يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"عانت بلادنا من خيانة الأتراك قديما وحديثا، فلم يكتفوا باحتلال أرضنا ونهب أقواتنا طوال 4 قرون، لكن سلطانهم المتعجرف عاد لينشر جنوده على أرض سورية مرة أخرى، إنها المؤامرة التركية الخبيثة تطل برأسها على عالمنا العربي من جديد، وسوف تنتصر الإرادة العربية على مخططات الغزو التركي الآثم"، بهذه الكلمات كشفت مناهج التاريخ في الجمهورية العربية السورية خيانة الأتراك للعرب قديما وحديثا، منذ السلطان سليم الأول وحتى رجب إردوغان.

المناهج السورية للصف الثالث الثانوي عقدت مقارنة بين تاريخ المغول والأتراك، وتوصلت لعدة سمات وخصائص مشتركة بينهما، "المغول والأتراك مجموعة من القبائل البرابرة المتوحشين الهمجيين المتنقلة في أواسط آسيا، وتحركت بهدف التوسع والسيطرة ونهب البلاد، وقامت سياستهم على نشر الرعب والذعر في نفوس الناس لتسهيل احتلال البلاد، وأحرقوا المكتبات، وخربوا المدارس، ودمروا الآثار الحضارية، وهدموا دور العبادة، فلم ينج منهم بشر ولا حجر".

خيانة عبد الحميد
مناهج التاريخ السورية اتهمت السلطان عبد الحميد الثاني بالخيانة، واستندت في ذلك بترحيبه بقرارات مؤتمر برلين المنعقد في 1878، والخطوات الاستعمارية التالية له، إذ شهدت الساحة السياسية الدولية تغييرات كبيرة بعد هزيمة الدولة العثمانية على يد جحافل روسيا القيصرية في عام 1878.

الدول الأوروبية الاستعمارية شعرت بقوتها السياسية والعسكرية المفرطة، بالإضافة لقوتها الاقتصادية، في مقابل ضعف وانبطاح الدولة العثمانية، وبات ضروريا عقد مؤتمر دولي لاقتسام أملاك الدولة العثمانية بين الدول الاستعمارية الكبرى، ولوقف التوسع الروسي في أراضي السلطنة.

السلطان عبد الحميد الثاني لم يبد أي اعتراض أو استنكار لمساعي الدول الاستعمارية، وتركها تجتمع لتحديد مصير ملايين المسلمين والمسيحيين بالسلطنة، وبالفعل عُقد مؤتمر برلين في عام 1878، وتم تغيير الاستراتيجية القديمة لبريطانيا وفرنسا وألمانيا، والتي سعت للمحافظة على وحدة أراضي السلطنة، لتكون حائط الصد أمام أطماع الدب الروسي في الوصول للبحر المتوسط.

مؤتمر برلين نص على إعطاء البوسنة والهرسك إلى النمسا، ومنح ولايات الجبل الأسود والصرب ورومانيا استقلالها، مع الاعتراف بوصاية الدول الأوروبية عليها، وفي سبيل تأمين طريق التجارة العالمية بين الشرق والغرب عبر البحر المتوسط، حصلت بريطانيا على جزيرة قبرص، وفازت روسيا القيصرية بصربيا والقوقاز.

عبد الحميد عقد صفقات للتنازل عن الأراضي العربية مع فرنسا وبريطانيا، إذ أعلنت فرنسا احتجاجها على قرارات مؤتمر برلين، بعد أن خرجت خاوية الوفاض ودون مكاسب من المؤتمر، وحاول السلطان استرضاءها على حساب أراضي العرب.

السلطان سمح للجيوش الفرنسية بغزو ولاية تونس في عام 1881، وأمر الباي محمد الصادق بالتصديق على "معاهدة الحماية" أو "معاهدة باردو" في 12 مايو 1881، بموجبها فرضت باريس سيطرتها على ولاية تونس بمباركة عبد الحميد الثاني، والذي ساق في سبيل ذلك عدة حجج واهية، وأعلن أن الجيش الفرنسي فرض الحماية على تونس لتأمين الحدود الشرقية لولاية الجزائر المحتلة.

