يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الإرهاب صناعة عثمانية، ورثها الرئيس التركي رجب إردوغان عن أجداده، ووجه شرها لتدمير العالم العربي، الذي لم يتعاف بعد مما عاناه على يد العثمانيين، وكأن العرب كتب عليهم لعنة اسمها آل عثمان.
يشبه يومنا الأمس، حيث تعيث الجماعات الإرهابية المدعومة من العثمانيين الجدد فساداً في أراضي العرب في العراق وسورية وليبيا، كما عاثت دولة العثمانيين إرهاباً فيها حتى وقت قريب، كما يستخدم الإرهابيون نفس أساليب العثمانيين من قتل وتخريب وسلب ونهب واغتصاب للنساء والأطفال باسم الإسلام، وهو بريء منهم. بينما ينفق الأتراك المليارات المنهوبة من ثروات سورية الطبيعية لتسليح وتدريب العناصر الإرهابية من داعش والنصرة وغيرها، وإرسالهم لتدمير سورية، وقتل الأبرياء، وتهجير السكان، لتنفيذ مخططاتهم في الاستيلاء على أراضي العرب.

الإرهاب صناعة عثمانية
لم تظهر الجماعات الإرهابية في المنطقة العربية بين ليلة وضحاها، بل استندت إلى إرث طويل من الممارسات الإرهابية صنعه العثمانيون، ويروج له أحفادهم بزعامة إردوغان وزبانيته وعملائه الذين خانوا أمتهم من أجل حفنة ليرات.
يقول الراحل غالي شكري في مقال بمجلة الوطن العربي: "في ظلال الإسلام العثماني، كان الإرهاب حاضرا باسم الدين طيلة خمسة قرون في ظلال الرؤية العثمانية للدين". 
واليوم تتبنى داعش والجماعات الإرهابية هذه الرؤية والممارسات العثمانية، وتطبقها في المناطق الخاضعة لها، ويمكن تتبع أصول هذه الممارسات تاريخيا، بما يثبت أن صناعة الإرهاب عثمانية الأصل، وأنها انتقلت إلى واقعنا على يد العثمانيين الجدد.
وأشد هذه الممارسات خطورة هو التكفير، وهو احتكار جماعة لمفهوم الإيمان، واستباحة دماء غير المؤمن، بما يخالف تعاليم الإسلام عن عدم الإكراه في الدين. وقد استخدمت الدولة العثمانية سلاح التكفير ضد مخالفيها، ولأغراض سياسية مثلما استخدمت داعش التكفير ضد مخالفيها، وذلك لتبرير استباحة دمائهم والفتك بهم.
استخدم الأتراك سلاح التكفير بحق الشيعة في العراق وبلاد فارس، لتبرير هجومهم على مملكة الشاه في إيران، ما أدى إلى إذكاء التعصب المذهبي بين الطوائف المسلمة في العراق.
وفي عهد الاحتلال العثماني الأول لليمن (1539 - 1634) استخدم العثمانيون سلاح التكفير ضد المقاومة اليمنية بقيادة الأئمة الزيديين بحجة أنهم شيعة، في حين أنهم لم يكفروا الشيعة الإسماعيلية هناك لأنهم حاربوا إلى جانبهم، رغم أن الزيديين هم أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنة والإسماعيليين أبعدهم، كما ذكر السيد سالم في كتابه "الفتح العثماني الأول لليمن.. 1538 - 1635".
تكرر استخدام سلاح التكفير كثيراً، ويذكر خالد فهمي في كتابه "كل رجال الباشا" أنه بناء على طلب السلطان العثماني محمود الثاني صدرت فتاوى من شيخ الإسلام بتكفير محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا، عقب الهجوم المصري الكاسح على الجيوش العثمانية في الشام والأناضول بين عامي 1831 و1833.
وعلى نفس النهج سارت الجماعات الإرهابية، وأصبح التكفير يعني حكماً باستباحة الدماء، ولقي عشرات المفكرين العرب مصرعهم بسلاح الفتوى قبل الرصاص، ونما هذا النهج وتكاثر على يد جماعات الإرهاب التي دعمها الإخوان الإرهابيون، وفروعهم وأهمها إخوان تركيا بزعامة إردوغان نفسه.

