يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تدخلات الرئيس التركي، رجب إردوغان، في إدارة البنك المركزي لبلاده، لا تكشف فقط استبداد الديكتاتور الذي يحاول حشر أنفه في أدق التفاصيل الخاصة بملفات ليست من مهامه، وإنما تعصف باقتصاد البلاد المترنح بالفعل. 

صحيفة "المونيتور" الأمريكية أكدت في تقرير حديث لها أن إردوغان يورط بلاده في كارثة اقتصادية جديدة بعد عزله محافظ البنك المركزي مراد شتين قايا قبل نحو أسبوع، وإجباره المحافظ الجديد على خفض أسعار الفائدة، في ظل واقع اقتصادي متهالك، تشهد فيه العملة المحلية (الليرة) تراجعا، وتصل فيه أرقام التضخم إلى نسب عالية. 

فتاوى مضللة
في مقابلة أجريت معه في مايو 2018، دعا إردوغان إلى خفض أسعار الفائدة كوسيلة للحد من التضخم، متحديا النظرية الاقتصادية التقليدية، التي تقول إن رفع أسعار الفائدة يحد من التضخم.

إردوغان قال في مقابلة مع شبكة "بلومبرج" خلال زيارة إلى لندن: "عندما ننظر إلى العلاقة بين السبب والنتيجة، فإن أسعار الفائدة هي السبب، والتضخم هو النتيجة"، مضيفًا أنه كلما انخفضت أسعار الفائدة، انخفض التضخم.

خلال المقابلة ذاتها، أثار إردوغان شبح فرض المزيد من الضغوط الحكومية على البنك المركزي بمجرد سريان النظام الرئاسي بعد انتخابات يونيو 2018، وفي حين زعم أن البنك المركزي مستقل، قال: "لا يمكن للبنك أن يتجاهل الإشارات التي يبعثها رئيس السلطة التنفيذية فور استكمال التحول للنظام الرئاسي".

هذه التصريحات والفتاوى النابعة من جهل واضح بالاقتصاد، كلفت الأتراك الكثير، إذ فقد المستثمرون الأجانب ثقتهم في اقتصاد أنقرة قبل 5 أسابيع فقط من الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في يونيو 2018. 

رغم فوز إردوغان في الانتخابات بنسبة 52% من الأصوات، وتمتعه بصلاحيات واسعة في ظل النظام الجديد، إلا أن الأجانب تجنبوا وضع الأموال في تركيا، مما تسبب في ارتفاع أسعار العملات الصعبة.

أزمة  أغسطس
وخلال شهر أغسطس الماضي وفي ظل التأثير الإضافي للاضطرابات السياسية مع الولايات المتحدة، انخفضت الليرة التركية إلى مستويات قياسية مقابل ارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية. 

ونتيجة لذلك، اضطرت حكومة إردوغان للموافقة على رفع سعر الفائدة الرئيس بنسبة 625 نقطة أساس في سبتمبر من العام نفسه لإنقاذ الليرة من الانهيار.

وفي مستهل النظام الرئاسي الجديد، واجه إردوغان معدل فائدة قياسيا قدره 24%، إلى جانب معدل تضخم المستهلك بنسبة 25% وعملة مضطربة بشدة، مما دفع الاقتصاد إلى الركود ثم إلى الانكماش، والذي استمر في عام 2019.

في الربع الأول من العام الجاري، انكمش الاقتصاد بنسبة تقرب من 3%، مع وجود مؤشرات رئيسة تشير لنسبة انكماش مماثلة في الربع الثاني من العام. 

وبينما حاول تفادي الأمور المتأزمة اقتصاديًا، تلقى إردوغان وحزبه الحاكم (العدالة والتنمية) ضربة قوية في الانتخابات البلدية التي أجريت في 31 من مارس إلى جانب هزيمة كبيرة في إعادة الانتخابات على منصب عمدة إسطنبول بنهاية يونيو الماضي. 

وبسبب الانتخابات، تجنب إردوغان اتخاذ خطوات جذرية لإصلاح الاقتصاد ما جعله يتمسك بالإجراءات الشعبوية على حساب توسيع فجوات الخزانة، إذ كان يتوقع الاقتصاديون أن انتهاء معركة الانتخابات سيفسح المجال لبعض الخطوات الجريئة، بما في ذلك عزل وزير الخزانة والمالية بيرات آلبيراق، صهر إردوغان.

إبقاء الفاشل
وبدلًا من التخلص من صهره، الذي جلب الدمار للاقتصاد التركي منذ تعيينه، أقال إردوغان محافظ البنك المركزي مراد شتين قايا، وأعلن تعيين نائبه مراد أويسال محافظا جديدا للبنك، وهي خطوة غير دستورية، إلى الوضعية الخاصة التي يتمتع بها البنك، وفق خبراء القانون والاقتصاد. 

