يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من أسرى الحروب تكوّنت الإنكشارية لضمان الولاء التام للسلطان العثمانلي، وذلك من خلال الأسرى من الصبية والشباب المسيحيين في البلاد التي غزاها الجيش العثماني، ورغم أنه في البداية لم يكن لهم أي نفوذ سياسي في الإمبراطورية ولم يطمح أفرادها للعب هذا الدور، إلا أنه مع توالي انتصاراتهم واعتماد العثمانيين عليهم بشكل أساسي في الحروب، أدرك أفرادها أهميتهم في توطيد أركان الحُكم، حتى كانت لهم اليد العليا في حسم الصراعات على العرش بين السلاطين.
أدوات الإنكشارية لإهانة السلاطين كانت عديدة منها قتل السلاطين وإهانة مواكبهم أو خلعهم وكان إشعال الحرائق أهم سلاحهم في ابتزاز السلاطين ونهب السكان.
 
لهذا يمكن القول: إن الدائرة دارت على سلاطين العثمانيين فبعد أن كانوا يذيقون الأطفال المخطوفين من أحضان أمهاتهم العذاب في جيش الإنكشارية تحول هؤلاء بعد قرنين إلى سوط عذاب ينتقم من سنوات الإذلال التي عاشوها تحت راية العثمانلي.
ومع الوقت غدا نفوذهم قويا فصاروا يرغمون السلاطين على دخول الحرب أو إنهائها ولم يقدر سلطان على رفض طلباتهم مهما أوتي من قوة أو عزيمة وإلا تعرض للمهانة والتنكيل.
 
ابتزاز السلاطين
لم يمض قرنين على إنشاء الإنكشارية حتى تحولت من أداة بيد السلاطين لنهب واحتلال الشعوب المجاورة إلى سوط عذاب اكتوى الشعوب والسلاطين من ناره. تعاظم نفوذ الإنكشارية مما أثر سلبيا على الدولة ولم يعد السلاطين قادرين على الحكم دون موافقتهم أو رضاهم.
وفي نفس الوقت زاد تسلطهم على أهالي البلاد التي تحت الحكم العثماني فقد امتد طغيانهم إلى الأهالي الآمنين في المدن وزادوا في نهب وسلب منازلهم وتعدوا على أرواح الناس دون وجه حق.
زيادة أعداد الإنكشارية بشكل كبير خلال مراحل الدولة أدى إلى تسلطهم التام على السلاطين بحيث أصبح رؤسائهم يحققون كل ما يشاءون من السلاطين ويعدمون من يشاءون من الصدور العظِام ورجال الدولة.
تحول خطير حدث أدى إلى زياد فساد هذه الطائفة هو تحولها إلى هيئة عسكرية وراثية بعد أن سمح السلاطين لأفرادها بالزواج وتأسيس أسر وقد ساعد الفساد المستشري في الدولة على فساد هذه الفئة عن طريق بيع عضوية الانتساب لها وكان الناس يقبلون على شراء هذا الحق وتوريثه لما يحققه لهم من فوائد جمة منها الإعفاء من الضرائب والحصول على رواتب وحصص غذائية وغيرها. 
 
حرائق وسلاطين
كانت الإنكشارية إذا لم يستمع السلطان لرغباتهم يشعلون النيران في أي جزء من العاصمة حتى يخرج لهم لسماع رغباتهم وخلال هذا الوقت تكون الحرائق تسببت في تشريد الآلاف وقتلت العشرات.
القسطنطينية شهدت نموا عشوائيا كبيرا خلال القرن السابع عشر وشكل المهاجرون من الأناضول طبقة اجتماعية دنيا منبوذة. كانت أغلب أحياء القسطنطينية تتكون من مباني خشبية قديمة ساهمت في اشتعال الحرائق وامتدادها بسهولة وكانت الحرائق تأتي على عدة أحياء كاملة.
كانت الإنكشارية هي المنوط بها مهام الشرطة في العاصمة ومهام إطفاء الحرائق لكنها حولت هذه المهام إلى وسيلة للتربح فكان الأمن متوفرا لمن يستطيع الدفع وكانت السفارات تستخدم حرسا من الإنكشارية.
خلال صراع الإنكشارية والسلطان سليم الثالث، أضرموا النيران في عدة أحياء وفي المباني حول القصر وكانت المنازل الخشبية جافة في المدينة بعد الصيف والخريف وكان الطقس جيدا فما لبثت المناطق المجاورة للقصر أن أصبحت جحيما كتب شاهد عيان عن ذلك، قائلا: "غطت غلالة من اللهب أشهر حي في القسطنطينية ولم تجذب الصرخات من النساء والمسنين والأطفال أي انتباه أو تستدر أي شفقة وعبثا رفعوا أكفهم وعبثا توسلوا على العوارض أو الألواح الخشبية لإنقاذ أنفسهم من البيوت المحترقة بواسطة أسقفها".
 