سلطنة ملطخة بالدماء
بينما كانت أوروبا في عصر النهضة، وعلى أعتاب عصور التنوير، كانت الدولة العثمانية تغرق في الظلام والتخلف، وترسخ الاستبداد باسم الإسلام، سرق العثمانيون لقب الخلافة، لترسيخ سلطانهم الاستبدادي، واستغلال اللقب كسيف مسلط على رقاب المسلمين. كما ساهموا في فرض هالة من القداسة حول السلطان، رغم أنه ذو منصب بشري دنيوي معرض للمساءلة.
كان العثمانيون المفجر الأول للنزاعات الإرهابية التي عرفها العالم الإسلامي، وذلك من خلال تحريفهم للإسلام، وتقديس منصب الخلافة، حتى صار الموت في سبيله هدفاً محفزاً لنمو الجماعات الإرهابية.
حيث عمل العثمانيون خصوصاً في عهد السلطان المستبد عبدالحميد الثاني على نشر فكرة الجامعة الإسلامية التي أطلقها الأفغاني بعد تحريف مضمونها، من الدعوة لاجتماع المسلمين والإصلاح إلى الدعوة لاصطفاف وتبعية المسلمين خلف سلطنة العثمانيين، بدعوى مواجهة الاستعمار، على الرغم من أن العثمانيين هم من مهد الطريق للأوروبيين لاحتلال أراضي المسلمين.
نشر العثمانيون دعايات كثيرة حول عظمة منصب الخلافة، ما أدى لترسيخ سياسة الاستبداد بين الشعوب المسلمة، وحين سقطت دولتهم عام 1924، نتج عن ذلك إنشاء جماعات دينية تسعى لاستعادة المنصب بالقوة، وعلى رأسها جماعة الإخوان، التي أنشأت ميليشيا مسلحة باسم "التنظيم السري"، كان هو التنظيم الأصل الذي تفرعت عنه الحركات الإرهابية الحديثة.
يقول حمادة إسماعيل في كتابه "حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين بين الدين والسياسة 1982 - 1949" إن هدف الإخوان كان استعادة الخلافة الإسلامية، وجعل فكرة الخلافة والعمل لإعادتها رأس منهجهم، بل زادوا على ذلك بالدعوة للموت في سبيلها حتى تعود، فهي أسمى تراثهم المفقود.
كان التنظيم السري الذي نشأ عام 1940 بهدف تشكيل جهاز سري يكون نواة لميليشيا عسكرية تتبع الجماعة بهدف السيطرة على المجتمع وتمهيد سبيل الوصول للسلطة وإقامة الخلافة الإسلامية، ليصوغوا الخطى التي تلمسها وسار عليها أتباع الجماعات الإرهابية في العالم الإسلامي كله.

دار الكفر ودار الإيمان
يقول الكاتب شهاب ممدوح في مقال بعنوان "فن بناء الدولة .. مقارنة بين الإمبراطورية العثمانية وداعش" إن التوسع عبر الغزو العنيف هو السمة المميزة لكل من الإمبراطورية العثمانية ودولة داعش الإسلامية الناشئة. وفي كلتا الحالتين قُوبل التوسُّع العنيف واللإنساني للاستيلاء على الأرض بمواجهة من القوى الإقليمية التي تحركت ضد تأسيس مبدأ احتكار القوة.
كان الغزو اللانهائي هو مشروع السلاطين العثمانيين، فقد كان السلب والنهب وفرض الجزية على القرى والمدن عماد اقتصاد إسطنبول، إذ لم يكونوا أهل صناعة أو تجارة، بل ظلوا على طبيعتهم الهمجية كقبائل تعيش على السلب والنهب.
نفس المبدأ اتبعته الجماعات الإرهابية، حيث قسم الإرهابيون العالم إلى دارين: إسلام وكفر، أما دار الإسلام فقد حصروها بأنفسهم، وجعلوا كل العالم دار كفر، واستباحوا ديار المسلمين ونهبوا الثروات وانتهكوا الحرمات.
ويلقى تاريخ العثمانيين العسكري إعجاباً شديداً لدى التيارات الدينية المتطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان، التي أعاد مؤرخوها مثل علي الصلابي  كتابة تاريخ العثمانيين على أنه تاريخ للجهاد الإسلامي. وصاروا يتغنون بغزواتهم وسلبهم ونهبهم للشعوب والأمم، حتى انتشرت ثقافة القتل والغزو والنهب بين الشعوب المسلمة.
بل إن تاريخ ظهور الأتراك في العالم الإسلامي يرتبط بأعمال السلب والنهب، وما يظنه العالم الإسلامي زمنا جهادا لنشر الدين لم يكن سوى أعمال نهب قامت بها القبائل التركية التي تم توطينها على حدود الدولة البيزنطية.

