يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم ينس العرب درس الماضي القريب، فالحاضر لم يختلف كثيرا، والوقائع كاشفة، والمحصلة النهائية واحدة، فتركيا في ثوبها العثماني لا تختلف عن أنقرة الإردوغانية في إعلان عداء صريح للعرب، لا يعرف الأتراك حرمة الدم أو الدين المشترك أو حسن الجيرة، في إسطنبول ثم أنقرة دارت وتدور المؤامرات ضدنا على قدم وساق، لم ينس العثمانيون الجدد أطماعهم أبدا في ثروات العرب، حاولوا باستخدام سلاح الإخوان خونة الأوطان التغلغل في النسيج الوطني، استغلوا ربيع العرب وقلبوه خريفا يزعزع البلدان ويقسم الدول خدمة لأجندة العثمانلي، لكن الشعوب العربية التي طردت العثمانيين قديما عادت وتصدت لمشاريع العثمانيين الجدد وخلال السنوات الأخيرة سجل إردوغان وحلف الخراب خسائر وخرج من عواصم العرب يجر ذيل الخيبة والهزيمة.
 
إن الصراعات العربية التركية التي يشهدها إقليم الشرق الأوسط خلال الثمان سنوات الأخيرة، والتي تبدأ من الحروب بالوكالة، وتنتهي بدعوات القطيعة الاقتصادية والثقافية، يمكن اعتبارها "الحرب العربية التركية الثانية". تمييزا لها عن الحرب الأولى عندما أعلن العرب ثورتهم الكبرى العام 1916 ضد الاحتلال العثماني الذي أدخل بلاد الشرق الأوسط في حظيرة الجهل والفقر والتخلف لقرون، ولا تزال المنطقة تعاني من تبعات هذا الاحتلال الغاشم الذي ظل يستنزف الجسد العربي، حتى عادت الروح عندما عرف العرب طريق الحرية وحطموا قيد العثمانية وخروجوا للحياة ليبنوا نهضة حضارية لم تتعرض لانتكاسة إلا على يد عصابات الإخوان والعثمانيين الجدد الذين حاولوا منذ العام 2011 اختطاف العالم العربي مجددا صوب التخلف والجهل لكن الشعوب العربية تعلمت الدرس جيدا وبداية من العام 2013 بدأت نسور الحرية في طرد خفافيش العثمانلية من طرابلس وتونس غربا مرورا بالقاهرة والخرطوم وليس انتهاء بدمشق وبغداد.
 
المخطط التركي الإخواني واضح المعالم إلا لمن يكابر، إردوغان يستخدم قفاز الإخوان للتسلل إلى مدن العرب، يسعى لتحويل بلادهم إلى باحة خلفية لإمبراطورية متوهمة، يريد سرقة موارد المنطقة لإنقاذ اقتصاده المتعثر، يحولها إلى مناطق نفوذ يرفع عليها أعلام أنقرة، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي أطماع رجب، في 2011 اقترب إردوغان من تحقيق حلمه عندما حاول تصعيد الإخوان في أكثر من دولة عربية، كادت المؤامرة أن تنجح، لكن العرب أدركوا خطورة المؤامرة فبدأت ثورة التصحيح واستعادة الثورات المخطوفة منذ 2013.
 
العمق الاستراتيجي
إن فهم حقيقة الدور الذي تلعبه تركيا اليوم في المنطقة العربية، لا يمكن أن يتم إلا باسترجاع أطروحات أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء السابق لـتركيا، والتي وضعها على طاولة النقاش في كتابه الأشهر والأهم "العمق الاستراتيجي"، وهو إنجيل العثمانيين الجدد الذي يكشف بكل وضوح عن أطماع غير مخفية لأنقرة في بلاد العرب.
 
يعتبر "العمق الاستراتيجي" وبلا منافس، دستور السياسة الخارجية للدولة التركية الحالية. حيث حدد داود أوغلو فيه أهداف التيار الأيديولوجي الجديد الذي حكم تركيا منذ العام 2002، وكان إردوغان على رأسه. 
 
ألفّ داود أوغلو كتابه، في عصر بدت خلاله عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي مستحيلة _ وفقا لتعبير داود أوغلو نفسه _ خاصة مع صعود التيار الإسلامي إلى سدة الحكم في أنقرة. وما دام الأفق الأوروبي قد صار مغلقا، فإن البحث عن آفاق جيوسياسية جديدة لـتركيا، كان أمرا حتميا بالنسبة لإردوغان ورفاقه من رجال العدالة والتنمية. 
 
