفسك كيف أهان العثمانيون القهوة، وعاملوا من يقبلون عليها كالمجرمين وقطاع الطرق. تفنن مشايخ السلطان في مطاردة من يحتسي القهوة فقالوا إنه لا يجلس فى مجالس القهوة إلا أراذل الناس وأكدوا أنها مضرة بالصحة ومذهبة للعقل، وتحرض على إضاعة صلاة الفجر بسبب السهر والنوم في وقت متأخر.

 

أما الدليل -المضحك- الذي استند عليه العلماء في ذلك فهو أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يتناول هذا المشروب المنبه، وبالتالي فهو بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. خرج الناس في الشوارع وقاموا بالعديد من أعمال الشغب كرد طبيعي على تلك الفتاوى الباطلة التي ساوت بين القهوة والخمور، ولم يكتف فقهاء السلطان بذلك بل اخترعوا أحاديثا نسبوها للرسول على شاكلة: "من شرب القهوة يحشر يوم القيامة، ووجهه أسود من أسافل أوانيها".

 

أما الفقيه الجزيري الحنبلي فقد ألف كتاب"عمدة الصفوة في حل القهوة" ناقش فيه موضوع القهوة من منظور فقهي، حيث قال: "فمن قائل بحلها يرى أنها الشراب الطهور المباركة على أربابها الموجبة للنشاط والإعانة على ذكر الله تعالى وفعل العبادة لطلبها، ومن قائل بحرمتها مفرط في ذمها والتشنيع على شربها".

 

سلاطين الرجعية
والآن.. هل تشاهد تلك السفينة المحملة بالبن، إنها قادمة من اليمن إلى إسطنبول، لابد أن رائحتها المميزة قد اخترقت أنفك وجعلتك في حالة نفسية جيدة. هذه السفينة تثير غضب العثمانيين، الأمر الذي سيجعل شيخ الإسلام أبو السعود أفندي يفتي بأن القهوة التي تحملها في حكم المسكرات، وبالتالي سوف يتجه الجنود إلى إغراقها بالكامل بالقرب من شواطئ البوسفور!

تخته قلعة
لا بد أنك الآن في حاجة ماسة إلى كوب من القهوة لتمحو المشهد الكارثي ولكنك لا تعرف أين تجده. اطمئن، ففتوى تحريم القهوة في عصر السلطان سليمان القانوني، لم تستطع أن تمنع تهريبها إلى بعض المقاهي؛ خاصة أن روادها أصبحوا من الباشوات وكبار رجال الدولة.

اذهب إلى "تخته قلعة" بإسطنبول فقد أقام شابان من الشام مقهى في المنطقة يتردد عليه الناس بكثافة، هناك ستجد تجمعات من المثقفين والشعراء والعامة، إضافة إلى "الحكواتية" الذين يقصون الحكايات الشعبية على رواد المقهى. ربما عليك أن تتخذ حذرك من البصاصين الذين يملأون المكان ويعتبرون كل من فيه مارقين ويرسلون أسماءهم إلى القصر. ببساطة هذا المكان فخ كبير لاصطياد المعارضين ومن يتحدثون في شؤون الدولة وينتقدون السلطان، وهم يدخنون ويسمعون للمعازف ويلعبون الشطرنج!

 

هاجس السلطة
يجب عليك أن تغادر المكان فورا، فالقاضي محمد الحسيني، طالب بإبطال شرب القهوة وإغلاق المقاهي، وعرض الأمر على سليمان القانوني، الذي استدعى شيخ الإسلام أبو السعود أفندي، وسأله عن شرب القهوة، فأجاب بتركها حذرا من التشبه بالفجار، وقال إن اجتماع الفسقه على إدارتها وعلى الملاهي والملاعب وعلى الغيبة والنميمة فإنه حرام بلا شك.

 

وعندما وصل الأمر لقاضي القدس حذر من زيادة عدد المقاهي التي وصلت إلى 5 فأصدر السلطان مرسوما في 3 ديسمبر 1565 قال فيه: "من الضروري إغلاق واستئصال بيوت القهوة في القدس، وأصدرت أوامري بأن تتولوا شخصيا هذا الأمر وأن تزيلوا بيوت القهوة، وعليكم ألا تتركوا أي مكان يمكن أن يسمى بيت القهوة، وألا تدعوا الأهالي يجتمعون هناك بل عليكم أن تمنعوا وتحولوا دون ذلك، وعليكم تسجيل أسماء الذين لا يحترمون هذا المنع لنعاقبهم".

 

أغلقت المقاهي في إسطنبول والولايات، وبدأ رجال الأمن في مطاردة شاربيها، غير أن سكان المدينة استمروا في شرب القهوة سراً في منازلهم كما فعل سكان مكة والقاهرة من قبل.

