يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


رغم انتهاء الإضراب عن الطعام الذي اشترك به 3 آلاف معتقل كردي احتجاجًا على ظروف الاحتجاز غير الآدمية لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، في 26 مايو الماضي، إلا أن الحواجز التي كثرت في الشوارع المحيطة بسجني مالتيبي وباركيركوي في إسطنبول مازالت قائمة إلى جانب تطاير روائح الغاز المسيل للدموع.

 ففي الأشهر القليلة الماضية، تحولت تجمعات أمهات المعتقلين السلمية والمتعاطفين معهن إلى اشتباكات عنيفة مع الشرطة، في مثال واضح على القمع المتزايد ضد أي تجمعات تنظمها جمعيات ونشطاء داخل تركيا، حسبما رصد موقع "إيكوال تايمز".

في تقرير موسع نشر مؤخرًا، رصد الموقع جملة من القيود المتزايدة التي يفرضها نظام الرئيس التركي، رجب إردوغان، على حرية التجمعات وتشكيل النقابات والجمعيات الأهلية، والتي تزامنت مع حملة أمنية شرسة أعقبت محاولة الانقلاب المزعوم صيف 2016.

حظر التظاهر
مع وجوههم التي تغطيها الأوشحة البيضاء، يقضي المحتجون ساعات في صمت على أبواب سجني مالتيبي ووباركيركوي في إسطنبول، ومن ضمنهم المحامي سنان زينجر، الذي أكد أن ما يتعرضون له يعد انتهاكا لحق تنظيم الاجتماعات والتظاهرات السلمية غير المسلحة، وهو الحق المنصوص عليه في دستور الجمهورية التركية.

المحتجون تقدموا بطلب للحصول على إذن بالتظاهر، لكن حاكم مدينة كوجالي، الواقعة على بعد 100 كيلومتر شرق إسطنبول، حظر جميع التجمعات أمام سجن مالتيبي وباكيركوي. 

في حديثه لـ"إيكوال تايمز"، قال زينجر: عرضنا التجمع في مكان عام مختلف في الحي، لكن قائد الشرطة أخبرنا بوضوح تام بصدور أوامر بإيقافنا ومهاجمتنا، بغض النظر عن المكان الذي نجتمع فيه.

على مدار أكثر من عقدين من الزمن، شهدت ساحة غلاطة سراي الشهيرة، الواقعة بقلب إسطنبول تجمعًا أسبوعيًا كل يوم سبت باسم "أمهات السبت"، والذي طالب لسنوات بإلقاء الضوء على اختفاء آلاف المعتقلين والمحتجزين في الثمانينيات والتسعينيات.

الأمهات بدأن في تنظيم حركتهن في عام 1995 ليخرجن في احتجاجات دورية أسبوعية كل يوم سبت، في ساحة "غلاطة سراي" وهن يحملن القرنفل الأحمر وصورا شخصية لأطفالهن بشكل سلمي، لكن في أغسطس الماضي، تعرضن لهجوم عنيف من جانب الشرطة.

سلطات العدالة والتنمية بررت الاعتداء السافر، بأن دعوة الاعتصام كانت منشورة على صفحة تابعة لحزب العمال الكردستاني المحظور على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنذ ذلك الحين، لم يُصرح بالوقفات الاحتجاجية يوم السبت، لكن المجموعة تواصل التجمع في شارع صغير لا يبعد عن ساحة غلطة سراي ولا تزال تحت مراقبة العشرات من رجال الشرطة.

من وسط تلك التجمعات انطلق صوت أمينة أوجاك لتمثل صوت النساء اللاتي أصبحن دون قصد رمزا للقمع، فعلى مدار 24 عاما شاركت السيدة في اعتصامات ساحة غلطة سراي، للمطالبة بتحقيق العدالة لابنها.
أمينة علمت أن ابنها حسن، الذي اختفى بعد القبض عليه عام 1995، قد توفي وهي تريد اليوم تحديد هوية المسؤولين وتقديمهم للعدالة.

