يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في بلد يفتقد فيه القضاء إلى الاستقلالية، وتتعدد فيه التهم التي تساق جزافا، بات من المعتاد سماع أحكام قاسية بلا سند قانوني وبتهم معلبة، ضد من يعتبرهم نظام رجب إردوغان، معارضين لسياساته.

محكمة الاستئناف العليا، أكدت تأييدها، أمس الخميس، أحكاما بالسجن المؤبد بحق 16 بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة التي يتزعمها رجل الدين المعارض، فتح الله جولن، المقيم بالولايات المتحدة الأمريكية، وتتهمه أنقرة بأنه العقل المُدبر لمسرحية الانقلاب التي شهدتها البلاد في 16 يوليو 2016.

وتلقى 14 مدعٍ عليهم أحكاما بالسجن المؤبد المشدد، بينما حكم على اثنين بالسجن المؤبد، حسبما ذكرت صحيفة "يني تشاغ"، مساء أمس الخميس. كما صدر حكم بالسجن 15عاما بحق آدم حدوتي ، القائد السابق للجيش الثاني، بدعوى مخالفته الدستور.

محكمة تركية أصدرت في يونيو الماضي، حكما بالسجن المؤبد على 151 من المتهمين، من بينهم مسؤولون عسكريون سابقون كبار. يشار إلى أن الأحكام المشددة بالسجن مدى الحياة تعد هي أقسى عقوبة في تركيا منذ أن ألغت عقوبة الإعدام في عام 2002. 

انتهاكات النظام
مجموعة من المنظمات الحقوقية الدولية قدمت- مؤخرًا- تقريرًا مشتركًا عن انتهاكات نظام إردوغان لحقوق المواطنين الأتراك، وممارسة الاستبداد ضدهم، إلى "مجلس حقوق الإنسان" الدولي التابع للأمم المتحدة، لمجرد أنهم غير منتمين إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم، ومعارضون لسياسات النظام الحاكم. 

ائتلاف دولي مكون من جمعية القانون في إنجلترا وويلز، ومبادرة المحامين المحتجزين، ومؤسسة الحوار المفتوح، قدم تقريرًا مشتركًا بعنوان "التطبيق الاستبدادي لقوانين مكافحة الإرهاب" إلى مجلس حقوق الإنسان الدولي في جلسة الاستعراض الدوري الشامل التي يجريها المجلس بخصوص الأوضاع الحقوقية في تركيا. 

خلصت مجموعة العمل الأممية إلى أن احتجاز الحكومة التركية أعضاء حركة "جولن" يشكل انتهاكًا من الفئة الخامسة، ما يعني أنها ارتكبت انتهاكًا للحق في الحرية على أساس التمييز بناءً على الجنسية أو الدين أو الأصل الإثني أو الاجتماعي أو الآراء السياسية أو الآراء الأخرى أو أي وضع آخر.

وفي التقرير المقدم للجنة الدولية، أشارت الجمعيات القانونية إلى المخاوف بشأن دقة تقارير جهاز الاستخبارات الوطنية التركية، وشرعية جمع البيانات التي يستند إليها في إسناد الاتهامات لمستخدمي "بايلوك"، وشرعية استخدام تلك البيانات كدليل في المحكمة، ما يؤكد تضاعف وتضخم الأسس التي انتهكت تركيا من خلالها التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان.

تقول الحكومة إن "بايلوك" وسيلة اتصال سرية استخدمها منفذو انقلاب عام 2016، بينما أكدت لاحقا تقارير تقنية وتحقيقات قضائية أن التطبيق التركي كغيره من تطبيقات الاتصال، واستخدمه الآلاف لإجراء اتصالات ومراسلات عادية.
"بايلوك" تطبيق للتراسل الفوري شبيه لـ"واتس آب" ومنتشر في تركيا ولا يدعم خدمة الاتصال الصوتي أو الفيديو.

اغتيال العدالة
تعليقًا على هذا التقرير، قال سيمون ديفيس، رئيس "جمعية القانون في إنجلترا وويلز": إن حكومة إردوغان عملت على "تقويض استقلال القضاة والنيابة العامة بشكل منهجي" منذ مزاعم الانقلاب العسكري ضدها في يوليو 2016.

وأضاف: "تم اعتقال مئات القضاة ومدعي العموم والمحامين واحتجازهم وإدانتهم بتهم متعلقة بالإرهاب دون أدلة موثوق بها"، مشيرًا إلى أنه "تم التعرف على المحامين ومعاقبتهم بتهم موكليهم، فيما تمت مقاضاة أكثر من 1500 محام ، مئات منهم في محاكمات جماعية".

وبالرغم من جميع حملات القمع والتضييق، لا يزال يناضل عدد من المحامين الأتراك لكشف عمليات التخويف والتهديد، وفق ديفيس الذي أضاف: "الوضع السائد في تركيا يقوض حق كل مواطن في التمثيل القانوني وفي محاكمة عادلة، وهو ما قد يفسر سبب تقديم المواطنين الأتراك أكثر من 57 ألف عريضة (شكوى) إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عام 2017".

وتابع : "لكن المحكمة الأوروبية ستنظر فقط في القضايا التي تم فيها استنفاد كل سبل الطعون المحلية، ولم تعترف بعد بأن المواطنين الأتراك ليس لديهم سبيل من أجل تقديم طعن أمام محاكم بلادهم، وبالتالي يتم إعادة الآلاف منهم إلى المحاكم التركية".

انتهاكات بالأرقام
وتشمل قائمة تركيا المرعبة للانتهاك: 57.039 عريضة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عام 2017 من المواطنين الأتراك، 25 ألفا، منها تم رفضها لعدم استنفاد سبل الطعون المحلية.

وضمن حملة القمع التي مارستها حكومة إردوغان بشكل جنوني منذ مسرحية الانقلاب، تم فصل 4.260 من القضاة ومدعي العموم من عملهم، كما تمت إدانة 634 من القضاة ومدعي العموم  بتهمة الإرهاب، بالإضافة إلى محاكمة 1546 من المحامين، حُكم على 311 منهم بالسجن لمدة 1967 عاما، كذلك اعتقال واحتجاز 599 محاميا آخرين.

رئيس "جمعية القانون في إنجلترا وويلز" شدد على أنه "يتعين على تركيا حماية استقلال المحامين والقضاة والنيابة العامة في التشريعات والممارسة، حتى يتمكنوا من أداء واجباتهم المهنية دون تخويف أو تدخل غير لائق، لأن سيادة القانون واستقلال مهنة المحاماة عنصران أساسيان لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي".

وأكد أن الجمعية ستواصل مع غيرها من المنظمات والأشخاص المدافعين عن حقوق الإنسان دعم "الزملاء الأتراك" العاملين في ظروف صعبة، كذلك بذل كل الجهود للمساعدة في استعادة الطرق المجدية من أجل تحقيق العدالة للجميع في تركيا.

 

Qatalah