يقول بعض الخبراء إنه يمكن إعادة شتين قايا منصبه إذا استأنف ضد قرار إردوغان أمام المحاكم، لكن لا يبدو أن أحدا يريد أن يواجه هذه الحرب مع الديكتاتور، الذي تبحج في إعلان أسباب إقالته للمحافظ، وقال إنه طالب الأخير مرارا بخفض أسعار الفائدة إلا أنه أخفق فيما كان مطلوبا منه.

شتين قايا ترك إدارة البنك ومعدل الفائدة عند نسبة 24%، وهي نسبة بعيدة كل البعد عن نسبة 7.5% عندما جاء محافظا للبنك المركزي في 2016. كما ارتفع معدل تضخم المستهلك، الذي بلغ 6.5% في عام 2016، حيث ارتفع ليصل إلى نسبة 25% في شهر أكتوبر الماضي قبل أن يتراجع إلى 15.7% في شهر يونيو.

فيما يتعلق بالعملة، فقد كان الدولار يساوي 2.83 ليرة وقت وصول شتين قايا للمنصب، في حين يتم تداوله في الوقت الحاضر مقابل 5.7 ليرة، بعد أن وصل إلى 7 ليرات في ذروة الاضطرابات في العام الماضي.

الخلاف مع شتين قايا
شتين قايا قاوم ضغوط إردوغان لخفض أسعار الفائدة على أساس معدل التضخم، ولكن لم تكن هذه هي نقطة الخلاف الوحيدة.

ففي يناير الماضي، رتبت الحكومة لتحويل أرباح البنك المركزي بشكل مبكر إلى وزارة الخزانة بدلا من انتظار التحويل العادي في أبريل، كما بدأت في إجراء تعديل قانوني يسمح لها باستخدام الاحتياطيات القانونية للبنك المركزي، وهو مبلغ يخصصه البنك بموجب القانون، لاستخدامه في الظروف الاستثنائية.

رغم أن هذه الخطوة تنطوي على خطر كبير في زيادة التضخم بشكل هائل، إلا أن إردوغان يتجاهل الاعتراضات ويصمم على تحويل الأموال إلى الخزانة، التي تبدو معدلات العجز الخاصة بها مقلقة على نحو متزايد لا سيما إلى دائنيها.

إردوغان مال بمرور الوقت إلى تعيين محافظ بنك مركزي يستجيب لتعليماته بسهولة فيما يخص أسعار الفائدة ونقل أرباح البنك المركزي إلى خزانة الدولة. ومع ذلك، فإن المستثمرين المحليين والأجانب يشعرون بالفعل بالقلق إزاء هذه التغييرات.

بعد إقالة شتين قايا، انخفضت علاوة المخاطرة إلى 370 نقطة أساس، في أعقاب اجتماع إردوغان في 29 من يونيو الماضي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد أن كان قد وصل إلى 390 نقطة أساس، الأمر الذي أدى بأنقرة للاعتقاد بأنها ستتفادى العقوبات الأمريكية بسبب شرائها أنظمة الدفاع الجوي الروسية (S-400).

غير أن إقالة شتين قايا ساهمت في تراجع الليرة وارتفاع الدولار أمامها، كما تبدو الإدارة الأمريكية في طريقها لتوقيع عقوبات على نظام إردوغان والشركات التركية بعد إتمام الصفقة الروسية التي وصلت أجزاء منها إلى أنقرة بداية من الجمعة الماضي. 

اجتماع حاسم
ومن المقرر عقد الاجتماع المقبل لمجلس السياسة النقدية للبنك المركزي التركي في 22 يوليو الجاري، وسط تساؤلات عن إمكانية خفض البنك أسعار الفائدة وعن نسبة هذا الخفض. 

العديد من الخبراء يتفقون أن اقتصاد تركيا لا يمكنه تحمل خفض أسعار الفائدة دون انخفاض ملموس في التضخم، كما لا تزال الارتفاعات في أسعار الخدمات والسلع العامة مستمرة منذ بداية يوليو الجاري، بعد أن تأجلت بسبب الانتخابات البلدية.

وخلال الشهر الماضي، انتهت صلاحية التخفيضات على ضريبة الاستهلاك الخاصة والسيارات والأجهزة البيضاء والكحول والتبغ والوقود، ما يعني تغيرا في أسعار جميع تلك السلع. كما لا توجد عوامل خارجية مؤثرة تشجع على خفض أسعار الفائدة في الوقت الحالي.

تخفيض سعر الفائدة بناء على طلب إردوغان سيؤدي حتما إلى دفع أصحاب حسابات الادخار إلى العملات الصعبة (الدولار واليورو) كما أن عوامل أخرى مثل أزمة منظومة (S-400) الروسية قد تؤدي إلى انتقال المزيد من تلك الحسابات إلى خارج البلاد، حسب "المونيتور".

الإصرار على تخفيض أسعار الفائدة في تركيا، إلى جانب العديد من المتغيرات الاقتصادية والسياسية في الداخل والخارج، قد يتسبب في تكرار اضطرابات أغسطس، وزيادة حدة الأزمة الاقتصادية القائمة في البلاد.

Qatalah