في نظر داود أوغلو، فإن البديل الذي كان على الأتراك البحث فيه هو الامتدادات الجغرافية القديمة للإمبراطورية العثمانية داخل البلقان والقوقاز والعالم العربي. وهو ينظر إلى تلك المناطق، باعتبارها فرصة ذهبية لابد من انتهازها لاستعادة نفوذ الأتراك السياسي في تلك المناطق الغنية والحيوية. 
 
وعلى الرغم من تقديم "العمق الاستراتيجي" مسألة الاستعادة في إطار نظرية داود أوغلو، "صِفر مشاكل" الشهيرة، والتي كانت تعني "تصفير" المشكلات مع العرب في الشرق الأوسط، فإن الكتاب نفسه، لم يقدم نبرة تتماشى مع الحملات السلمية للنظرية التي يمكن فهمها على أنها خطة خداع استراتيجي، بأن يظهر نظام العثمانيين الجدد بقناع الحمائم وهو يخفي وجه ذئب مفترس. 
 
ظهر داود أوغلو بنزعة إمبريالية حادة حين يشير إلى حادثة الافتراق بين العرب والأتراك في أعقاب الحرب العالمية الأولى. حيث قال: "القوى الاستعمارية تقاسمت أراضي الدولة العثمانية الغنية بالمواد الخام، واضطرت إدارات المناطق خارج الأناضول آنذاك إلى القبول بهذا التقسيم، ومن ثم أعلنت كل إدارة على حدة تبنيها لميثاق وطني خاص بها". 
 
داود أوغلو لا يقصد هنا بـ"إدارات المناطق خارج الأناضول"، إلا البلدان العربية. ويصف قبولها بالابتعاد عن الاحتلال التركي بالاضطرار والإجبار. وفي هذا إغفال كامل لحقبة طويلة بدأت مع فاتحة القرن التاسع عشر، ولم تنتهِ إلا في أثناء الحرب العالمية الأولى، شهدت خلالها نشوء حركات التحرر العربية، والتجارب التحديثية المنفردة بعيدا عن الإرادة العثمانية التي غرقت في الفشل والتخلف. ومن خلال تلك النزعات انطلقت الدعوات العربية الصريحة مع بداية القرن العشرين للتخلص من الاحتلال العثماني البغيض. 
 
اليوم وبعد نحو 18 عاما من طرح نظريات العمق الاستراتيجي، ومع الاستمرار في رفض الانضمام التركي إلى مجموعة اليورو، طور إردوغان من نظريات "العمق الاستراتيجي"، وحولها إلى ممارسات عملية عدوانية، تستهدف استعادة النفوذ التركي في البلدان العربية. إن لم يكن بالوسائل الناعمة، عبر دعم الوكلاء من الإخوان المسلمين تحديدا، فمن خلال الحرب المباشرة، لكن رجب غاب عنه أمر غاية في الأهمية وهو أن العرب يتذكرون، ولم ينسوا يوما كفاح أجدادهم ضد العدوان العثماني، لذا يذكره "عثمانلي" بثورة العرب قديما وحديثا في وجه المحتل التركي مهما تغيرت الوجوه.
 
مصر
سقطت مصر فريسة الاحتلال العثماني في العام 1517، بعد الانتصارات التي حققها السلطان سليم الأول في معركتين كبيرتين بالشام أولا (مرج دابق 1516)، ثم (الريدانية 1517) كان لخيانة بعض المماليك دور رئيس في تحقيق هذه الانتصارات. وقد أبدى خلالها المصريون مقاومة كبيرة للغزو العثماني، تمثلت في حرب شوارع دامية التي روى تفاصيلها المؤرخ ابن إياس. 
 
عاشت القاهرة ثلاثة قرون متتالية بعد ذلك الحدث، وهي خاضعة للاحتلال العثماني المباشر، عانت خلالها حالة غير مسبوقة من التيبس الفكري، والانحلال الأخلاقي. وقبيل قدوم الحملة الفرنسية في العام 1798 بحوالي عقدين من الزمان، كانت قد تشكلت في القاهرة نخبة من الأعيان المصريين وعلماء الأزهر، أبدت رفضها صراحة لاستمرار الأوضاع المتردية لمصر في ظلال العثمانيين. وابتدعت تلك النخبة لأول مرة في تاريخ مصر الحديث، المظاهرات الشعبية العارمة للمطالبة بخلع الولاة المبعوثين من قبِل إسطنبول. 
 
وبعد رحيل بونابرت عن مصر في العام 1801، لعب أفراد تلك النخب الدور الرئيس في تولية محمد علي باشا على رأس السلطة الحاكمة في القاهرة، رغما عن أنف السلطان العثماني نفسه. ليكون فيما بعد، هو الشخص المقدر له أخيرا الانخلاع بمصر بعيدا عن السلطة المباشرة للعثمانيين. 
 
