يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


العثمانيون ضحوا بالعرب على مذابح الدول الكبرى، قربانا لهم لنيل رضاهم. العراق كان محطة لهذه التنازلات، بدأ مع منح امتياز الملاحة النهرية لشركة إنجليزية، ونهاية بمنح شركة ألمانية امتياز مد خط سكة حديد بغداد - برلين.
بمساعدة الأتراك وطدت بريطانيا أقدامها في العراق، من باب المصالح الاقتصادية. شركة لنش كانت واجهة للحكومة البريطانية، عملت من خلالها على السيطرة على المواصلات النهرية المهمة في العراق.
حكومة الاتحاد والترقي منحت الشركة امتيازا عام 1909 للسيطرة على الملاحة العراقية، متجاهلة معارضة النواب العرب في مجلس المبعوثان. الاتحاديون هددوا النواب، وحاصروا مجلس المبعوثان، في جلسة مناقشة الامتياز، مما أدى إلى حصولهم على موافقة المجلس عليه. 
 
مشروع استعماري
تأمين طرق المواصلات بين الهند وبريطانيا كان أولوية شركة الهند الشرقية البريطانية، وأولوية السياسة البريطانية، التي جعلت الأخيرة على علاقة طيبة بالعثمانيين، بسبب قرب أملاك الدولة في العراق، وجزيرة العرب من الهند، ومرور البواخر البريطانية بجنوب جزيرة العرب.
عام 1834 عزمت شركة الهند على إيجاد طريق قصير للمواصلات مع أوروبا، يمر إما عبر مصر أو وادي الرافدين، ويكون متمما لطريق رأس الرجاء.
العراق كانت تحت الحكم العثماني، فحصلت الشركة على امتياز من السلطان، يمنحها حق إجراء دراسات حول نهري الفرات ودجلة، وبحث صلاحيتهما للملاحة. الفرمان كان مجحفا بحق أهل العراق، وكان بمثابة تمكين لبريطانيا من استعمار العراق بشكل سلمي.
شركة الهند كلفت الضابط فرانسيس جسني بالمهمة، فقام بنقل أجزاء باخرتين من ميناء أنطاليا الأناضولية، إلى أقرب نقطة على الفرات في "بيره جك"، ثم قام بتركيبهما وأنزل الباخرتين إلى النهر.
بعثة جسني استمرت لمدة 3 أعوام، اتضح بعدها أن الفرات لم يكن الطريق الأصلح للتجارة بين الهند وإنجلترا، وتخلى جسني عن مشروعه، تاركا لأحد مساعديه ويدعى "هنري لوس لنش" إحدى الباخرتين، بعد أن غرقت الثانية.
لنش تابع مهمة مسح نهر دجلة بين عامي (1837-1839) من أرمينيا حتى خليج البصرة. عام 1840 أسس مع أفراد عائلته شركة للملاحة في نهر دجلة، وتأسيس بيت تجاري في بغداد.
 
شركة لنش 
بيت لنش التجاري امتلك باخرتين، واتسعت أعماله، وحق أرباحا طائلة، وتم تأسيس شركة جديدة عام 1861، باسم "شركة الملاحة التجارية في دجلة والفرات" استفادت من فرمان عام 1834 لبعثة جسني، على الرغم من أن الفرمان حدد مكان العمل في نهر الفرات، إلا أن لنش حاز على نفوذ في دجلة بفضل الرشاوى، وخضوع العثمانيين لبريطانيا.
قانونيا كانت الشركة تعمل بامتياز ممنوح لبعثة جسني حصرا، أي أنها عملت بموجب فرمان ممنوح لغيرها، في نهر غير النهر الذي حدده الفرمان. الشركة كانت ترفع العلم البريطاني، ولا تخضع للقوانين العثمانية، مما يعني أن أنهار العراق تحولت عمليا إلى مياه بريطانية، تُطبق فيها قوانين إنجلترا.
الفساد العثماني كان وراء هذه الشركة، فقد حصلت الشركة على كتب من الصدور العظام في أعوام 1842، و1846، و1861، بعد دفع رشاوى، ساعدت الشركة على تقوية وضعها في العراق.
منظر البواخر البريطانية تسير في مياه العراق، رافعة علما أجنبيا، كان دلالة على فقدان العراق استقلاله، وكان بمثابة طعنة في كبرياء الوطنيين العراقيين.
 
