يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم تكن الدولة العثمانية في حاجة إلى محتل يستنزف ثرواتها وينهب خيراتها ويبدد آثارها التاريخية، فالسلاطين قاموا بالمهمة على أكمل وجه، بينما يستكمل إردوغان المشروع التخريبي بتدمير ما تبقى من الآثار الموجودة بإغراقها عن طريق إقامة السدود دون أن يجرؤ أحد على محاسبته أو الإشارة إليه بأصبع اتهام واحدة، فالأتراك على مدار تاريخهم كانوا أعداء للحضارة لا يعرفون قيمة الثقافة، حرصوا على نشر الجهل وتدمير تراث الأمم التي خضعت للاحتلال التركي.

آثار الدولة التي خرجت من بوابات إسطنبول في القرون الماضية، في وضح النهار بمشاركة حكام تستروا على الجريمة، بعد أن دفع لهم اللصوص ثمنا بخسا، يزعم اليوم حزب العدالة والتنمية أنه يعمل على استعادتها من متاحف أوروبا، وهو يحكي قصصا وهمية لا يصدقها الأطفال تروي عن سرقات بالجملة في العصور الماضية.

قبل أن نستعرض تاريخ النهب لتلك الآثار برعاية السلاطين والأمراء العثمانيين، سنتوقف قليلا لمشاهدة تمثيلية قام بإخراجها الحزب الحاكم، ليثبت لشعبه أنه قادر على إعادة القطع الأثرية في الغرب.

الحرب الثقافية
وفقا لكونستانس ليتش في تقريرها بالجارديان، فبين عامي 2002 و2013 قامت الحكومة التركية بإطلاق حملة موسعة لاستعادة آثار الحضارات القديمة على أرض الأناضول، والتي كانت قد خرجت -وفقا لأنقرة- بسبل غير شرعية إلى غرب أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

"الحرب الثقافية" هو الاسم الذي أطلقه وزير الثقافة والسياحة التركي، أرطغرل غوناي، على الحملة التي استخدم فيها الضغط على إدارات المتاحف الكبرى في الغرب لاسترجاع القطع الأثرية، ولم يكن لدى الوزير سوى نبرة التهديد في حالة الرفض، وهو يلوح بالتوقف عن إعارة ممتلكات متحف إسطنبول للمعارض الخارجية أو إصدار تصاريح التنقيب للفرق الكشفية، التي تعمل على أرض بلاده وهو ما نفذه فعليا مع متحف اللوفر في العام 2011.

الاستراتيجية التركية أتت بالفتات في بعض الأحيان، وظلت عاجزة أغلب الوقت، فقد تمكن المتحف الكبير في إسطنبول من استعادة 4067 قطعة أبرزها تمثال أبو الهول المنتمي للحضارة الحيثية ويعود تاريخه لثلاثة آلاف عام، وهو مجرد "غيض من فيض" فالمطالبات التركية باستعادة المزيد لم تنجح، ورفضت المتاحف الأوروبية أية عملية تفاوض جديدة مع حكومة أنقرة بشأن أية قطعة أثرية، واصفة التهديد التركي بوقف العمل الكشفي على أراضيها بـ "الابتزاز".

سياسات مزدوجة
تقدم الحرب الثقافية لحزب العدالة والتنمية صورة ملونة وجذابة لحزب سياسي حاكم يسعى بصرامة لاستعادة إرثه التاريخي من أيدي الناهبين، ولكن البريق الظاهري يحمل أسفله كارثة تخريبية تقوم بها الدولة بنفسها، فحرب حكومة أنقرة من أجل آثارها تتعارض مع تصرفاتها الحمقاء تجاه المواقع الأثرية في الداخل.

على سبيل المثال تسبب سد "يورتانلي" والذي افتتحته الحكومة في العام 2010 على نهر "ايا" في إغراق الموقع الأثري الخاص بالحمام اليوناني "إليانوي"، وأطلال مدينة "زيوغما" التي ترجع للعام 300 قبل الميلاد، وهو نفس المصير الذي ستواجهه المدينة الأثرية "حصن كيفا"، بعد الانتهاء من إقامة سد "إليسو" المشروع الكهرومائي الأضخم في تركيا، وفقا لكونستانس ليتش في تقرير آخر لها.

وفي قونية تحولت مقبرة "حويوق" التي يعود عمرها إلى 5000 عام إلى حديقة ترفيهية،  أما في "يني كابي" الميناء البيزنطي العتيق حيث عثر على بقايا بشرية عمرها ثمانية آلاف عام؛ فإن إردوغان أمر بتوقيف العمل الكشفي نهائيا فيها لبناء نفق "مرمري" أسفل البوسفور بحجة تخفيف الزحام المروري عن إسطنبول.