ولدت مصر الحديثة مع تجربة محمد علي التحديثية في عشرينيات القرن الـ 19. وكلما كانت نجاحات الباشا تتزايد، كان موقف الدولة العثمانية يتقلص أمامه. وقد تحول محمد علي مع مطلع الثلاثينيات إلى مواجهة السلطنة العثمانية عسكريا، وحقق ضدها انتصارات ساحقة في الشام، ثم في مجالها الحيوي بالأناضول نفسه. ولولا تدخل القوى الأوروبية وإيقاف القتال المصري التركي، لكان مصير السلطنة سيتغير مع دخول قوات الباشا إلى إسطنبول. 
 
رغم ذلك، فإن معاهدة لندن 1840، ابتعدت بمصر عن السلطنة العثمانية باعتراف دولي. ولم تعد ترتبط بها سوى برابطة اسمية. وقد استغلت الأسرة العلوية السنوات التالية للمعاهدة، في المضي بتجربتها التحديثية بشكل منفرد. وهو ما نتج عنه مولد الدولة المصرية، ومعها مولد الهوية المصرية الحديثة نفسها، فخلال سنوات قليلة من الابتعاد عن الحكم العثماني تحولت مصر إلى دولة حديثة صاحبة نهضة لا تقل عن دول أوروبا الغربية العظمى. 
 
تلك الهوية بحلول نهايات القرن الـ 19، وبتأثير مباشر من حركات الإصلاح الديني التي بثها في مصر السيد جمال الدين الأفغاني، ثم تلميذه محمد عبده. ستأخذ في اعتناق الأفكار القومية، التي ترفض الاستمرار حتى في الخضوع الاسمي للعثمانيين. وبرفع شعارات "مصر للمصريين" بقيادة أحمد لطفي السيد في وجه تيار "الجامعة الإسلامية"، سينتهي الأمر بانتصار التيار الوطني، والتخلص أولا من التبعية للسلطنة، ثم الانقلاب في العام 1919 والثورة ضد الاحتلال البريطاني. 
 
حصلت مصر على دستورها المدني في العام 1923. في نفس العام الذي أنشئت فيه الجمهورية التركية الحديثة بموجب معاهدة لوزان. وطوال الفترة التالية، شهدت العلاقات المصرية التركية فتورا شبه كامل، صبغ الفترة الطويلة من العام 1923، وحتى صعود القومية العربية في خمسينيات القرن العشرين. 
 
كان الصعود القومي، خاصة في مصر وسورية، يعني تهديدا كبيرا لتركيا التي أصبحت تخشى من قيام وحدة بين القاهرة ودمشق، تخلق كيانا سياسيا ضخما على حدودها الجنوبية. ولذلك، فإن عدنان مندريس، رئيس الوزراء التركي في ذلك الحين، قام في العام 1958، بالاتفاق مع نظيره الإسرائيلي "ديفيد بن غوريون" على ما عرف باسم "الميثاق الشبح"، والذي فرض حالة من التعاون التركي الصهيوني ضد الدولة القومية في مصر وسورية. 
 
أصبحت تركيا خلال ذلك الوقت، وبسبب تعاونها المكشوف مع إسرائيل عدوا من جديد للقومية المصرية. ولم تخف حدة ذلك العداء إلا بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979، ورغبة تركيا في زيادة تعاونها التجاري مع الدول العربية وعلى رأسها دول الخليج النفطية. 
 
غير أن صعود إردوغان وحزبه العدالة والتنمية ذي الخلفية الإسلامية الطافحة، مثّل نقطة تحول في مسيرة العلاقات المصرية التركية. حيث خشت القيادة في تلك الأخيرة، من أن يكون التشارك الأيديولوجي بين العدالة والتنمية والإخوان، هو المحرك للسياسة الخارجية لـتركيا الجديدة. 
 
تحققت المخاوف المصرية بالفعل بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير العام 2011. وهي سلسلة احتجاجات شعبية واسعة اندلعت بين صفوف المصريين، ضد تردي الأوضاع المعيشية، وعدم توافر العدالة في توزيع الثروة. ونجحت تلك الاحتجاجات سريعا في كسب المؤسسة العسكرية، والتي ارتضت مع الثائرين تنحي الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك كخطوة أولية للبدء في عصر جديد. 
 