واجهة بريطانية 
كانت الشركة واجهة للأطماع الاستعمارية البريطانية في العراق، لذلك لم يجرؤ مسؤول عثماني على معارضة عملها. ولاة العراق قبلوا بالشركة، وحاول بعضهم تشكيل شركات عثمانية صرفة للملاحة. وقام الوالي نامق باشا بشراء عدة بواخر لمنافسة شركة لنش، وأسس شركة تدعى "العمانية-العثمانية" لكن شركته فشلت، نتيجة سوء الإدارة.
شركة لنش قطعت الطريق على أية محاولة قد يقوم بها الوطنيون العراقيون، وقامت باستصدار بلاغ من الباب العالي، يسمح لها بمزاولة أعمالها الواسعة. وصدر البلاغ من إسطنبول على الرغم من احتجاج الوالي نامق باشا، الذي أدرك خطورة الشركة على أمن العراق، وما تخفيه من أطماع استعمارية.
بعد ولاية مدحت باشا، قام بزيادة عدد البواخر النهرية، ووضعها تحت إشراف الإدارة النهرية. ثم أنشأ السلطان عبد الحميد الثاني دائرة سماها "الأملاك السنية"، تولت تكوين ثروة ضخمة للسلطان، يستغلها في تعزيز نفوذه داخل الجيش، وقام  الدائرة بشراء الإدارة النهرية، بأوامر السلطان، وتمت تسميتها "الإدارة الحميدية".
تدخل عبد الحميد كان بمثابة حرمان العراقيين من العمل في مجال الملاحة، فقد كانت الدائرة تسخر موارد العرب لإثراء السلطان وحاشيته. وفي 1907 ظهرت فكرة بضم المراكب العثمانية إلى المراكب البريطانية، وكان وراءها رجال السلطان، الذين كان شاغلهم الأول زيادة دخل الشركة، على حساب أمن العراق.
 
خيانة تركية
الانقلاب الدستوري عام 1908 عطل المفاوضات. حكومة الاتحاديين استولت على السلطة، وكان على رأسها حسين حلمي باشا، والتي كانت ترغب في خطب ود الإنجليز، حيث كانت سياسة الاتحاديين هي توصيل رسالة للعالم بالانفتاح، والحفاظ على المصالح الأجنبية.
الحكومة اقترحت على شركة "لنش" أن تتحول إلى شركة عثمانية، وأن ترفع العلم العثماني بدلا من العلم الإنجليزي. الحكومة وافقت على التنازل عن بواخرها الأربع إلى الشركة، وعلى أن يكون الامتياز احتكارا، بحيث لا يعطي امتيازا آخر لشركة أخرى، طول مدة الامتياز البالغة 75 عاما.
الامتياز منح الحكومة حق إلغائه بعد 37 إذا دفعت تعويضات قبلتها الشركة، أو إلغائه بعد 50 عاما دون تعويضات. أسهم الشركة تقرر توزيعها مناصفة بين الحكومة العثمانية والإنجليز. ومجلس الإدارة يتكون مناصفة من الطرفين. 
 
مقاومة عربية
مشروع الاتفاق خلق أزمة دستورية، بجانب أزمة قومية عربية. الأزمة الدستورية تمثلت في عدم عرض الاتفاق على مجلس المبعوثان المنتخب حديثا، وهو ما كشف عن نية حكومة الاتحاديين الالتفاف على الدستور.
الحكومة كانت تستند في موقفها إلى المادة 110 من الدستور، التي تجيزها إبرام اتفاقيات دون الرجوع للبرلمان، طالما لا تحمل التزامات مالية. ظاهريا لم يكن الامتياز يكلف الحكومة أموالا، لكنه كان يحمل التزاما بإعفاء جمركي للشركة، في استيراد لوازم السفن البخارية، وهو ما يعني ضمانة مالية.
عربيا خلق الاتفاق معارضة واسعة، على مستوى النواب العرب في المبعوثان، أو مستوى الأوساط العراقية. النفوذ البريطاني كان يتنامى بسرعة هائلة في العراق، في خطة واضحة وهي السيطرة على الاقتصاد العراقي، تمهيدا للاحتلال العسكري.
كان العراقيون يرون ترك شركة لنش على ما هي عليه، مع إباحة تسيير البواخر لمن أراد أن يؤسس شركات وطنية، لكن الحكومة كانت تتملق الإنجليز، وتخشاهم.
نائبا المبعوثان عن الديوانية وبغداد شوكت باشا، وإسماعيل حقي بابان بك، رفعوا تقريرين إلى المجلس يستوضحون الوزارة عن سبب إعطائها امتيازا يضر بالبلاد، وأراضي ما بين النهرين، دون مناقشة المشروع في مجلس نواب الدولة.
النقاش حول القضية تسبب في أزمة بين المبعوثان والحكومة. كانت كتلة النواب العرب تقود المجلس في النقاش، وقد ضمت 40 نائبا، على رأسهم شفيق بك المؤيد، وأحمد باشا الزهير، وشوكت باشا، وطالب النقيب.
كتلة حزب الاتحاد والترقي في المجلس حاولت الالتفاف على المطلب العربي، وشهد المبعوثان مشادات حامية الوطيس بين النواب العرب وأغلب النواب في جانب، والحكومة وبعض النواب الاتحاديين في الجانب الآخر.
 
