يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لا يؤمن بالمساواة، يكرهها، فهو يحتقر النساء، يحاول إدارة أجسادهن للإنجاب فقط، داخل حرملك يرى أنه المكان الوحيد لإيواء تلك الكائنات "الصغيرة الناقصة"، بل ويعتبر أن تحديد النسل خيانة للأمة التركية، ومن ترفع رأسها بالرفض تلقى أسوأ مصير: الضرب أو القتل.. إنه سلطان الحريم رجب إردوغان.

تشهد تركيا معدلات عنف وتحقير وازدراء للمرأة، منذ وصول الرئيس الحالي للحكم، حيث ارتفعت الجرائم ضد النساء 4 أضعاف خلال الـ14 عاما الأخيرة، جعلت من واقع المرأة التركية بائسا، بسبب النظرة المتدنية التي يتبناها رجال حزب العدالة والتنمية الحاكم للنساء، والتي تتجلى في تصريحات مهينة وسياسات تشرع زواج القاصرات، وتحمي ممارسات مسيئة إلى حواء مدعومة من نواب الحزب في البرلمان التركي.

"إما يقتلني أو أقتله"
نظيفة امرأة  تركية ضحية لهذه النظرة القادمة من قصور الآستانة قبل زوال السلطنة العثمانية، تعيش في أنقرة وتروي فصلا من دفتر معاناة النساء، تقول: "ولدت في مدينة سيفاس لعائلة فقيرة، كنت صغيرة عندما مات أبي ولم يمض أربعون يوما على ولادة أختي، تزوجت أمي من عمي وتركتنا، أصيبت أختي بالصمم نتيجة قلة الرعاية بها، وبعدما كبرنا قليلا أخذنا أخي الأكبر إلى مدينة أضنة، لم أعش طفولتي أو شبابي ولم أتلق تعليما، هذه ليست حياة، الحياة لا يجب أن تكون كذلك".
بدأت نظيفة العمل في سن الرابعة عشرة، تقول: "كنت أتعرض للضرب من زوج أمي، اضطررت للعيش معي أخي، وتزوجت في التاسعة عشرة، لكن زوجي اعتاد أن يضربني ويُهِنني، بل وخانني بلا خجل".  
تتابع: أحيانا كنت أحدث نفسي "إما أن يقتلني أو أقتله"، مرض بعد ذلك لأنه أكبر مني بكثير، كان في السابعة والخمسين، توفي بعد سهري على رعايته شهورا طويلة، ونقل أمواله إلى أولاده لكي يحرمني من كل شيء، وطرقت باب أختي الكبرى وأخي لكن لم أجد شيئا.
تواصل المرأة التركية "تعرفت على رجل وتزوجته لكنه لم يختلف عن الأول، لم يتوقف الضرب والإهانة والشتائم، مازالت علامات الضرب على جسمي ووجهي حتى الآن، لذا انفصلت عنه والآن أعمل دون مساعدة من أحد". 
تقول بمرارة :"لا أرى عائلتي ولا أحد يزورني، وأعيش مشاكل في عملي ومضطرة للعمل بمقابل 1200 ليرة فقط لسداد ديوني، عندما أطلب مساعدة من أحدهم يريد استغلال جسدي، وعندما أرغب في الخروج أو التنزه تشوه سمعتي، لذلك لا أخرج من البيت". 
تشير نظيفة بأصابع الاتهام إلى المجتمع "في الواقع هذا المجتمع ورجاله ساقوا النساء إلى الطرق السيئة".


تعرضت للأذى

موقع "إكماك فاجول" التركي تناول عددا من القصص المأساوية للنساء ضحايا العنف ونشرها خلال الاحتفال باليوم العالمي للمرأة الأحد الماضي، ومن بينهن أينور.
تحكي مأساتها قائلة: "كنت صغيرة جدا عندما تزوجت، في سن الثالثة عشرة، لم أعش طفولتي على الإطلاق، لدي الآن طفلان وعانيت الكثير بسبب زوجي ووالدته، كان أكبر مني بعشر سنوات، في البداية لم تردني عائلته، قهروني بالعنف، ومضت أيامي على ذلك الحال، الآن تغير الوضع لكن ما مضى كان شبابي، تعرضت للأذى والذل وتدمرت حالتي النفسية، رقدت عاما وتعاطيت مضادات للاكتئاب، وكنت أفكر في أشياء سيئة وخائفة وأرغب في ترك المنزل، لكن كان لدي أبناء لم يكن باستطاعتي أن أرحل وأتركهم، أنجبت طفلي الأول في الرابعة عشرة والآخر في الخامسة عشرة، كنت صغيرة ومضطرة إلى تربيتهم".
أضافت أينور: "عائلتي لم تقف بجانبي، كانوا يقولون: ابق في منزلك ودبري أمورك. وأنا اضطررت للبقاء وعندما كبر الأبناء توقف الضرب، لكنني كنت قد تدمرت وانتهيت". 
ختمت أينور حديثها "نحن النساء نهان ونذل لا تزال هناك نساء يعانين من آلام صعبة ولا يستطعن النجاة، العنف ليس شيئا يمكن تقبله.. برأيي العاجز هو من يضرب المرأة".  