ومع غياب القيادة المحددة للثورة المصرية، بدا الفراغ الذي خلفته دولة مبارك، فرصة ممتازة لإردوغان للزج بحلفائه من الإخوان في مصر إلى القصر الرئاسي في القاهرة. في هذه الفترة، كانت قيادات الإخوان تحصل من تركيا على النصائح والتوجيهات. ووصل الأمر إلى تأسيس الجماعة لحزب سياسي يحمل اسم "الحرية والعدالة"، في محاكاة لاسم الحزب الحاكم في أنقرة، "العدالة والتنمية". 
 
نجح الإخوان في الفوز بالانتخابات الرئاسية في العام 2012، وأصبح محمد مرسي، أول من يصل إلى ذلك المنصب من الإخوان. وأصبح الطريق مفتوحا أمام إردوغان للعودة بالنفوذ التركي إلى مصر، لم يكن غريبا أن يتم التوقيع على العديد من الاتفاقيات الاقتصادية وسط رغبة أنقرة في نهب منظم لمصر التي باتت رهينة في الشرك الإخواني. 
في الفترة القصيرة لحكم الإخوان، أصبح قادة العدالة والتنمية المستشارين الرئيسيين لحكام مصر الجدد. وتواترت الأخبار عن نية النظام التركي تقديم دعمه لمصر الإخوانية، في صورة أحزمة استثمارية ضخمة بمليارات الدولارات. ونظرا إلى تفهم إردوغان، أن "الحرية والعدالة" لا يمكنه الثبات في حكم مصر، إذا ما هو تمسك بالتطبيق الحرفي لأيديولوجيته، فإنه _ أي إردوغان _ طالب الإخوان صراحة أثناء زيارته الشهيرة إلى جامعة القاهرة بتطبيق المنهج العلماني كقناع حتى يصلوا إلى مرحلة "التمكين". وكان يقصد إعادة تطبيق تجربته الشخصية في تركيا.
الشعب المصري كان أكثر وعيا من نظيره التركي، لم تنطل عليه خدع الإخوان وتمسحهم في ذيل التعددية، تصريحات وتحركات قيادات الجماعة كانت كاشفة في سعيها لاحتكار السلطة إلى الأبد، لم يمض عام واحد على حكم مرسي دمية الإخوان وإردوغان، إلا وهب الشعب المصري في ثورة شارك فيها الملايين، 30 يونيو 2013، تحول إلى يوم فاصل إما تنتصر فيه إرادة الشعوب العربية أو يمضي المشروع الإخواني الإردوغاني في طريقه، راهن الجميع على أبناء النيل، لم يخذلوا وطنهم، لبوا النداء، وكفيضان النيل الذي يغسل الأرض الطيبة من الدنس، طرد المصريون فلول الإخوان وأسقطوا النظام الخائن ووجهوا أكبر ضربة لمشروع إردوغان الاستعماري في المنطقة.
تلا ذلك الحدث الذي اعتبر ضربة للمخطط التركي في مصر، استقبال أنقرة لمن أتيحت له فرصة الهرب من مصر، قبل سقوط عناصر الإخوان الإرهابية في القاهرة والمحافظات المصرية. وخلال السنوات التالية لأحداث 2013، أصبحت تركيا الحاضن الرئيس لكل خصوم النظام المصري الحالي من الجماعة. ومن خلال دعمهم بالتمويل المادي، وإتاحة الفضاء الإعلامي أمامهم. لكنهم لم يستطعوا تغيير الحقيقة، الشعب المصري لفظ المشروع الإخواني الإردوغاني للأبد.
 
ليبيا
دخلت ليبيا بأقاليمها الثلاثة (برقة، فزان، طرابلس الغرب)، تحت السيطرة العثمانية في العام 1551. وشهدت كل سوءات الاحتلال التركي المتكررة. وأضيفت إليها في الحالة الليبية، إبقاء إسطنبول على وضع العصبيات القبلية على حاله، للاستفادة من إشعال الحرب بين أبناء الوطن الواحد لصالحها. 
 
ومع دخول القرن الثامن عشر، والذي شهد انتشار رغبة واسعة عبر الأقاليم العربية للاستقلال عن الحكم العثماني. كانت ليبيا شاهدة على استقلال آل القرمانلي في طرابلس الغرب عن الحكم العثماني المباشر، مع استمرار التبعية الاسمية لها. 
استمر القرمانلية في حكم ليبيا حتى العام 1835، عندما عزل آخر ولاة تلك السلالة، علي باشا القرمانلي. وعادت ليبيا للحكم العثماني الصريح بأمر من السلطان محمود الثاني. ولكن تلك العودة كانت إيذانا باندلاع ثورات قبلية في ليبيا التي رفضت العودة إلى نقطة الصفر من جديد. وكان شيخ قبيلة المحاميد، "غومة المحمودي"، هو الذي قاد أعنف وأطول ثورة ليبية ضد المحتلين الأتراك في الجبل الغربي بطرابلس. 
 