صفقة بيع مصر
مناهج التاريخ السورية رصدت مخطط عبد الحميد الثاني لبيع مصر إلى بريطانيا، والذي بدأ بعزل الخديو إسماعيل صاحب مشروع النهضة الصناعية والثقافية المصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتم تعيين الخديو توفيق المعروف بتشبعه بالثقافة الإنجليزية، وميوله للقنصل البريطاني في القاهرة، وبالتالي كان تنصيبه أول خطوة في طريق الاحتلال البريطاني لمصر.

الخديو توفيق حمل تعليمات صريحة من عبد الحميد بتمهيد الطريق أمام الاحتلال العسكري البريطاني، لذلك كانت أول قراراته بيع حصة مصر من أرباح قناة السويس إلى مستثمرين إنجليز، واتبع ذلك بتكميم الأفواه واعتقال المعارضين وغلق الصحف الوطنية، الأمر الذي أثار غيرة الزعيم أحمد عرابي، فأعلن الثورة على الخديو والسلطان، والتف حوله الجماهير الغاضبة على العثمانلية.

السلطان لم يكترث بثورة الزعيم أحمد عرابي ومطالبه الوطنية المشروعة، بل سار في مخطط الخيانة، وأرسل بعثتين من سياسيين أتراك، الأولى بقيادة نظامي باشا، والثاني برئاسة درويش باشا، والذي ساند الخديو على الثورة المصرية، وروج إشاعات ضد مبادئ الثورة وأهداف عرابي باشا.

عبد الحميد الثاني تفاوض مع السفير البريطاني في إسطنبول على صفقة التنازل عن مصر، والتي شملت تقديم الجانب الإنجليزي منحا مالية للخزانة العثمانية الخاوية، أو إسقاط جزء من الديون التركية بالبنوك البريطانية، ولم يخجل السلطان من عقد الدول الاستعمارية الكبرى لمؤتمر الآستانة في صيف عام 1882، والذي تناقشت فيه بريطانيا مع الدول العظمى على احتلال مصر، في مقابل تعهدها بحرية الملاحة العالمية في قناة السويس.

بريطانيا ألحت على إسطنبول بمنحها فرمانا يتيح لها غزو مصر، وجاء رد السلطان بإصدار "فرمان عصيان عرابي" في 5 سبتمبر 1882، والذي وصف الزعيم أحمد عرابي بالخائن وعدو السلطنة الذي يحارب حلفاءها، ونجحت القوات البريطانية في دخول القاهرة، بعد أن سرب عبد الحميد الخطط العسكرية لجيش عرابي، وحصدت البنادق والمدافع الإنجليزية أرواح آلاف المصريين الأبطال في معركة التل الكبير في 13 سبتمبر 1882.

إسرائيل العثمانية
المناهج السورية فضحت الصفقة العثمانية الصهيونية لتدشين الوطن القومي لليهود على أراضي فلسطين، والتي بدأت منذ القرن الخامس عشر، وشهدت تطورا كبيرا في القرن التاسع عشر، بعد أن سقطت الدولة العثمانية في الديون الخارجية، وعجزت عن سداد ديونها للبنوك الأوروبية، وعلى رأسها بنوك روتشيلد، وهم من أبرز الرأسماليين اليهود في أوروبا، وتبنى مشروع إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

الساسة المفكرون اليهود أطلقوا عدة دعوات لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وكان أبرزهم الصحافي ثيودور هرتزل، والذي أدرك أن إقامة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين يتطلب تأمين استقلالها السياسي بالحصول على فرمان من السلطان عبد الحميد بإقامة دولة قومية لليهود في فلسطين.

قادة الحركة الصهيونية عقدوا مؤتمرا في بال بسويسرا في عام 1897، وخرجوا بوثيقة عرفت فيما بعد باسم "بروتوكولات حكماء صهيون"، وأعلنوا أن هدفهم هو تشجيع استيطان الفلاحين والعمال اليهود في فلسطين، وتنمية الوعي القومي لدى اليهود في الدول الأوروبية، وتوثيق علاقات الحركة الصهيونية مع الدولة العثمانية والدول الأوروبية الكبرى لتأمين الحصول على اعتراف دولي بالمشروع الصهيوني في فلسطين.