سبي المسلمات وسرقة الأطفال
صبت التنظيمات الإرهابية شرها على المسلمين قبل غيرهم، ولم تراع حرمة لمسلم، ولا دور عبادة، وانطلقت تقتل الآمنين بشكل عشوائي وتفجر وتنهب الممتلكات.
ومن أجل تبرير هذه الأفعال بحق المسلمين، قالت هذه الجماعات بكفر المجتمعات المسلمة. ويذكرنا التاريخ بموقف مشابه لهذا التبرير، يذكره حلمي النمنم في كتابه "جذور الإرهاب أيام سليم الأول في مصر" وفيه أنه حين أراد السلطان العثماني سليم الأول غزو مصر، كان بحاجة إلى تبرير للغزو، فمصر دولة مسلمة، وأهلها مسلمون، ولها مكانة إسلامية كبيرة، على عكس دول أوروبا التي كان يحشد الجنود لغزوها باسم فتح ديار الكفر".
وقد أوجد قاضي عسكر الأناضول كمال باشا زاده الحل، من خلال تفسير مغلوط لآيات قرآنية، تتحدث عن نبوءة من الله للصالحين، وهي آية (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) الأنبياء: 105.. وجاء تفسير قاضي السلطان أن الأرض هي مصر، والزبور أي فصل الصيف، وأجرى القاضي حساباً لعدد الجمل والآيات، على الطريقة الإسرائيلية، خلص إلى أن كلمة "من بعد الذكر" تساوي 922، وهو العام الهجرى الذي كانت الاستعدادات العثمانية تجرى فيه لغزو مصر، أما العثمانيون فهم عباد الله الصالحون. ومجمل التفسير أن  العثمانيين يدخلون مصر صيف ذلك العام، وهو عام غزو مصر.
وجاءت فتوى القاضي على النحو التالي: أفتي بشرعية التحرك إلى مصر وشن حرب عليها، لأن أهلها قطاع طرق، والحرب والقتال معهم من الجهاد والإيمان، أما المقتول مننا فسيكون شهيداً، كما يذكر النمنم في كتابه.
وهكذا اتفق العثمانيون وداعش - سواء بسواء - على تكفير المسلمين بهدف استباحة أراضيهم، وسفك دمائهم، ونهب أموالهم، وسبي نسائهم وأطفالهم، والأهم سلب ثروتهم.
فحين احتلت الجماعات الإرهابية مناطق من الدول العربية، أغرقتها في عمليات قتل واسعة النطاق، وسفكت دماء مئات الآلاف  ونهبت أموالهم و استعبدت النساء، وفتكت بالأقليات غير المسلمة، واغتصبت وسبت نساءهم، وكل ذلك باسم الجهاد، كما هجرت السكان الآمنين من قراهم ومدنهم.
نفس الممارسات الوحشية نجدها في تاريخ العثمانيين، فعند غزوهم لمصر ارتكبوا السلوكيات الوحشية نفسها، رغم أن أهل مصر أعلنوا بيعتهم للسلطان العثماني إيثارا للسلامة.
وعن ذلك يقول النمنم في كتابه: حين احتل العثمانيون مصر نهبوا الثروات، والممتلكات، واقتحموا البيت، ونهبوا أقوات السكان، واستولوا على شون الغلال، وصادروا الجمال والخيول التي تعمل في مطاحن الدقيق، حتى شح الدقيق من الأسواق، وارتفعت أسعار الخبز.
ويضيف المرجع السابق أن تجريدة عثمانية استباحت أجزاء في منطقة الشرقية، ونهبوا الممتلكات والديار، ولم يكن السطو والنهب غريباً على العسكر العثماني، إنما كان الغريب هو ما فعلوه مع الأهالي من أسر نساء الفلاحين وأولادهم الصبيان والبنات، وبيعهم في أسواق القاهرة بأبخس الأثمان.