بدأ المحمودي ثورته في العام 1835، وفي رسالة شهيرة أرسلها إلى السلطان العثماني عبد المجيد الأول، أخذ الشيخ غومة يعدد من مساوئ الحكم التركي مطالبا إسطنبول بالإصلاح إن هي أرادت أن يتوقف عن ثورته. ولكن عندما قوبل طلبه بالتجاهل، قرر إكمال مسيرته والتي لن تنتهي إلا بقتله غيلة على يد السلطات العثمانية في العام 1858. 
 
استمرت ليبيا جزءا من الإمبراطورية العثمانية حتى اندلعت الحرب الإيطالية التركية على امتلاكها في العام 1911. وانتقل أنور باشا، أحد قادة الاتحاد والترقي، وواحد من حكام إسطنبول الأبرز في العصر العثماني الأخير، إلى ليبيا لإدارة العمليات العسكرية بنفسه. ولكنه تلقى خسارة حاسمة، أفقدت الأتراك حكمهم للساحل الليبي إلى الأبد، فبعد الهزيمة سحب الجيش العثماني وترك الليبيين ليواجهوا وحشية الغزو الإيطالي وحدهم. 
 
وإذا أصاب العلاقات التركية الليبية ما أصاب سواها من البلدان العربية فيما بعد الحرب العالمية الأولى وتوقيع لوزان. فإن اندلاع الحرب الأهلية الليبية العام 2011، أي بعد مائة عام من قيام الحرب الإيطالية التركية، قد فتح الباب من جديد أمام رغبة الأتراك في استعادة ما لهم من نفوذ داخل ليبيا. وعلى نفس الطريقة المصرية، ولكن بتعقيدات أكبر، ودموية أشد. 
 
على غرار موقفه من الثورة المصرية، فإن إردوغان ومنذ الأيام الأولى للحرب الأهلية في ليبيا، اختار استخدام كلمات مائعة بدون مقابل محدد على الأرض. فقد حذر نظام القذافي في طرابلس من استخدام السلاح في وجه (الثوار). ولم يتحدث من قريب أو من بعيد عن الطبيعة الأيديولوجية لأولئك (الثوار)، أو جهة تمويلهم وتسليحهم. كما طالب المجتمع الدولي في حديث آخر بعدم تقييم الوضع في ليبيا على أساس النفط، وإنما على أساس (إرادة الشعب الليبي). 
 
ولكن إردوغان بعد ذلك كشف عن نيته الحقيقية، قرر دعم الإخوان في تأسيس حزب حمل اسم "العدالة والبناء". وفازت الجماعة في أعقاب ذلك، بأول انتخابات برلمانية في ليبيا بعد سقوط القذافي. ولكن مع استمرار الانقسام والحرب الأهلية، وإصرار الإخوان على مد ولايتهم سنة إضافية، فإنهم فشلوا في الفوز بثاني الانتخابات البرلمانية الليبية أمام التيارات الليبرالية والمستقلة. وما كان منهم إلا أن رفضوا الاعتراف بتلك الهزيمة. 
 
أدى ذلك إلى انقسام ليبيا سياسيا بين ثلاثة تيارات وبدأت الحرب الأهلية الليبية الثانية في العام 2014. وانتهت إلى انحصار الصراع بين الإخوان ومعها ميليشيات إرهابية في طرابلس، وتمثلهم حكومة الوفاق الوطني (تكونت ديسمبر 2015) برئاسة فايز السراج، وقوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في بني غازي. يدعم إردوغان بالطبع حكومة الوفاق الوطني، وبصورة لا محدودة. بالمال والسلاح. وهو يرغب في مقابل ذلك أن تصبح ليبيا، الغنية بالنفط، تابعة لدولته. 
هذا الدعم، حوّل إردوغان إلى لاعب رئيس ومتحيز في الصراع الليبي. ولذلك، فقد أبدى غضبه الشديد من استبعاد وفده من محادثات رسمية بخصوص المستقبل الليبي في مدينة باليرمو الإيطالية في نوفمبر 2018. ووصل الأمر إلى تهديد مندوبه فؤاد أقطاي، والذي انسحب من المؤتمر بقوله: "لن تؤدي أية خطوة تستثني تركيا إلى حل مشكلة ليبيا". وقوله أيضا: "كل اجتماع يستثني تركيا لا يمكن إلا أن تكون نتائجه عكسية لحل المشكلة". وهو ما يعني أن أنقرة تخبر المجتمع الدولي أنها أصبحت ممسكة بطرف كامل من الخيط في الأزمة الليبية. وأنها ستستمر في إشعال الصراعات طالما هي بعيدة عن طاولة المفاوضات التي سترسم المستقبل السياسي الليبي. 
 
