يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من أجل تحقيق مخططاته الخبيثة للسيطرة على الساحة السياسية في تركيا، لا يكف الرئيس التركي، رجب إردوغان، عن افتعال الأزمات، فهو حريص على إخفاء عنصريته وتطرفه تجاه كل من يختلف معه سياسيًا أو عرقيًا أو دينيًا.

عداء رجب للأقليات في تركيا يظهر جليًا في اضطهاد وقمع الأكراد الذين يبلغ تعدادهم نحو 20% من سكان تركيا، على الرغم من أنهم يمثلون الأغلبية في مدن بأكملها في المناطق الواقعة في جنوب شرق تركيا، سواء كانت على الحدود سورية أو العراق أو حتى إيران في أقصى الجنوب الشرقي.

اضطهاد الأقليات بدأ يظهر أيضًا في هجوم إردوغان المستمر في الفترة الأخيرة على اللاجئين السوريين، بعد خسارته لانتخابات المحليات، خاصة في إسطنبول التي كان يسيطر عليها منذ حوالي 25 عامًا، وانعكس هذا الاضطهاد على الشارع التركي بصورة متطرفة، حيث بات الأتراك يطاردون أي أثر لأي مواطن سوري في شوارع إسطنبول.

بعد الأكراد والسوريين، عاد إردوغان للبحث عن أقلية جديدة لتكون مرمى سهامه، وكان الدور على أقلية يونانية تنحدر أصولها إلى مملكة "بنطس"، التي كانت مطلة على الشاطئ الجنوبي للبحر الأسود في شمال شرق تركيا، منذ العصر الهلنستي، لتبدأ المخاوف تتصاعد حول حقوق ومستقبل الأقلية المسيحية في تركيا.

التخويف باليونان
حكومة حزب العدالة والتنمية هذا العام بدأت تشن حملة شعواء لإشعال المشاعر القومية لدى المواطنين الأتراك لمعاداة اليونانيين بشكل عام، مستغلة المشكلات القديمة والأزمات التاريخية العالقة بين البلدين، مثل الخلاف على الجزر الواقعة في بحر إيجة غرب تركيا، والتي تفرض تركيا سيطرتها عليها بشكل إجباري، بالرغم من أن المعارضة التركية تتحدث عن أن حكومة حزب العدالة والتنمية منحت اليونان هذه الجزر في السنوات الأولى لتوليها إدارة البلاد.

أزمة جزيرة قبرص أيضًا ضمن الأزمات المشتعلة بين البلدين، إذ تسيطر تركيا على الشطر الشمالي من الجزيرة، بينما تقوم اليونان بإدارة الشطر الجنوبي منها، وعادت الأزمة مرة أخرى للأفق بعد إصرار تركيا على التنقيب عن الغاز الطبيعي في المياه الإقليمية للجزيرة، بالرغم من تحذيرات وغضب اليونان.

المخاوف أثيرت حول احتمال استهداف الحكومة للأقلية "البنطية" الصامتة في شمال تركيا، مع اندلاع المنافسة الشرسة على منصب رئاسة بلدية إسطنبول في الانتخابات المحلية في 31 مارس و23 يونيو 2019، بين مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم ومرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو الذي تعود أصوله إلى مدينة طرابزون، حيث أقيمت إمبراطورية طرابزون التي مثلت ذروة قوة مملكة بنطس.

البنطيون مجموعة يونانية عرقية قطنت الساحل الشمالي الشرقي لتركيا المطل على البحر الأسود، شكلوا مملكة عرفت باسم مملكة "بنطس"، كانت شاهدة على عدة أحقاب من بينها الحقبة الهلنستية والرومانية والبيزنطية التي وصلت إلى ذروتها في عهد إمبراطورية طرابزون البيزنطية، واستمرت حتى القرن الثالث عشر الميلادي. وكان لهم نصيب من المجازر العثمانية التي راح ضحيتها الأرمن. وانتقل معظمهم إلى اليونان أثناء التبادل السكاني بين البلدين في عشرينيات القرن الماضي. يعتنق غالبية اليونان البنطيون في اليونان وتركيا المسيحية الأرثوذكسية ويتبعون بطريركية القسطنطينية في إسطنبول.

إمام أوغلو.. متهمًا
إردوغان وأعضاء حزب العدالة والتنمية شنوا هجومًا شرسًا على أكرم إمام أوغلو واتهموه بأنه مدعوم من اليونانيين. حملة التشويه سلطت الضوء على خبر نشرته جريدة "إثنوس" اليونانية وصفت فيه إمام أوغلو بأنه "البنطي الذي انتزع إسطنبول من قبضة إردوغان".

إردوغان كان يعلم مدى شراسة المنافسة، ولم يكتف بهذا القدر من التوشيه، وقال خلال تجمع حاشد في يوليو بعد إعادة الانتخابات على منصب رئيس بلدية إسطنبول: إن اليونانيين هم الأكثر سعادة بنتائج الانتخابات. هل تتذكرون الصفحات الأولى للصحف اليونانية التي قالت "إن يونانيًا غزا المدينة (في إشارة إلى إسطنبول)؟".