تدنيس المقدسات وتفجير الأضرحة
لم يتورع داعش عن تفجير المساجد، ولا نبش قبور الأولياء والأضرحة، وقتل المخالفين في المذهب، والتشدد بفرض فتاوى شاذة ونسبتها للإسلام.
نجد نفس السلوك لدى العثمانيين، فقد تشددوا في فتاوى تحريم تناول الدخان في عهد السلطان مراد الرابع، وجعلوا الإعدام عقاباً للمدخنين، كما عاقبوا من يحتسي القهوة بالشنق، كما يذكر محمد داود كوري في كتابه "دعوة جماعة قاضي زاده الإصلاحية في الدولة العثمانیة".
أحرق العثمانيون المساجد في القاهرة خلال حملة السلطان سليم الأول عام 1517، ومنها مسجد شيخو بالصليبة، كما أحرقوا مسجد المؤيد بشارع المعز لدين الله الفاطمي، وهاجم الجند الأتراك الأضرحة بحجة البحث عن المماليك الهاربين، إلا أن النهب والسلب كان هدفهم، وقد نهبوا البسط والقناديل والنذور من مساجد وجوامع عدة، منها مقام السيدة نفيسة، ومقام الإمام الشافعي، ومقام الإمام الليث، كما يذكر النمنم.

جد إردوغان في حماية داعش
يقول الكاتب كاظم الحمامي في مقال بعنوان "أضرحة غير مشمولة بتفجيرات الدواعش": منذ اليوم الذي شرع فيه الدواعش بنسف قبور الأنبياء والصحابة والأئمة بعد سيطرتهم على مناطق واسعة من العراق وسورية، كان ضريح سليمان شاه (1178- 1236) والد أرطغرل وجد مؤسس الدولة العثمانية عثمان الأول، بمنأى عن التخريب والتدمير، رغم سيطرة داعش على المنطقة التي يوجد فيها الضريح،دمرت كل القبور والأضرحة التي مروا بها، ابتداء بأضرحة الأنبياء يونس وشيت، والصحابة مثل حجر بن عدي، وإمام التابعين أويس القرني.
سبب إحجام داعش عن تدمير ضريح جد الأتراك هو عدم إغضاب إردوغان حليفهم الأول، فمن خلال تركيا كانت داعش تبيع النفط المسروق من حقول سورية والعراق، كما كانت تركيا إردوغان بمثابة نقطة لعبور الإرهابيين من مختلف أنحاء العالم للالتحاق بالقتال الدائر في الأرض العربية، بجانب أن أنقرة كانت أهم مصادر التسليح والتدريب لمقاتليهم، وفي مستشفياتها تلقى الإرهابيون من داعش والنصرة وغيرهما العلاج. وحين اقتحمت القوات التركية الحدود السورية لنقل رفات سليمان شاه عام 2015، لم تتعرض لها جماعة داعش الأشد تطرفا بشأن القبور، والتي كانت تسيطر على المنطقة، وتمت عملية نقل الرفات في سلام.
إن إردوغان أثبت أنه وريث أسلافه العثمانيين، فقد سار على خطاهم في دعم الإرهاب، وتخريب القرى والمدن العربية، وكما لم يسلم العرب من غدر وشر أجداده بالأمس، لم يسلموا من غدره وشره اليوم.

Qatalah