في مايو 2019، أطلق خليفة حفتر عملية طوفان الكرامة، بهدف واحد معلن هو استعادة السيطرة على مدينة طرابلس وطرد حكومة الوفاق والميليشيات الإسلامية منها. والأحداث في ليبيا تحولت إلى حرب مفتوحة بين حفتر وبين تركيا ووكلائها في طرابلس. وإلى اليوم، لا تتوقف الأخبار عن إسقاط الطائرات التركية بدون طيار المشاركة في الحرب على طرابلس، كما لا تتوقف الأنباء عن توقيف شحنات الأسلحة التركية إلى الإسلاميين الليبيين، سواء عن طريق السودان، أو عن طريق البحر، لكن محاولات أنقرة تبدو بلا جدوى، فالخطر الإخواني على مستقبل ليبيا انحصر في طرابلس، وبات القضاء عليه وشيكا بعدما استيقظ الشعب الليبي وطالب بحقه في حياة كريمة بعيدا عن مؤامرة إردوغان والإخوان.
 
السعودية
وقعت الحجاز في قبضة العثمانيين بالتبعية لسقوط دولة المماليك في مصر والشام العام 1517. وكان على قلب الجزيرة العربية أن يعيش حالة من الخمول حتى وقت قيام الحركة الوهابية الإصلاحية في نجد منتصف القرن الثامن عشر. 
في الهضبة النجدية، تحالف الشيخ محمد بن عبد الوهاب، صاحب الرؤى السلفية المضادة للبدعية الصوفية، مع الأمير محمد بن سعود، وأنشآ سويا الدولة السعودية الأولى، التي كان غرضها الوحيد هو انتشال بلاد العرب من وهدة الجهل والتخلف والفقر التي تركها فيها المحتل العثماني.
 
أحدث ذلك التحالف انقلابا كاملا في الصحراء العربية. ومنذ تأسيسها في العام 1744 وحتى سقوطها في العام 1818، تمكنت الدولة السعودية الأولى من التمكين لنفسها في الجزيرة العربية، والتحول إلى العنصر البدوي الأقوى في المنطقة، لكن المؤامرات العثمانية استمرت ضد الدولة السعودية الأولى والثانية على طول القرن التاسع عشر. 
 
ولكن عبد العزيز آل سعود، مؤسس الدولة السعودية الثالثة، والممتدة حتى اليوم، تمكن من استرداد هضبة نجد من جديد في العام 1921. وفي العام 1932، أعلن توحيده المناطق الخاضعة له في كيان سياسي واحد هو المملكة العربية السعودية. 
هذا الميراث من الكراهية العثمانية للدولة السعودية هو ما شكّل الصورة الذهنية في العقل السياسي الجمعي لكلا الطرفين. وبالنسبة للتاريخ المعاصر، فإن العلاقات السعودية التركية الواسعة يؤرخ لها بدءا من سبعينيات القرن العشرين. 
 
شهدت سبعينيات القرن الماضي نشوب أزمة طاحنة عاشتها أنقرة على صعيد الطاقة. وهو ما دفع الأتراك إلى التقرب من العرب، وخاصة في منطقة الخليج الغني بالنفط. لم يكن التودد التركي للسعودية إلا محاولة لجمع الحلفاء في وقت تستعد أنقرة لغزو قبرص، وهو ما تم العام 1974، لكن العرب انتصروا للقانون الدولي ولم يعترفوا أبدا بالاحتلال التركي لشمال قبرص.
 
في العام 1980، رفضت الحكومة التركية الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل وخفضت من مستوى التمثيل الدبلوماسي مع الأخيرة، كانت تلك محاولة تركية لتقديم أوراق اعتماد للسعودية مقابل الحصول على دعم الرياض، وفي مقابل تلك البطولة الورقية، عاد وزير الخارجية التركي حينذاك إلتر توركمان من الرياض، وفي يده شيكا من المملكة العربية السعودية بمبلغ 250 مليون دولار.  
 
وبعد انتهاء الحرب الباردة، فتحت أنقرة قواعدها العسكرية أمام الطيران الأمريكي لضرب العراق في حرب الخليج الأولى العام 1991. وأبدت السعودية، ومعها مصر والإمارات وسورية اعتراضها على التعاون التركي الأمريكي. وكانت لديها خشية من نية تركيا استغلال الفوضى التي ستعقب هزيمة صدام حسين لاحتلال الحقول النفطية الغنية في شمال العراق. 
 