السياسات الهمجية دفعت "أحمد ياراش" الأثري في جامعة تراقيا إلى تنظيم حركة احتجاجية ضد التدمير الحكومي للتراث، وإلى التصريح بتعجبه من ازدواج المعايير في فلسفة حزب العدالة والتنمية، الذي يسعى إلى استرجاع الآثار من الخارج بينما يدمر المواقع الأثرية التي يملكها بنفسه.

إغفال متعمد
المتمعن في الخطاب الرسمي التركي، يمكنه أن يلاحظ بسهولة إغفاله الملابسات التاريخية لخروج تلك الآثار من البلاد، وهو ما يخدم غرضا أيديولوجيا خاصا بحزب العدالة والتنمية، الذي يستمد قوته من الميراث العثماني ويعتبر نفسه امتدادا طبيعيا له، إذ لم يعترف الابن الشرعي للحكومات العثمانية المتعاقبة بالدور المخجل الذي لعبته الدولة في إفراغ المشرق الكبير كله، وليس الأناضول فقط، من إرثه الحضاري.

سرقات مشروعة
استندت أوروبا بشكل رئيسي على "قانون الآثار العثماني" لشرعنة سرقاتها الكبرى خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، واستطاعت استخدام  الميراث العثماني، ولكن بغرض معكوس يعينها على رفض إعادة ما في حوزتها من آثار، فقد أعلن رئيس مؤسسة التراث الثقافي البروسي في برلين، هيرمان بارزينغر، استحالة عودة مذبح برغامون الشهير إلى متحف إسطنبول بحجة أنه خرج في القرن التاسع عشر بشكل شرعي وفقا "لقوانين ذلك الزمن"، عبارة بارزينغر تلك فتحت الدفاتر القديمة للعثمانيين لتثبت أن عمليات النهب المنظمة قامت تحت رعاية الدولة من أجل مكاسب زهيدة استفاد منها الحكام للإنفاق على شهواتهم وملذاتهم.

هيرمان بارزينغر رئيس مؤسسة التراث الثقافي البروسي

القانون الكسيح
نستطيع القول بأن الدولة العثمانية تكالبت على بيع آثار الحضارات القديمة التي أقامت إمبراطوريتها على أنقاضها لأوروبا و بثمن بخس منذ القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر، فقد أصدر سلاطين آل عثمان فرمانات رسمية تبيح التنقيب الغربي عن الآثار ثم امتلاك المكتشفات مباشرة، وطوال قرنين ونصف القرن خرجت الآثار اليونانية والفرعونية والآشورية والحيثية وغيرها من الباب الكبير لإسطنبول، دون أن يجد آل عثمان في ذلك أية غضاضة.

كان العام 1869 نقطة تحول مهمة، إذ تقرر ولأول مرة تأسيس متحف عثماني يحوي الآثار المكتشفة في أراضي الدولة، وأهم من وجود المتحف نفسه كانت معركة التشريع، لأن أوروبا حتى ذلك الوقت كانت تنفي عن الآثار القديمة أية ملكية، وظهر نتيجة لذلك تعبير "التراث الإنساني" الذي لا بأس به أبدا، لو ظل في مجالاته الثقافية دون أن يتحول لذريعة للنهب، الأمر الذي استلزم إصدار قانون يحدد ملكية الأثر، وينظم العمل الكشفي للأوروبيين.

صدر القانون العثماني للآثار لأول مرة في العام 1869، ولحقته تعديلات متتالية حتى العام 1915، لم تنقذه من أن يظل كسيحا وغير مفعل، وقد لعبت مواده التي شابها العوار الدور الأخطر في ذلك، إذ نصت على الملكية العثمانية لأي أثر مكتشف بشكل آلي، واقتسام الربح بالتساوي بين الدولة والمكتشف الأوروبي وصاحب الأرض التي تم التنقيب فيها بواقع الثلث لكل طرف.

كافأ القانون السارق الأوروبي الذي فضل على الدوام أن يكون نصيبه هو الأثر نفسه، أو جزء منه تاركا المال للسلطات العثمانية ولصاحب الأرض!

أكد القانون على ضرورة إرسال الآثار المكتشفة إلى المتحف العثماني، والذي يقرر مديره وحده ما إذا كانت الآثار تنتمي إلى "التراث الثقافي للدولة العثمانية" من عدمه، وفي الحالة الثانية كان الأثر يعاد إلى المكتشف للخروج به بشكل شرعي من البلاد، في حين لم يوضع ملحقا تفسيريا لإنهاء الغموض حول حدود "التراث الثقافي"، إن كان يقتصر فقط على المنجزات الفنية للعثمانيين أم يشتمل سائر آثار الحضارات القديمة، وهو الأمر الذي مثل نافذة جديدة للسرقة.