مسرحية الانقلاب
بحسب "إيكوال تايمز"، فإن هذه الأحداث، تقع على خلفية حملة أمنية شرسة يقودها نظام إردوغان منذ مسرحية الانقلاب صيف 2016 لحظر التجمعات والتظاهرات وتضييق الخناق على حرية الرأي والتعبير.

المحامية التركية ورئيسة مكتب جمعية حقوق الإنسان التركية في إسطنبول جولسرين يوليري، قالت إن سلطات العدالة والتنمية استغلت محاولة الانقلاب المزعوم وحظرت التظاهرات، كما مارست انتهاكات خطيرة بشأن حرية التعبير، فضلًا عن سجنها آلاف الأشخاص لمجرد نشرهم رسائل انتقاد للنظام على مواقع التواصل الاجتماعي.

يوليري أشارت إلى وجود أكثر من 260 ألف شخص قيد الاعتقال في تركيا اليوم، 100 ألف منهم جرى اعتقالهم بعد مسرحية الانقلاب.

مؤخرًا، تزايدت مشاهد قمع الشرطة لفعاليات على شاكلة يوم المرأة العالمي، ومسيرة المثليين في إسطنبول، أو احتجاجات الشباب التي نظمتها مجموعة من الناشطين المسلمين المناهضة للرأسمالية خلال شهر رمضان.

المحامي سنان زينجر يعود للتأكيد على أنه بإمكان مشجعي كرة القدم التجمع، ويمكن للمنظمات الدينية عقد مؤتمرات صحافية خارج المحاكم، ولكن عندما يتعلق الأمر بالأكراد أو الاشتراكيين أو النساء أو أمهات الأسرى أو أي شخص من المعارضة، فإن الدولة ترسل الشرطة وتعتقل المواطنين، بحجة أن تظاهراتهم واحتجاجاتهم تدخل في إطار جرائم الأمن القومي والنظام العام.

تقنين الانتهاكات
المنظمات غير الحكومية والمنظمات السياسية ليست هي الوحيدة التي تجد صعوبة في الاستماع لمطالبها وممارسة حقوقها الديمقراطية. فرغم تصديق تركيا على معاهدات دولية من ضمنها اتفاقيات منظمة العمل الدولية بشأن حرية تكوين الجمعيات وحماية الحق في التنظيم، لكن سلطات إردوغان تتذرع بالمصلحة العامة وغيرها من الأمور للتصدي لجميع أشكال التنظيم الجماعي أو الإضرابات، حسبما يوضح الباحث إيشيل إردينج أستاذ العلوم السياسية ومؤلف كتاب "النقابات والسياسة في تركيا: القوة الاجتماعية وراء سلطة حزب العدالة والتنمية".

في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، كانت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فضلاً عن اللوائح القانونية تتشكل بتوصيات ومطالب الاتحاد الأوروبي التي تندرج في إطار الحصول على عضوية التكتل. 

في عام 2004، شرعت تركيا في عملية إصلاح قانون العمل، ودخلت الإصلاحات في النهاية حيز التنفيذ في عام 2012، لكن إردينج يعتقد أن تلك التغييرات غير كافية بل إنها تعد تجسيدا لتقييد حقوق النقابات.

لهذا السبب، ستخضع تركيا لدراسة تقييمية تجريها منظمة العمل الدولية لتوضيح فشلها في احترام المعايير الدولية في هذا المجال، وستنشر التوصيات عقب المؤتمر السنوي للمنظمة في جنيف الأسبوع المقبل.

القانون الحالي ينص على قانونية الإضراب فقط إذا كان يتعلق بنزاع داخل مؤسسة ما، أما الإضرابات التضامنية والسياسية تعتبر غير قانونية على الفور.

