يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كثيرة هي الليالي المظلمة التي عاشتها بغداد، أشدها قسوة حين داست خيول هولاكو المغولي حضارة عاصمة الخلافة الزاهية، وحين احتلت طائرات دونالد رامسفيلد الأميركي سماءها بوحشية، لكن أكثر لياليها سوادا ووحشية كانت من نصيب الغزاة الأتراك، حين دكت مدافع الجيش العثماني عروس العرب واستباحت حرمة أهلها قبل نحو 200 عام.
 
للأتراك نصيب وافر من الليالي التي تلونت فيها بغداد بالأحمر القاني، وتعرض أهلها للتجويع والتعذيب والظلم، أبرزها عام 1831، عندما ارتكب جنود السلطان محمود الثاني سلسلة مذابح بحق العراقيين لم تشهدها المدينة من قبل.
 
بين الباشا والسلطان
مثل صعود محمود الثاني إلى عرش السلطنة عام 1808 حدثا انقلابيا في التاريخ العثماني خلال عصر أفوله وانحلاله، فقد سعى إلى ترميم ملك أجداده الواهن بإعادة فرض المركزية بالقوة على ولايات الدولة المترامية بين البلقان والعالم العربي. 
السياسة المركزية وجدت نجاحا كبيرا في العراق نتيجة الانقسام الطائفي، وفيما كانت الجيوش العثمانية تفرض سطوتها بالقمع والإرهاب على الإمارات الكردية في الشمال، تحركت قوات هائلة نحو بغداد لاستعادتها من أيدي باشوات المماليك الذين كانوا على وشك الاستقلال الكامل عن سلطة إسطنبول المتداعية.
 
حكم إيالة (ولاية) بغداد في ذلك العصر مجموعة من المماليك من أصول جورجية أعطتهم السلطنة العثمانية حكما شبه مستقل منذ منتصف القرن الثامن عشر، مقابل أن يدفعوا عنها الخطر الإيراني.
وطوال ما يقرب من التسعين عاما، نجح المماليك في مهمتهم، وتمكنوا من الابتعاد عن النفوذ العثماني نفسه، فأقروا الأمن والنظام في بغداد بشكل لم يتوافر من قبل في ظل السلطة التركية المباشرة، ما جعل العراقيين يرحبون بالمماليك، ويكنون لهم مشاعر طيبة، على عكس ولاة العثمانيين الذين ارتبط وجودهم بنهب البلاد.
ومنذ وصول داود باشا المملوكي إلى الحكم في بغداد عام 1816 شرع في تحديث البلاد، ومد خط الاستقلال عن السلطنة، على طريقة محمد علي باشا في مصر، واعتبر أن هزيمة محمود الثاني في معركة نفارين البحرية أمام الإنجليز، وخسارته الساحقة في اليونان عام 1827، فرصة ممتازة لتنفيذ خطته.
في المقابل، قرر السلطان الجريح الانقضاض على العراق قبل أن ينجح حاكم بغداد في مساعيه، وأمر والي حلب علي رضا باشا اللاز عام 1831 بالتحرك فورا للقضاء على المماليك.
 
الطاعون والمدافع
توجه علي رضا فورا إلى العراق لتنفيذ أمر السلطان، واستغل حالة الفرقة بين القوى السياسية لضرب داود باشا، فضم إلى صفوف القوات العثمانية مجموعة من الموتورين المماليك وزعماء العشائر العربية من أمثال صفوق الفارس شيخ الشمر وسليمان الغنام من رؤساء عقيل، ونزل بهم جميعا الموصل وأخذ في التجهيز للحرب. 
 
تزامن وصول علي رضا باشا أرض العراق مع إصابة البلاد بوباء الطاعون، وكأن الموت الأسود أبى إلا أن يترافق مع وباء آخر جلبه العثمانيون إلى بلاد الرافدين برصاص البنادق وطلقات المدافع.
 
أمام الطاعون وفيضان دجلة غرقت بغداد وانهارت الكثير من البيوت، فأيقن داود باشا أن ظروف الحرب ليست في صالحه، واستقر ومعه أعيان المدينة على مكاتبة محمود الثاني في إسطنبول يخبرونه بأن أمنهم قد سلب على يد رجاله، ويطالبونه بإعادة علي رضا باشا إلى حلب مقابل أن يقدموا للدولة العثمانية عشرين ألف كيس نقدية، ومضاعفة حصة بغداد من الضرائب من ألفين إلى أربعة آلاف كيس سنويا، والإبقاء على داود باشا، أو اختيار من يشاء.
ظن أهل بغداد أنه يمكنهم انتظار رد العاصمة العثمانية بينما كان الوصول السريع لعلي رضا باشا وفرضه الحصار ثم قصفه المدينة بتسع قنابل سببا في الإجماع على القتال حتى النهاية، ووفقا للرواية التاريخية "اجتمع العلماء ووجوه البلد ورؤساء العسكر جميعا واتفقوا على أن لا يفترق الواحد عن الآخر، وأعدوا المدافع ولوازم المحاربة".
 
