يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"الملتزم يأمر الخفير أن ينادي: العونة يا فلاحين.. يا بطالين، فيخرجون ويسرحون للحفر والزرع، ومن تخلف أحضره وسحبه من شنبه وأشبعه سبا وضربا".. لم يكن حال المصريين تحت الاحتلال العثماني يتجاوز الوصف السابق، ولم ينج أحد، على مدار ثلاثة قرون كاملة، من الإجرام التركي تحت سلطنة الخلافة البائدة.

مارس الاحتلال العثماني الاضطهاد والابتزاز على الفلاحين، بعدما اعتبرهم عبيدا بلا حقوق، ولم تقتصر المعاناة على تنفيذ الأوامر والتعليمات الإدارية، إنما شملت الإجبار على توفير حياة مترفة لممثلي الاحتلال، بداية من الوالي حتى أصغر جندي وموظف. 

رسخت القوانين التي وضعها سليم الأول وولده سليمان القانوني مبدأ العبودية أمام المحتل العثماني، فبناء على نظام توزيع الأراضي المعروف بنظام "الالتزام" أصبح الملتزم (الإقطاعي التركي) المتحكم الفعلي وبات المصريون رعايا من الدرجة الثانية، وتمثل نصيب الفلاح الجوع والعمل الشاق بعد أن أجبرته الدولة على العمل بالسخرة في أرض الملتزم (الوسية).
منح سليمان القانوني للملتزمين الحق في القبض على من يعارضهم ومعاقبتهم جلدا بالكرابيج وسجنهم وقتلهم أحيانا، وأصبح معتادا وجود سجن تحت خدمة كل ملتزم، ورصد عدد من المؤرخين المصريين أمثال عبد الرحمن الجبرتي ويوسف الشربيني وأحمد شلبي أشكالا مختلفة من الاستغلال والإكراه بحق المصريين.

عبيد الوسية
أراضي الوسية معفاة من الضرائب والالتزامات المالية، فهي امتياز إضافي لأصحابها، وعلى الفلاحين تجهيزها للزراعة وحصادها بالسخرة كنوع من الإتاوة اليومية تحت إكراه الكرابيج والبنادق.

وكانت "العونة" أقسى صور السخرة، حيث إجبار المصريين على أعمال أشمل من زراعة الأرض، منها حفر القنوات وتطهير الترع، وإنشاء المنازل والحظائر، بعد إلزام كل عائلة أن تقدم عددا من أفرادها للعمل بالسخرة، واعتبر المؤرخ يوسف الشربيني أن "القرى التي تتضمن أراضي الأوسية يعاني أهلها من التعب والغرامة والسخرة الزائدة، أما الخالية من الأوسية فأهلها من المحظوظين"، ورصد معاناة الفلاحين من ظلم الملتزم بقوله :"يخرجون عند صبيحة النهار ويسرحون للحفر وشيل الطين أو لكل ما يأمرهم به من غير أجرة، ومن تراخى أو تكاسل أخذه وعاقبه وغرمه دراهم معلومة، وبعض البلاد تكون العونة فيها على رجال معروفين بالبيوت، فيقولون يخرج من بيت فلان شخص واحد ومن بيت فلان شخصان، وإن مات الرجل جعلوها على ولده، وهكذا فهي داهية كبرى على الفلاحين ومصيبة عظمى على البطالين".

تعدت السخرة العثمانية إلى قهر المصريين بخدمة الباشوات ورجال الدولة تحت اسم "قرى الكشوفية"، وكان الفلاحون ينتزعون مع مواشيهم ومحاريثهم من قراهم وتستنزف جهودهم ودوابهم لأسابيع دون مقابل.
ويذكر المؤرخ ناصر إبراهيم أعمال السخرة في قرية "قلين" التابعة لإقليم الغربية فيقول: "كانوا يقبضون على الفلاحين من النواحي والطرق ويسخرونهم مع محاريثهم وبهائمهم من الثيران والجمال، ويضربونهم ضربا مؤلما لأجل تخضير بلاد الكشوفية".

كانت الخزانة السلطانية في مصر تتكفل سنويا بتمويل عمليات تقوية الجسور على النيل والترع فيما عرف باسم "تكاليف الجرافة"، لكن الواقع أن الفلاحين كانوا ينجزون تلك الأعمال دون مقابل، بينما كان يتم نهب الميزانية على يد الموظفين الأتراك بتواطؤ واضح من السلطنة في إسطنبول.