عام 1814 نشبت أزمة بين السلطان محمود الثاني والإنكشارية وهددوا خلالها بإحراق المدينة، وفي عام 1826 أشعلوا عدة حرائق في العاصمة، انتقاما من المذابح التي نظمها السلطان محمود الثاني بحق رفاقهم وتسببت هذه الحرائق في خسائر كبيرة في المباني والأرواح.
وشهدت القسطنطينية آخر حريق من فِعل الإنكشارية عام 1831 في حي بيرا الدبلوماسي وقد أتى الحريق على الحي بأكمله بما فيه من سفارات وبيوت الأجانب وكتب السفير الإنجليزي استراتفورد عن الحريق: "كانت بيرا حطاما بكل معنى الكلمة والإمبراطورية العثمانية تسرع بوضوح لا لبس فيه إلى التفكك".
 
سرقة ونهب
إذا أراد الإنكشارية نهب أحد أحياء العاصمة عمدوا إلى إشعال النار فيه فإذا ما ارتفعت ألسنة اللهب وأنشغل الأهالي بإطفاء الحريق سارعوا إلى الأحياء الأخرى وقاموا بنهب منازلها وحوانيتها وانتهكوا حرمات البيوت وقد وصل بهم الأمر إلى أنهم اعتقدوا أن كل شيء مباحا لهم.
في حالات ازدحام البيوت في العاصمة كان على الإنكشارية إيجاد حاجز للنار من خلال تدمير البيوت الخشبية الملاصقة لمكان اندلاع الحريق وكان هذا أيضا مجالا للابتزاز ينطوي على الربح حيث يدفع أصحاب البيوت كثيرا لكي تبقى ممتلكاتهم من دون أن يمسها أذى.
الإنكشارية كانت في فترات الهدوء تشعل الحرائق في المباني ما لم يدفع أصحابها أمولا لحمايتها وفي عهد السلطان عبد الحميد الأول (1774-1789) تم إشعال أكثر من 140 حريقا بهذه الطريقة.
 
انتقام السكان
لمدة قرون عانى سكان القسطنطينية من النهب والسلب واستبداد الإنكشارية وحرق مساكنهم على أيديهم ولم يقدر أحدا منهم على ردعهم فقد كان السلطان نفسه عاجزا أمامهم.
بحلول عام 1826 وبعد محاولات متعددة للقضاء على الإنكشارية جاءت الفرصة للسلطان محمود الثاني في تصفيتهم مستغلا فشلهم الذريع في الثورة اليونانية وكان قد استعد لذلك بإنشاء جيش حديث لكنه احتاج إلى دعم السكان.
بناء على أوامر السلطان شرع أئمة المساجد في كل حي بالعاصمة يدعون الناس إلى الإسراع إلى جامع السلطان أحمد لحماية الخليفة السلطان من الإنكشارية وكانت المدينة متلهفة إلى هذه اللحظة للانتقام من جرائم الإنكشارية بحقهم وأُعطيت لهم سيوف وبنادق وخراطيش من ترسانة القصر وشاركوا مع الجيش الحديث في مذبحة الإنكشارية التي راح ضحيتها 20 ألف إنكشاريا، وتم إحراق ثكنات الإنكشارية وأحيائهم ومات الآلاف منهم بنفس السلاح الذي استخدموه كثيرا إذ اشتعلت النيران في الثكنات ووجدت أجساد الآلاف متفحمة.

Qatalah