 

ملاحقات أمنية
قبل أن تبتهج بانقضاء عصر السلطان سليمان القانوني، وتظن أنه بإمكانك الآن شرب القهوة في العلن.. يجب أن تعرف أن ولده سليم الثاني الذي تولى الحكم بعده كان أشد منه عداوة للقهوة. 

السجن سيكون من نصيبك لو فكرت في تناولها فالسلطان أصدر فرمانا في العام 1572م، يقضي بمنع شرب القهوة وكسر أوانيها وإغلاق المقاهي بعد أن قبض على أصحابها وحكم عليهم بالسجن، وطلب بتنفيذ أوامره في كل ولايات الدولة ولاسيما التي انتشرت فيها المقاهي. فإذا كنت لا تزال مصرا على تناول القهوة فعليك أن تنتظر عهد السلطان مراد الثالث الذي شهدت إباحة القهوة في عصره انفراجة كبيرة.

اجتمع كبار تجار البن وقرروا السفر إلى إسطنبول للتشاور مع مراد، وهناك اجتمعوا بالصدر الأعظم والسلطانة صفية، واتفقوا على تقديم رشوة مالية لمراد في مقابل إصدار فرمان يبيح شرب القهوة وفتح المقاهي، وهو ما تم بالفعل فأصدر شيخ الإسلام بستان زاده محمد أفندي فتوى في العام 1590م، تبيح شرب القهوة، وصدرت الأوامر لرئيس الشرطة بعدم التعرض لشاربيها مرة أخرى.

المقاهي مركز الاحتجاجات
حاول أن تحتسي الكثير من أكواب القهوة لأنك لن تستطيع أن تشربها أبدا عندما يتولى عثمان الثاني الحكم، فالسلطان الجديد منع شرب القهوة للحد من تسلط الإنكشارية الذين قاموا بحركة احتجاجية ضده ونبتت من مقاهي إسطنبول. لقد انتشرت القهوة بين أفراد الإنكشارية فاحتكروا تجارة البن المربحة التي يستوردونها من مكة خلال موسم الحج. ثم كانوا يقومون بشراء كميات كبيرة من البن لبيعها لحساب أغا الإنكشارية؛ رئيس فرقتهم، الذي امتلك العشرات من المقاهي.

عقوبة الإعدام
الإقلاع عن القهوة هو طريقك الوحيد للنجاة من حكم الإعدام الذي أصدره السلطان مراد الرابع في مواجهة كل من يشربها، إذ حرم السلطان في العام 1623 القهوة نهائيا بناء على فتوى من شيخ الإسلام يحيى أفندي زكريا زاده، تلبية لرغبة السلطان الذي تشدد في معاقبة شاربي القهوة وأمر بقطع شفتيه، وتنفيذ حكم الإعدام الفوري عليه، كما شملت العقوبة الحبس داخل حقيبة جلدية ثم تم الإلقاء به في النهر. 

ومع أن الصدر الأعظم كان من رواد الخمارات في إسطنبول، لكنه كان يهاجم المقاهي ويغلقها، إلا أن الناس من أمثالك استمروا بشرب القهوة بعيدا عن الأعين، وكانوا يحتسونها وهم يرتجفون، فقد ظل التحريم قائما حتى وفاة السلطان مراد الرابع.

سرقة الاسم العربي 
بمجرد أن أفرج السلاطين عن القهوة سرق العثمانيون تاريخها الثقافي العربي، ونسبوها لأنفسهم فأطلقوا عليها القهوة التركية، خاصة بعد انتشارها في أوروبا، رغبة منهم في التباهي بترديد لفظة التركي في الغرب. ولكن الحقيقة التي لا يستطيع أحد إنكارها هي أن القهوة اكتشفت لأول مرة في اليمن، عندما لاحظ رعاة الماشية أن قطعانهم تظل مستيقظة طوال الليل، إذا ما أكلت أوراق البن وثمارها.

وانتشر شرب القهوة عند الصوفيين في جنوب الجزيرة العربية، الذين كانوا يأكلون حبوب البن نيئة، أو يغلونها ويشربونها، حيث يساعدهم الكافيين في طقوسهم بحلقات الذكر. وقد انتقلت حبوب البن من هناك على يد الطلبة اليمنيين إلى مصر، الذين كانوا يتعاطونها في رواق اليمنيين بالجامع الأزهر، ثم انتشرت بالدول العربية وأخذت طريقها إلى إسطنبول، التي حرمتها أولا ثم سرقت اسمها ثانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

نسيبة عبدالعزيز الحاج علاوي : مشكلة القهوة والتدخين في العصر العثماني

القهوة ملهمة العلماء والشعراء

Marita Ervin : Coffee and the Ottoman Social Sphere

The Publicness and Sociabilities of the Ottoman Coffeehouse

أكرم كيدو : مؤسسة شيخ الإسلام في الدولة العثمانية

Qatalah