ولكن التسعينيات شهدت رغم ذلك نموا في العلاقات الاقتصادية المتبادلة بين السعودية وتركيا. ووصلت تلك العلاقات ذروتها بعد تولي إردوغان لرئاسة الوزراء في أنقرة العام 2002. حيث قدم رئيس الوزراء التركي نفسه للرياض في تلك الفترة الأولى من حكمه، كحليف للسعودية مهتم مثلها بقضايا العالم الإسلامي الكبرى. 
 
في تلك الفترة الأولى، قدمت الرياض إلى تركيا مساعدات مالية غير مستردة بلغت نحو 11 مليار دولار. كما ساهمت الأموال السعودية المتدفقة على السوق التركي، في تأسيس العديد من مشروعات البنية التحتية، على مستوى محطات توليد الكهرباء، وتوسيع المطارات المدنية القائمة، وتطوير خطوط السكك الحديدية، إضافة إلى خطوط نقل الطاقة. 
 
وحتى بعد اندلاع الثورات العربية في العام 2011، وتضاد المواقف السعودية والتركية في الملفات المصرية والسورية والليبية، بعدما ظهر للجميع حقيقة المشروع التركي الإخواني، فإن الاستثمار السعودي لم يتوقف عن التواجد في السوق التركي، حيث ارتفع عدد الشركات السعودية العاملة في تركيا إلى ألف شركة بحلول العام 2015، برأس مال بلغ نحو 6 مليارات دولار. وفي 2016، تجاوزت الاستثمارات السعودية حاجز الـ 11 مليار دولار. وأعلنت المملكة تخصيصها استثمارات بـ 600 مليار في تركيا حتى العام 2025. 
 
ولكن دولة إردوغان في النهاية لم تتمكن من الموازنة بين مخططها الذي يستهدف إزاحة السعودية من قيادة العالم الإسلامي، وبين العلاقات الاقتصادية المتبادلة مع الرياض. لقد كشفت تركيا خلال العام الفائت عن نبرة عداء واضحة ضد المملكة العربية السعودية، بعدما اكتشفت أبعاد المخطط التركي، لذا لم يكن غريبا أن السعوديين أبدوا رفضهم التدخلات التركية بشكل علني، وبدأوا في اتخاذ خطوات لمعاقبة الأتراك على تدخلاتهم التخريبية في العالم العربي. 
 
تنوعت الأساليب السعودية بين حملات مقاطعة المنتجات التركية على مواقع التواصل الاجتماعي. وتحذير مؤسسات سعودية من السفر إلى تركيا، والاستثمار فيها. وأخيرا تحول كثير من وسائل الإعلام السعودية، إلى كشف التورط التركي في الصراعات الدامية بالمنطقة، وتسببها في كثير من الأحيان في اشتعال تلك الصراعات. 
 
على هذه الصورة، تشهد العلاقات التركية السعودية مرحلة من العداء الصريح من قبل أنقرة، والغضب الشديد من قبل الرياض التي شعرت بالخيانة التركية التي عضت اليد السعودية الممدودة بالخير، تأكدت السعودية أن إردوغان خائن وحاقد بطبعه يسعى لمناطحة المملكة على زعامتها الطبيعية للعالم الإسلامي، لذا لم يكن غريبا أن يصطف رجب خلف نظام الملالي الإيراني من أجل تدويل الإشراف على المناسك حقدا من عند نفسه، لكن السعودية تبدو اليوم متيقظة تماما لأية محاولات صبيانية من قبل لص أنقرة.
 
السودان
لم ينجح العثمانيون في مد نفوذهم إلى السودان رغم انتصاراتهم العسكرية على المماليك في مصر العام 1517. فقد نجحت سلطنة الفونج، وحتى ثمانينيات القرن السادس عشر، في الحفاظ على استقلال شمال السودان وإبقائه بعيدا عن السطوة العثمانية. ولم يتمكن الأتراك من هزيمة الفونج إلا في عهد السلطان سليم الثاني بين عامي 1582 و 1583. 
 
وعلى العكس من تأخر العثمانيين في غزو دواخل الأراضي السودانية، وحصولهم على القدر الضئيل منها في النهاية. فإنهم ركزوا منذ وقت مبكر على غزو ميناء سواكن الاستراتيجي على البحر الأحمر شمال شرق السودان. 
مثل الميناء قاعدة عسكرية، استخدمها الأتراك لتأمين الملاحة العثمانية في البحر الأحمر ومواجهة البرتغاليين في الصراع الكبير على طرق التجارة الممتدة من سواحل الهند إلى البحر الأحمر. لكن السوادنيين لم يحصلوا على أية فائدة من الوجود العثماني، فقط استغلهم الأخير في عمليات بيع العبيد وسرقة موارد البلاد وتركها تعاني الفوضى والفقر. 
 