موقع شبكة نورديك مونيتور، سلط الضوء على استهداف الأقلية البنطية، من خلال نشر وثائق توضح أن الحكومة التركية تزعم أن اليونان تدير عمليات سرية لدعم الأقلية "البنطية" وإحياء مملكة "بنطس" في شمال شرق تركيا، وتتخذ هذه الادعاءات ذريعة لإشعال المشاعر القومية المعادية لليونان، مما ظهر أثره جليًا في واقعة مقتل قس إيطالي مسيحي عن عمر ناهز 61 عامًا في منطقة البحر الأسود شمال شرق تركيا. 

الوثائق الاستخباراتية كشفت أن السلطات التركية قد تنصتت على القس الإيطالي للاشتباه في مشاركته في أنشطة تسعى إلى إحياء مملكة "بنطس"، قبل أن يلقى حتفه على يد مراهق تركي صاحب نزعة قومية متطرفة في 5 فبراير 2006.

الموقع سلطت الضوء على أن الوثيقة كشفت أن شرطة طرابزون تقدمت بطلب إلى محكمة في أرضروم، في 8 نوفمبر 2006، للحصول على تصريح لمراقبة المحادثات الهاتفية التي يجريها القس الإيطالي أندريا سانتورو، قبل ثلاثة أشهر من مقتله. الأجهزة الأمنية أوضحت في حيثيات حكمها أن هناك مخاوف من أن يكون مشاركًا في "أنشطة انفصالية لإحياء مملكة بنطس".

التنصت على القساوسة
الدائرة الثانية من المحكمة الجنائية العليا في مدينة أرضروم أصدرت قرارًا بالسماح لجهاز الأمن في طرابزون بالتنصت على القس سانتورو في اليوم نفسه، ويخضع لمراقبة مشددة من قبل الأجهزة المختلفة للأمن، وبالرغم من ذلك قُتل على يد مراهق متطرف يبلغ من العمر 16 عامًا يدعى أوزهان أكدين. 

القضاء التركي المسيس كعادته في ظل حكومات حزب العدالة والتنمية، أطلق سراح القاتل في 2016 بعد أن قضى نصف مدة العقوبة فقط، بناء على عفو من حكومة إردوغان، ضمن قائمة شملت ما يقرب من 50 ألفا من المجرمين المدانين، حتتى تتمكن من تفريغ السجون للسجناء السياسيين.

السلطات التركية استهدفت قسًا آخر كان في مدينة طرابزون أيضًا. القس كان مبشرًا ألمانيًا، يدعى تيلمان غيسك في سن 41 عامًا، قتل بطريقة وحشية عام 2007، أي بعد عام واحد من مقتل القس الإيطالي. وكان معه القس البروتستانتي السويدي كارل ماغنوس ستيفان بيرسون.

المثير للجدل أن شرطة طرابزون كانت تتنصت على هاتف بيرسون أيضًا، بحجة أنه مشتبه في مشاركته في أنشطة لإحياء مملكة بنطس اليونانية في طرابزون، وأوضحت أنه كان متواطئًا مع سانتورو.

الاعتداء على القساوسة الأجانب القادمين إلى مدينة طرابزون في شمال تركيا، بهذا الشكل، خاصة بعد أيام من وضعه قيد المراقبة من قبل أجهزة الأمن التركية، سلط الضوء على واقعة مقتل الصحافي التركي ذي الأصول الأرمنية، هرانت دينك، الذي لقي مصرعه خارج مكتبه في يناير 2007 بعد أن أطلق مراهق متطرف النار عليه، الذي أيضًا كان من طرابزون.

مؤامرة حكومية
المشهد قيد يكون مرتبكًا إلا أن العامل المشترك في الوقائع كلها أن القاتل هو شاب مراهق تركي من التيار القومي، وأن مكان الواقعة مدينة طرابزون في شمال تركيا، وأن قتل القساوسة الثلاثة والصحافي الأرمني كان خلال عامي 2006 و2007، فضلًا عن أن وقائع القتل جاءت بعد أيام من مراقبة الضحايا من أجهزة الأمن.
 
الوثيقة فضحت أيضًا جانبًا مظلمًا في واقعة مقتل سانتورو وربطته بعمليات القتل في مدينة ملاطيا. في اليوم نفسه الذي طلبت فيه الشرطة إذنًا من المحكمة لمراقبة المحادثات الهاتفية للقس سانتورو، طلبت أيضًا الحصول على أمر بالتنصت على ياسين خيّال، المحرض على اغتيال الصحافي دينك، ورجل آخر يدعى حسن دافاجي، بزعم أنهما ينتميان للتيار السلفي وأجريا اتصالات بشخصيات متطرفة.

المثير في الأمر أيضًا أن مراقبة المكالمات الهاتفية بدأ في 8 نوفمبر 2005، ولمدة ثلاثة أشهر، على أن تنتهي أعمال المراقبة في 8 فبراير 2006، أي بعد ثلاثة أيام من مقتل سانتورو. 

مجلس الأمن القومي التركي أصدر قرارًا في الفترة نفسها بتتبع ومراقبة جميع الأنشطة التبشيرية المسيحية، إلا أن دور وأصابع جهاز الاستخبارات التركي لم يظهر في عمليات القتل المذكورة في الوثائق. في قضية مقتل الصحافي الأرمني دينك، تم كشف هوية ضباط في الاستخبارات قاموا بتهديده، إلا أن التحقيقات لم تشمل دور جهاز الاستخبارات بتعليمات من حكومة إردوغان المسيطرة على الجهاز القضائي.

Qatalah