حمل ثيودور هرتزل على عاتقه مهمة التفاوض مع السلطان عبد الحميد الثاني على مستقبل ولاية فلسطين، وأدرك أن مفتاح عقل وقلب السلطان يكمن في الذهب والمال، فعقد السلطان وهرتزل 5 جلسات بقصر يلدز بإسطنبول للتفاوض على صفقة الخيانة، وعرض هرتزل على عبد الحميد 20 مليون جنيه إسترليني في مقابل التنازل عن فلسطين للمهاجرين اليهود.

ثيودور هرتزل استغل نفوذ الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني داخل أروقة قصر يلدز، واستعان به خلال مفاوضات بيع فلسطين، وقام فيلهلم بزيارة إسطنبول والقدس، وتعهد بالضغط على عبد الحميد لإصدار فرمان بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، ورغم تلك الجهود إلا أن هرتزل فشل في إتمام الصفقة، بعد أن عجز في إقناع روتشيلد بدفع مبلغ الـ20 مليونا، وكان روتشيلد يرى أنه يمكن تهجير آلاف اليهود وإقامة عشرات المستوطنات مقابل دفع رشاوى لوالي فلسطين.

بالفعل، نجح روتشيلد في تأسيس عشرات المستوطنات على الأراضي العربية تحت سمع وبصر السلطان عبد الحميد وحكومة الاتحاد والترقي من بعده، إذ استغل اليهود فساد الولاة الأتراك بفلسطين، وقاموا بتهجير آلاف اليهود في مقابل الرشاوى والهدايا، بعد أن اشتروا عشرات القرى، وأثمرت جهودهم بتأسيس مستوطنة "بتح تكفا"، ثم تدشين أول نقابة للعمال، والتي تحولت فيما بعد إلى نقابة العمال اليهود العامة "الهستدروت"، وأقيمت القرى التعاونية الزراعية، ودشنوا أول مدينة يهودية في تل أبيب عام 1909.

حكومة الاتحاد والترقي زجت بالسلطنة في الحرب العالمية الأولى، وتجرعت هزائم مروعة على أيدي جيوش الحلفاء، وبات استقطاب اللوبي الصهيوني في أمريكا هو هدف إسطنبول، وبالتزامن مع إصدار بريطانيا وعد بلفور، أصدر طلعت باشا الصدر الأعظم فرمانا بفتح باب الهجرة أمام المستوطنين اليهود، وتعهد حكومته بتأسيس وطن قومي لليهود على أرض فلسطين.

العثمانيون خانوا العرب
الدولة العثمانية جلبت الاستعمار الأوروبي للبلاد العربية، لاسيما بعد الهزيمة المخزية للجيوش التركية في الحرب العالمية الأولى، فلم يكن الاحتلال البريطاني لفلسطين، وما تبعه من إصدار وعد بلفور، وتدشين الوطن القومي لليهود هو الثمن الوحيد الذي دفعه العرب نتيجة هزيمة العثمانلية في الحرب، بل سقطت جميع الدول العربية تحت الاستعمار الأوروبي.

حكومة الاتحاد والترقي جرّت السلطنة نحو الهاوية، فلم تكن القوات التركية الهزيلة ندا منافسا الجيوش الأوروبية الحديثة، بل إن العجرفة التركية قادت البلاد العربية نحو تنفيذ المخطط الاستعماري المعروف باتفاقية سايكس-بيكو في عام 1916، والذي قسم البلاد العربية بين دول الحلفاء، وفازت فرنسا بغرب سورية ولبنان وولاية أضنة، وتحتل بريطانيا جنوب ووسط العراق وعكا وحيفا وشرق الأردن، وتستولى روسيا على الولايات الأرمنية وكردستان.

إسطنبول كانت على علم بمحتوى اتفاقية سايكس - بيكو، لاسيما بعد أن خرجت روسيا من الحرب العالمية بمجرد نشوب الثورة البلشفية في عام 1917، ولكن حكومة الاتحاد والترقي تلاعبت بمصير ملايين العرب، وبمجرد الإعلان عن انتهاء الحرب واستسلام الدولة العثمانية بادرت إسطنبول بالتوقيع على الهدنة في مدروس، وما أعقبها من توقيع معاهدة سيفر وفرساي، ونصت جميعها على اعتراف إسطنبول بالاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية، وسقطت سورية تحت الانتداب البريطاني.

Qatalah