طرد الأتراك من سواكن وفقا للمادة السابعة عشر من معاهدة لوزان 1923، ولكن مع اقتراب العام 2023، العام الذي يبشر فيه إردوغان كذبا بانتهاء أثر لوزان، فإن ميناء سواكن، ومعه السودان كله عاد إلى واجهة الأطماع التركية التوسعية. 
للمرة الثالثة، يلجأ إردوغان إلى الإخوان المسلمين لتحويل بلد عربي إلى (ولاية) تابعة لدولته. وكان الرئيس السوداني عمر البشير، بخلفيته الإخوانية، هو المضطلع بتلك المهمة بالنسبة لتركيا. 
 
لقد شهدت السنوات الأخيرة تقاربا كبيرا بين نظام إردوغان ونظام البشير. وعبر الضغط على المقاربات الأيديولوجية بين العثمانيين الجدد وإخوان السودان. ومن خلال الاستثمارات التركية في قطاعات التعدين، والتصنيع، والبنية التحتية، نجح إردوغان في أن يقدم نفسه إلى المجتمع الدولي والإقليمي بصفته لاعبا أساسيا لدى النظام السوداني بعدما هيمن على اقتصاد الخرطوم
استغل الرئيس التركي وضعه الواثق ذاك في محاولة استعادة السطوة العثمانية القديمة على جزيرة سواكن، والتي من شأن السيطرة عليها، استعادة النفوذ البحري التركي في جنوب البحر الأحمر وحتى منطقة القرن الإفريقي، كان الهدف هو استهداف الأمن الاستراتيجي لمصر والسعودية. 
 
في ديسمبر من العام 2017، أعلن إردوغان من داخل سواكن أنه حصل لبلاده من الحكومة السودانية على "عقد امتياز في جزيرة سواكن لمدة 99 عاما". وأعلن أن الوجود التركي في الميناء يقتصر على الاستثمار السياحي. ولكن ذلك لم يكن سوى واجهة لإعادة النفوذ العسكري التركي إلى البحر الأحمر بصورة مباشرة، خاصة بعد أن أعلن الأتراك عن قدرة حوض السفن الذي تنوي أنقرة بناءه في سواكن على استيعاب "كل من السفن الحربية والتجارية". وهو ما يعني نية أنقرة لاستخدامه في الصراعات المحتدمة بين عدة أطراف إقليمية ودولية في باب المندب، والقرن الإفريقي. 
ظلت طموحات إردوغان مرتفعة في سواكن، والسودان كله، حتى اندلعت الثورة السودانية والتي استمرت بين ديسمبر 2018، وأبريل 2019، وانتهت بعزل البشير، فغمرت مياه النيلين الأبيض والأزرق مشروع إردوغان الإخواني للأبد. 
 
قطر
ظهرت قطر لأول مرة ككيان سياسي في بدايات القرن الثامن عشر. وكان آل ثاني هم أول القبائل العربية التي تمكنت عبر شيخها قاسم بن محمد آل ثان في توحيد شبه الجزيرة صغيرة الحجم وتحويلها إلى إمارة قبل وفاته العام 1878. 
كان الشيخ محمد بن قاسم نفسه هو الذي استدعى حامية عسكرية من السلطنة العثمانية لمساعدته في مواجهة الأطماع البريطانية. ووصلت تلك الحامية بالفعل في العام 1871. ولكن ما جرى أن قطر تضررت من الصراعات التركية البريطانية عليها في أعقاب تلك الخطوة. كشف العثماني عن وجهه القبيح وتنكر للقطريين وبدأ فرض احتلال ثقيل الظل على الدوحة. 
ولذلك، فإن العلاقة بين قاسم بن محمد أمير قطر الجديد، وبين الأتراك تدهورت بين عامي 1889 و 1892. وانقلب قاسم إلى محاولة التخلص من العثمانيين الذين جلبهم والده. وفي معركة الوجبة في 25 مارس 1893، تمكن قاسم بن محمد آل ثان من إلحاق الهزيمة بحاكم البصرة العثماني محمد حافظ باشا. وهو ما أدى إلى ابتعاد النفوذ العثماني عن قطر بصورة نهائية حتى سقوط السلطنة، لكنه عاد من جديد تحت ستار التعاون بين النظام القائم في الدوحة حاليا وأنقرة. 
 
هذه سيرة من حاربوا الأتراك الطامعين في بلادهم، ولا يزالوا. وإن الدم العربي الحر يبرأ من خيانة من باعوا أوطانهم لصالح من سفك دماء مئات الآلاف من العرب، وسعى في خراب ديارهم.

Qatalah