إرهاب الاتحاديين
النقاش تأجل إلى جلسة 14 / 12 / 1909 وكان يوما مشهودا، فقد أحاط 5000 شخص من الأتراك بالمجلس، في وضع بدا غامضا. النواب العرب طالبوا بأن تكون الملاحة في العراق حرة للجميع، وخطب السيد طالب النقيب، نائب البصرة، والزعيم الإصلاحي قائلا:
"إذا تمسكت الحكومة برأيها ومنحت هذا الامتياز فسيكون ذلك فاتحة المصائب الكبرى".
تم عرض القرار للتصويت، وفازت الحكومة الاتحادية بدعم نوابها، وتم إقرار الامتياز. اللعبة الاتحادية كشفت عن تناقض كبير داخل الحزب، وعدم استقلال رأي النواب، فقد اعترف رئيس الكتلة الاتحادية سابقا خليل بك بوجود ضمانة مالية، وهي الإعفاء الجمركي، ورغم ذلك صوت إيجابيا مع حق الحكومة في عدم عرض الامتياز على المجلس.
كان السر في تغير مواقف النواب يرجع إلى التهديد الذي مارسته حكومة الاتحاديين. لم تأت الجماهير التي أحاطت بالمجلس من تلقاء نفسها لأجل قضية لا تهم المواطن العادي، ولا تتصل بالشعب التركي، بحياته المباشرة أو عواطفه القومية، ولولا أن يحشد الاتحاديون هذه الجماهير، لما جاء أحد إلى المجلس.
الحشد كان ترهيبا للنواب بعدم التصويت على سحب الثقة من الحكومة. كان سقوط المشروع بمثابة سقوط الحكومة، لذلك جرى تهديد النواب للامتناع عن التصويت ضد الحكومة. كان الاتحاديون يسيطرون على الجيش، والمحكمة العرفية.
 
غضب عربي
النواب العرب اتهموا حكومة الاتحاديين بالتفريط في حقوق الأمة العربية، وكانت تلك الحادثة بمثابة إحدى العلامات الكبرى على القطيعة بين العرب والأتراك. حيث استقال 6 نواب عرب في حزب الاتحاد والترقي احتجاجا على الواقعة. وتوالت الانسحابات العربية من حزب الاتحاديين، واستاء سكان البلاد العربية، خصوصا العراقيين.
في البصرة وبغداد خرج العراقيون في مظاهرات حاشدة، ووصل الأمر إلى حد ظهور بوادر ثورة، وانهالت البرقيات على الباب العالي بالاحتجاج، مطالبين بأن تكون شركة الملاحة وطنية بحتة. 
إزاء الضغط العربي لجأ الاتحاديون إلى إقالة حكومة حلمي باشا، في محاولة لإيهام العراقيين أنه المسؤول عن امتياز شركة لنش.
هكذا رسخ الاتحاديون حقوق شركة لنش الإنجليزية في وادي الرافدين، بعد أن كانت هذه الحقوق تقليدية غير مرتكزة على دعامة قانونية، غير مبالين بمصلحة العرب، وغير آبهين بآرائهم، ورغباتهم فيما يتعلق ببلادهم.
الامتياز ساهم في ترسيخ أقدام بريطانيا في العراق، وتوطيد مصالحهم. عام 1914 تحقق تخوف العراقيين، فقد احتلت بريطانيا البصرة، دفاعا عن مصالحها، بعد دخول العثمانيين الحرب العالمية مع ألمانيا. 

Qatalah