سجل المؤرخ الشهير عبد الرحمن الجبرتي نماذج عديدة للسخرة، منها واقعة عام 1583 عندما صدرت أوامر الوالي لأهالي "شباس الشهدا" و"الصافية" التابعتين لإقليم الغربية "تنتدب كل قرية من رجالها تحت إشراف مشايخها من يقومون بحفر 700 ذراع في خليج الإسكندرية".
لم تقتصر المعاناة على العمل دون أجر بل الكارثة أن الفلاح عليه في نفس الوقت سداد الضرائب والإتاوات، ولم يكن أمامه من سبيل سوى بيع ممتلكاته ودوابه، وإن عجز فلا مفر سوى الهروب من القرية تحت ستار الليل.

سخرة الحرفيين
لم تتغير أحوال الفلاحين الهاربين من القرى باتجاه القاهرة والمدن الأخرى، فقد اعتمد العثمانيون السخرة كمبدأ عام ولم ينج منها أصحاب الحرف والصناعات بالمدن، فباتت طوائفهم ملزمة بتقديم أعمالها مجانا للمحتل الذي لم يكتف بأكل أجورهم بل الاستيلاء على منتجاتهم كإتاوة.

كان على شيخ طائفة الدخاخنية العاملين في أعمال النحاس أن يقدم بعض الحرفيين لخدمة الوالي وكبار رجال الاحتلال، فيقومون بتبييض الأواني المنزلية النحاسية بصفة دورية دون مقابل، كما فرضوا على طوائف الحرف والصناع تقديم خدمات مجانية، فمثلا تتعهد طائفة البنائين بتقديم جميع الأعمال في قصور الوالي والأغوات وحكام الأقاليم، كما فرضوا على طائفة السقائين تقديم الماء يوميا لقصورهم.

رصد المؤرخ أحمد شلبي عبدالغني صدور الأوامر من محمد باشا الوالي العثماني إلى شيخ طائفة المعمار بمهمة بناء منزله في أحداث عام 1724 فيقول: "استنفر لذلك جميع البنائين والعمال ومن تخلف منهم يقبض عليه ويضرب ويهان. ومن الطريف قصة قصر محمد بك جركس الذي بني بالسخرة، فقد أثلج صدر من عملوا بلا مقابل أن يستدعوا لهدمه بعد مصرعه وزوال نفوذه، وشارك 300 عامل وحرفي كانوا يتندرون بأنهم بنوه بلا أجر وهدموه بأجر".

مقاومة العبودية
لم يكن غريبا أن يواجه المصريون السخرة بالرفض، وتمثل المستوى الأعلى في المقاومة في موقف المتضررين من وطأتها، وشهد عام 1680 هجوم بعض سكان قرى إقليم الدقهلية على سجن الكشوفية بمدينة المنصورة لإطلاق سراح المقبوض عليهم ظلما.

قاوم المصريون استخدام العنف من الملتزمين مثلما حدث في السنبلاوين بإقليم الدقهلية عام 1682 في إحدى جولات العسكر لتغريم القرى، إذ قبضوا على الكثير من الفلاحين فتصدت البلدة مجتمعة ودارت معارك عنيفة بالعصى والنبوت والسلاح الأبيض، قتل وجرح فيها أعداد كبيرة من الطرفين، وانتهت باقتحام القرية وفرار أهلها وهدم أسوارها.
وشهد القرن الثامن عشر حالات مماثلة وبات الملتزمون معرضين للسب والشتم وحتى القتل أحيانا جزاء أفعالهم، وكانت تلك أولى الإشارات على نهاية هيمنتهم على المصريين، التي انتهت بالاحتلال الفرنسي أواخر القرن الثامن عشر ثم دخول القاهرة العصر الحديث تحت حكم محمد علي في مطلع القرن التاسع عشر.

المصادر:
محمد بن إياس : بدائع الزهور في وقائع الدهور
عبدالرحمن الجبرتي : عجائب الآثار في التراجم والأخبار
محمد أبي السرور البكري : كشف الكربة في رفع الطلبة
أحمد شلبي بن عبدالغني : أوضح الإشارات فيمن ولى مصر القاهرة من الوزراء والباشات
عبدالرحيم عبدالرحمن : الريف المصري في القرن الثامن عشر
جمال كمال محمود : الأرض والفلاح في صعيد مصر في العصر العثماني
عفاف مسعد السيد العبد : دور الحامية العثمانية في تاريخ مصر
رضا أسعد شريف : حكاية مشايخ القرى في العصر العثماني
رضا أسعد شريف : أعيان الريف المصري في العصر العثماني
سيد محمد السيد : مصر في العصر العثماني
ناصر إبراهيم : الرفض والاحتجاج في المجتمع المصري في العصر العثماني

Qatalah