أمطر علي رضا باشا بغداد بطلقات المدافع من عدة جهات، من الثكنة الداخلية ومن جهة "بودر" في المضاربة ومن تلول الصابونية والجاووش، وفي محاولة يائسة لإسكات المدافع التي أشعلت المدينة بنيرانها، خرجت مجموعة صغيرة من العسكر البغدادي وهاجمت الثكنة الداخلية ودمرت ما بها بعد أن أجبرت الأتراك على الفرار، ونجحت قوات أخرى في هزيمة سليمان الغنام العقيلي ورفع الحصار عن باب الحلة.  
الانتصارات السابقة رغم أهميتها لم تغير من حقيقة الظروف القاسية التي عاشتها بغداد نتيجة الطاعون والشح في الأقوات والغلاء نتيجة الحصار، وفي وسط اليأس اتفق المماليك على ضرورة مهاجمة القوات العثمانية ليلا، لكن أحدهم ويدعى "درويش" عطل القرار بإصراره على انتظار رد إسطنبول قبل الهجوم الشامل.
 
خيانة 
وصل رد السلطان العثماني إلى علي رضا باشا، ولم تجد رسالة السلام التي أرسلها أهل بغداد أي صدى لديه، حيث أمر قائده إذا عجز عن دخول المدينة بالحرب باتباع الحكمة، ولم يكن يعني سوى المكر والخديعة.
على الفور، أخبر علي رضا باشا أهل بغداد أن السلطان رفض طلباتهم وأنه يجب عليهم التسليم فورا، فلما وجد أن المدينة مصرة على الصمود لجأ إلى الخيانة وشراء الذمم، وأرسل إلى مجموعة من المماليك يعدهم بالوظائف إذا ما تخلوا عن حراسة الأبواب، بينما تورط شخص يدعى السيد أحمد أفندي في خيانة رفاقه بمساعدة مجموعة أعوان، إذ أقدموا على طرد حراس الباب الشرقي، وسمحوا بدخول الخيالة الأتراك. 
تسارعت الأحداث بعد الخيانة، حيث قبض العثمانيون على داود باشا واقتادوه إلى خيمة علي رضا الذي قرر إرساله إلى إسطنبول بدلا من قتله، لأن محمود الثاني كان يخشى أن يؤدي إعدامه إلى زيادة نفور محمد علي في مصر من السلطنة.  
 
مذبحة المماليك
بعد أن فرغ علي رضا من أمر داود، بدأ خطة التخلص من المماليك في بغداد، فبعد أن دخل إلى المدينة ركز على تأمين الأمراء وأغدق عليهم بالوظائف، ثم دعاهم في اليوم الثالث إلى الحضور جميعا للاستماع إلى الفرمان السلطاني.
أثناء الاجتماع، تحجج رضا بخروجه للوضوء بينما تولت مجموعات من الجلادين إعدام مئات المماليك فلم يبق منهم سوى اثني عشر شخصا- على الأكثر- أرسلوا إلى إسطنبول.
 
تفرغ رضا باشا بعد ذبح المماليك لأهل بغداد، ولما كان يخشى من تمرد عساكر الجيش العثماني ضده بسبب تأخر الرواتب فإنه خان وعده للسكان بالأمان، وأطلق يد العساكر في عمليات نهب واسعة، وكانت عقوبة كل من يعترض من العراقيين الإعدام الفوري.
نهب بغداد كان وسيلة الباشا لرشوة الجند، فيما كانت مصادرة الأموال طريقته لإرضاء السلطان الذي كان ينتظر أن تمتلئ خزانته بالقدر الأكبر من خيرات العراق.
مصادرات الباشا والمظالم التي فرضها على أهل بغداد كانت شديدة القسوة، ووصل الأمر إلى التعرض للنساء وتعذيبهن، فضربت زوجة المملوك المقتول رضوان آغا بالفلقة، وكويت بالسيخ، كما أنهم "آلموا الأهلين كثيرا، بأمل تقديم مبالغ للجيب الهمايوني (السلطاني) وسد جشع الوالي وأعوانه". 
 
بغداد التعيسة
سياسات الباشا الهمجية، وتجاوزه الحد في الظلم والاعتداء على الأرواح ونهب الأموال أدت إلى نفور أهل العراق من العثمانيين، وأصبح البغداديون يترحمون على زمن المماليك الذين كانوا أرحم بهم من ولاة إسطنبول.
لم تحسن عودة العراق إلى ولاية السلطنة من وضعه، بل جعلته "أردأ وأتعس من ذي قبل، فكتب الشقاء على القطر، ولم ينفك منه"،  قبل أن يسلم الأتراك البلاد إلى الاحتلال الإنجليزي بعد هزائم الحرب العالمية الأولى.

المصادر :

3 - جميل موسى النجار، الإدارة العثمانية في إيالة بغداد

Qatalah