حث القانون على ضرورة حصول البعثات الأوروبية على تصريح علمي من السلطات العثمانية قبل أية أعمال تنقيب، ولكن البيروقراطية التركية والإجراءات المعقدة شكلت عائقا أمام إنفاذ تلك المادة، حتى استلزم إصدار التصريح الواحد مدة عام كامل.

قانون غير مفعل
على الأرض قاوم الأوروبيون القانون العثماني ومواده سالفة الذكر منذ البداية، إذ لم يكن أي منهم على استعداد أبدا لاقتسام مكتشفاته مع أحد، أو تحديد مصيرها من قبل المتحف العثماني، أو الانتظار لمدة طويلة في سبيل الحصول على إذن بالتنقيب.

دخل الأجانب للبحث في الأناضول دون أدنى التزام بالتشريع الجديد، وهو ما قامت بعثة جامعة شيكاغو التي نقبت في مدينة بسمايا التركية، وتحولت هي وغيرها من البعثات بسرعة إلى العمل بدون رادع، فتعاونوا مع تجار الآثار الذين نشطوا إلى أقصى حد خلال ذلك الوقت في هيئة شبكات تهريب عابرة للبلدان والولايات العثمانية.

وقفز السلطان العثماني أيضا على قانون الآثار في سبيل تحقيق مكاسب سياسية، فقد أبرم عبد الحميد الثاني اتفاقا مع القيصر الألماني غليوم الثاني، في العام 1899، انتقلت بموجبه "بوابة عشتار" وغيرها من آثار بابل العراقية إلى برلين وعرضت في متحف برغامون، ومنحت السلطات العثمانية الإذن للأثري النمساوي فيلكس فون لوزخان، بالتنقيب في جنوب الأناضول ونقل آلاف الألواح الحجرية للعرض في فيينا.

متحف بلا آثار
على هذه الصورة البائسة، تُرك المتحف العثماني في إسطنبول خاويا على عروشه، وفي سبيل إنقاذ الوضع، شارك مديره عثمان حمدي بك، وهو من يهود الدونمة، في بعثات كشفية مشتركة مع المعهد الألماني الشرقي للآثار، كانت تؤول من خلالها الآثار المكتشفة إلى خزانة المتحف التركي، وكان من نتاج ذلك العمل المشترك الاكتشاف المهم لقبر ملك صيدا في العام 1887م، والذي غلب الظن لفترة أنه نفسه قبر الإسكندر المقدوني، ويعرض إلى الآن في متحف إسطنبول.

ولكن التعاون التركي _ الأوروبي لم يمنع الأجانب من السطو على المكتشفات الأثرية حتى في ظل إشراف المتحف العثماني. فما بين عامي 1906 و 1907، ثم عامي 1911 و 1912، شارك الأثري الألماني هوجو وينكلر، مع الأتراك في التنقيب بمدينة بوغازكوي في الأناضول، وبعد أعمال الحفر الواسعة، اكتشف وينكلر بقايا مدينة حاتوسا؛ العاصمة الحيثية القديمة، واستولى على 14 ألف لوح طيني من أنقاضها ونقلها فورا إلى ألمانيا.

ولما أبلغ الأثري العثماني من أصول يونانية، ثيودور ماكريدي، السلطات العثمانية عن تلك السرقة وعجزه عن إيقاف أعمال النهب في الموقع، اكتفت الدولة بالصمت خوفا على التحالف السياسي مع ألمانيا القيصرية، والذي كانت حكومة الاتحاد والترقي حريصة عليه أشد الحرص وقتها.

ربما لايبقى أخيرا إلا التأكيد على أن الدولة العثمانية لا تستطيع إنكار مسؤوليتها عن الضياع الهائل لآثار المنطقة وتقنين سرقتها بفرمانات عثمانية أولا؛ ثم بقانون آثار كسيح و متواطئ ثانيا، وقد كان الأجدر بالحكومة التركية الحالية، أن تعترف بالجريمة التي ارتكبها الأسلاف بدلا من اعتمادها نصف الحكاية والتغاضي عن النصف الآخر، وأن تسعى لإعادة الإرث الحضاري للعراق واليونان وسورية واليمن، بدلا من اقتصارها على آثار الأناضول، في "قومنة" للثقافة لم تكن الدولة العثمانية تعترف بها وهي تبيح النهب لأوروبا قبل مئة عام.

Qatalah