تحقير رئاسي
تصريحات إردوغان تفضح وجهة نظره الحقيقية في المرأة التي لا تستحق المساواة بالرجل حسب زعمه، وخلال القمة الدولية الأولى للمرأة، الجمعة الماضية، أكد أنه ضد المساواة مدعيا أنها "أمر عكس الطبيعة"، ولم يكتف بذلك بل تطوع من تلقاء نفسه وطالب بكثرة الإنجاب بقوله: "لابد أن تنجب الأم ثلاثة أطفال على الأقل"، متهما النسويات برفض الأمومة.
يزخر حزب العدالة والتنمية بأعداء المرأة، ومنهم الوزير السابق للمياه والغابات فيسيل إروغلو الذي قال: "ألا تكفي النساء وظائفها في المنزل؟"، كما استهجن وزير آخر سابق للصحة عمل الأمهات بقوله: "لا ينبغي أن تقوم الأم بأي مهن خارج الأمومة"، وقال وزير المالية السابق محمد شميك، إن ارتفاع معدلات البطالة يرجع إلى بحث النساء عن الوظائف وزيادة مشاركتهن في العمل.

عام القهر
حسب صحيفة أفرنسال التركية، فإن 329 امرأة قتلت في أول 10 أشهر من عام 2018، وتعرضت 870 للعنف واغتصبت 342 خلال الـ8 أشهر الأولى من نفس العام، بينما بلغت نسبة الطلاق بسبب تعرض النساء للعنف 36.4 %.
تكشف الإحصاءات أن 44% من النساء ليس لديهن ضمان اجتماعي، وتصل البطالة بين صفوفهن إلى 14.6%، بالإضافة إلى 43.4% يعملن بدون تصريح، وترتفع نسبة غير الراضيات عن حياتهن إلى 63.9% من النساء التركيات.
تحاصر الأزمات المرأة التركية في محيط العمل، ومن أبرزها الأجور الضعيفة والبطالة والعمل بدون تأمينات، وتعاني 23.2% منهن من التمييز خلال اختيارهن للوظائف فضلا عن حصولهن على أجور أقل بنسبة 17.8% عن الرجال، بالإضافة إلى 92% يعملن بدون الانتماء لأية نقابة.

بعد عام واحد من مسرحية الانقلاب، لم يتورع إردوغان عن استخدامها كفزاعة  للزج بــ 17 ألف سيدة في غياهب السجون، ولم يراع مرضعة أو حاملا أو مريضة، وفقا  لصحيفة زمان التي رصدت تدهور الحالة الصحية للكثيرات منهن بسبب التعذيب الممنهج، حتى فقد بعضهن حاسة النطق.

زواج القاصرات
يتهم معارضون النظام التركي  بترويج ممارسات قديمة مضرة بالنساء، مثل زواج القاصرات، فقد أفتت رئاسة الشؤون الدينية، بموقعها الرسمي على الإنترنت، أن بداية المراهقة للبنين تبدأ من سن 12 عاما، وبلوغ الفتيات من 9 سنوات، مؤكدة أنه العمر الذي يمكن للشخص أن يتزوج فيه.
أثار البيان موجة من الاعتراضات، وقالت قيادات في المعارضة إنه يفتح الباب أمام اغتصاب الفتيات الصغيرات بشكل قانوني، فيما تحدى إردوغان المجتمع وشرع في اتخاذ خطوات قانونية لإجازة الأمر، وعندما زادت حدة الاعتراضات قال في تصريح علني للمعارضين: "القانون سيتم تمريره.. شئتم أم أبيتم".

