يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


6 مارس 2019 بالشاي جئناكم

من يشاهد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وهو يُلقي بنفسه، من حافلته، التي تعبر شوارع المدن التي يجوبها، بأكياس الشاي من وزن الـ200 جرام، إلى الجمهور المحتشد على جانبي الطريق، لن يُخطئ الظن في أن يعتقد أنه يشاهد صوراً من إحدى جمهوريات الموز المنتشرة في أكثر من قارة في العالم.

وإذا كان مصطلح "جمهورية موز" يُطلق على الدول، التي تأتمر بأوامر خارجية، ولا سيادة لها ولا كرامة ولا ديمقراطية، فإن إطلاق المصطلح هنا يعكس تلك العلاقة الدونية، التي تربط الحاكم بمواطنيه. وعندما ينظر الحاكم إلى هؤلاء كرعايا ينتظرون التصدّق عليهم برغيف خبز، أو بأوقية شاي أو بقطعة شكولاته، إنما يعلن احتقاره لهؤلاء الناس الطيبين من كل الفئات والتوجهات، ولا يرى فيهم سوى أرانب فاغرة الأفواه لا قيمة إنسانية لها.
في نهاية شهر مارس الجاري، تذهب تركيا إلى صناديق الاقتراع، لتدلي بصوتها في الانتخابات البلدية. وهي انتخابات تكتسب أهمية من أكثر من زاوية. أولاً على الرغم من الحضور السياسي الطبيعي في كل انتخابات، لكن الانتخابات البلدية هي أكثر تعبيراً عن مدى العلاقة بين المواطن والمسؤولين المحليين المباشرين عن تقديم الخدمات له. وثانياً تحولت الانتخابات البلدية إلى المكان الأكثر أهمية في العلاقة بين المواطن والمسؤول على اعتبار أن المجلس النيابي لم يعد مركز الثقل في الحياة السياسية، بعد إقرار النظام السياسي الجديد ودخوله حيز التنفيذ بدءاً من 24 يونيو/حزيران 2018 وحصر الصلاحيات المُطلقة بيد رئيس الجمهورية ونزع الصلاحيات من البرلمان. كما تكتسب الانتخابات البلدية أهمية ثالثة في ضوء النتائج التي يمكن أن تسفر عنها.

تراجعت السيطرة المطلقة لـ"حزب العدالة والتنمية" على البرلمان، ولم ينل في انتخابات 24 يونيو الماضي الغالبية المطلقة، لكن التحالف مع حزب الحركة القومية بزعامة دولت باهتشلي على قاعدة شد العصب القومي، جعل حزب "العدالة والتنمية" مرتاحاً، ليتجاوز الحزبان معاً الغالبية المطلقة في البرلمان. كذلك تمكن إردوغان، بفضل دعم الحركة القومية له تحت مسمى "تحالف الجمهور" من الفوز بانتخابات الرئاسة بغالبية 52 في المئة.
على الرغم من مظاهر التباين في العلاقة بين إردوغان وباهتشلي، إلا أن الأخير كان حريصاً جداً على عدم التفريط بالتحالف مع إردوغان تحت شعار أن "تركيا مهددة في صميم أمنها القومي"، وأن المسألة مسألة حياة أو موت. المقصود هنا أن تركيا تعاني مشكلة كردية في الداخل، وتواجه تحدياً كردياً جدياً على حدودها مع سورية مع فصائل قوات الحماية الكردية.
على هذا الأساس تجري الانتخابات البلدية بين القوى القومية بزعامة إردوغان- باهتشلي، والقوى المقابلة المتعددة الانتماءات والتي تمتلك هدفاً مشتركاً هو التخلص من حكم إردوغان ولو بالتدريج، عبر إحداث خرق حقيقي للمرة الأولى منذ عام 2002 ولو بشكل جزئي، على أن يكون مؤثراً وله دلالاته العميقة.

من هنا فإن التحالف المعارض المعلن هو بين حزب الشعب الجمهوري وحزب السعادة والحزب الجيّد، لكن هذا لا يكفي، من هنا تبدو أهمية عدم ترشيح حزب الشعوب الديمقراطي الكردي أي مرشحين له لرئاسة البلديات في المدن الكبرى التي لا حظّ له فيها وتجيير أصواته، وقد تكون مؤثرة جداً، لمرشحي حزب الشعب الجمهوري، مثل: مدن إسطنبول وأنقرة وإزمير وغيرها، لكن الحزب الكردي سينزل بكل ثقله في المناطق الكردية في الجنوب الشرقي، حيث يأمل بإلحاق هزيمة كاسحة بمرشحي حزب العدالة والتنمية الذي كان قد أقال معظم رؤساء البلديات الأكراد بتهمة الإرهاب، وعيّن بدلاً منهم رؤساء جدداً تابعين له علّه يقدم خدمات مباشرة ويكسب قلوب الأكراد.
مع ذلك فإن الخريطة على هذا النحو لا تبدو كافية للمعارضة. فهناك ترقب لموقف فئات داخل حزب العدالة والتنمية لها حضورها التاريخي مثل أحمد داود أوغلو وعبدالله غول لمعرفة ما إذا كانوا، وفقاً للتسريبات الصحافية، سيصوتون للمعارضة ما سيدفع بالنسبة التي سينالها حزب العدالة والتنمية للتراجع، وربما إلى ما بين 35 و40 في المئة.

المعركة في المناطق الكردية محسومة إلى جانب حزب الشعوب الديمقراطي. وفي إزمير تميل بقوة إلى مرشح حزب الشعب الجمهوري. أمّ المعارك هي في إسطنبول وأنقرة، لذلك دفع إردوغان برئيس البرلمان الحالي الذي استقال لخوض المعركة ورئيس الحكومة السابق بن علي يلدريم، ليكون مرشح الحزب في إسطنبول. وفي حال خسارة حزب العدالة والتنمية لمدينتي إسطنبول وأنقرة أو حتى إحداهما، فيمكن اعتبار ذلك هزيمة للحزب، وبدء مسار جديد في الحياة السياسية التركية تراهن عليها المعارضة، لهزّ سلطة حزب العدالة والتنمية تدريجياً.

إردوغان يدرك ذلك ويسخّر كل إمكانات الدولة لعدم التعرض لهزيمة مؤثرة، ومن ذلك توزيع الشاي على الجمهور من دون أن نعرف ما إذا كان بسكّر، والأتراك يحبون الشاي بالسكر، أو مرّاً.

Qatalah