لكن الحكومة ظلت ماضية في خطة استهداف النساء، ففي نوفمبر 2016 طرح الحزب الحاكم مقترحا في البرلمان ينص على إرجاء عقوبة الاستغلال الجنسي حال زواج الضحية من الجاني.
القانون أثار جدلا واسعا وموجات من السخط، فيما واصل الحزب الدفاع عنه، وقال وزير العدل الأسبق بكير بوزداغ إن كثيرين تورطوا في جريمة الاغتصاب ويقضون عقوبتهم، زاعما أن القانون يهدف إلى حل مشكلة تعاني منها تركيا.

إذلال المرأة
لا تؤيد الحكومة التركية العنف ضد المرأة فقط، بل وتدعو إليه بالأعمال الدرامية، وهو ما حدث بعرض مسلسل "الحب الأبيض الأسود"، المحرض على العنف ضد المرأة، وقد استدعى العرض ردود فعل غاضبة، وقالت النائبة عن حزب الشعب الجمهوري توريلديز بيتشار إن الحكومة بموافقتها على عرض المسلسل المسييء تحاول وضع إطار شرعي لعمليات التعدي على المرأة والعاملين بالقطاع الطبي، بالإضافة إلى حوادث التحرش والاغتصاب، مطالبة بوقف عرضه، ما قوبل بالرفض من الأغلبية.

في المقابل، حرص الحزب الحاكم على التستر على الإساءة المنظمة للمرأة، ففي سبتمبر عام 2010  بدأ عرض مسلسل "ما ذنب فاطمة غول"، وتدور أحداثه حول اغتصاب البطلة التي تؤدي دورها الممثلة بيرين سات وزواجها من الجاني، ولاقى ردة فعل عنيفة من حزب العدالة والتنمية، الذي اعتبر نوابه العرض مسيئا لهم، كونه يناقش ما وصفوه بـ "عورات المجتمع".

كلما ضربتها
 ديسمبر 2016 أثار كتاب توزعه بلدية مدينة كوتاهية التابعة لحزب العدالة والتنمية على المتزوجين حديثا حالة من الجدل الواسع، بسبب احتوائه على عبارات مهينة لربة المنزل ونصحها بالطاعة المطلقة للرجل مهما فعل.
الكتاب ألفه الإمام التابع لرئاسة الشؤون الدينية حسن تشاليشكان، وحمل اسم "الحياة الزوجية والأسرية"، ليشجع الرجال على تعدد الزوجات بهدف تركيع الزوجة الأولى وإثارة مشاعر التنافس مع الثانية، وتضمن عبارات صارخة التمييز والتحقير مثل "يجب عدم السماح للنساء بالذهاب إلى الصالات الرياضية والحدائق العامة، وكلما ضربت المرأة أحبّتك أكثر ورغبت فيك أكثر، ويمكن تزويج الأطفال ما بين 10 و12 عاما في الأقاليم الدافئة، وأن رياضة الباليه من عمل الشيطان والمسرح هو وكره".

مليء بالحجارة
تقول الناشطة الحقوقية العضوة في منصة "سنوقف الجرائم ضد النساء"، جولسون كاف، إن الدولة لا تحمي النساء اللاتي يتعرضن لكل مظاهر التعنيف والقهر، موضحة أن مطلب النساء المنكوبات الوحيد -حسب لقاءات شخصية معهن- أن تنفذ الحكومة مسؤوليتها في حمايتهن ومنع التعرض لهن.
أشارت جولسون إلى أن قانون العنف ضد المرأة في القانون لا يطبق بشكل كامل ومليء بالثغرات والنواقص، مشددة على أن الدولة لا تحمي المرأة وحقوقها.

تقول الأستاذة في قسم الاقتصاد بجامعة جالطة سراي سالين بالاك، إنه يجري استغلال المرأة بشكل سييء والتمييز ضدها  في العمل، موضحة أن أرقام توظيف النساء تصل إلى 35% ما يعني أن 3 من كل 10 نساء فقط يحصلن على وظائف. 

"طريق المرأة مليء بالحجارة في تركيا".. بهذه العبارة تصف الناشطة الحقوقية في اتحاد النساء جانان جولو حال النساء، قائلة: "إن المرأة يجري استهدافها واغتصاب حقوقها في تركيا، فمن فرض قيود على عمليات الإجهاض والولادة القيصرية -كأن جسدها ملك للجميع- مرورا بالسماح بزواجها في سن مبكرة، إلى زواج المغتصب من ضحيته، وأخيرا إبعادها عن العمل".

Qatalah