المصالح العليا
على رأس الأمور التي تتذرع بها سلطات العدالة والتنمية لمنع تقنين الإضرابات العمالية تقع "المصالح العليا"، ففي عام 2014 شرع عمال في مصنع لتصنيع الزجاج للمطالبة بتحسين الأجور، وتم تعليق ذلك الإضراب من جانب السلطات لما يسببه من ضرر على الصحة العامة، نظرا لتصنيع عبوات تعبئة الدواء من الزجاج الذي ينتجه المصنع.

وفي سبتمبر الماضي، ألقي القبض على 600 عامل في موقع بناء المطار الثالث في إسطنبول، وفقًا لتقرير صادر عن الاتحاد الدولي لنقابات العمال لإطلاقهم إضرابا واسعا احتجاجًا على ظروف عملهم وصحتهم وسلامتهم.

بحسب أرقام رسمية، فقد توفي 52 عاملاً في الموقع، ما أدى لقيام حوالي 10 آلاف عامل بإغلاق الطرق المؤدية إلى الموقع وحرق الإطارات ووضع الكتل الخرسانية حول الموقع.

المدير العام لاتحاد النقابات العمالية في تركيا أرزو جيركيز أوغلو، قالت لـ"إيكوال تايمز":" ما حدث في موقع بناء المطار يلخص ما يحدث في تركيا في العام الحالي، ليس فقط وضع العمال، ولكن أيضًا منذ بداية المشروع واختيار الموقع الذي كان سابقا غابة، واختيار شركات المقاولات المقربة من الحكومة وردود الفعل على طلبات العمال الأساسية مثل الحصول على ما يكفي من الغذاء".

بحسب أوغلو، كانت الرسالة التي توجهها السلطات للطبقة العاملة بأكملها: "إذا قاومت، فسوف تواجه الرد نفسه. وحتى رئيس نقابتنا أوزجور كارابولوت تعرض للاعتقال من جانب السلطات".

خنق النقابات
الباحث إيشيل إردينج يعود ليؤكد أن التمييز النقابي بات منتشرًا في العديد من الشركات داخل تركيا، حيث يتم فصل العمال بعد انضمامهم إلى أية نقابة، كما يتعرض بعضهم للتهديد من قبل أرباب عملهم ويُجبرون على ترك نقابتهم أو اختيار نقابة أخرى موالية للحكومة، إذا كانوا يريدون أن يكونوا مشمولين باتفاق جماعي، رغم عدم قانونية تلك الإجراءات.

المادة 25 من القانون رقم 6356 بشأن النقابات العمالية واتفاقات المفاوضة الجماعية، والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 2012، تنص على أن "توظيف العمال لا يمكن أن يكون مشروطًا بالعضوية في نقابة أو مغادرة نقابة، ولا يمكن لرب العمل التمييز بين العمال النقابيين وغير النقابيين فيما يتعلق بظروف العمل والفصل من العمل".

وتكشف حالة العمال في شركة فلورمار التركية التابعة لشركة مستحضرات التجميل إيف روشيه الفرنسية، عن التمييز النقابي الفج في تركيا.

في عام 2018، شارك 132 عاملًا في مظاهرات يومية عند مدخل مصنعهم لأكثر من 300 يوم لتحسين أوضاعهم، لكنهم فوجئوا بفصلهم ظلما، بسبب انتمائهم إلى نقابة عمالية، وربطت عودتهم للعمل بترك النقابة.

بحسب الموقع، فإن الهدف من كل ذلك هو إنهاء وجود النقابات العمالية، لافتًا إلى تأثر العديد من النقابات بفقدان أعضائها، حيث خسرت نقابة المعلمين "إيجيتيم سين" مثلًا أكثر من ثلث أعضائها منذ محاولة الانقلاب المزعوم صيف عام 2016.

تطهير دولاب الدولة
رئيس فرع نقابة المعلمين بكاديكوي في إسطنبول يلماز يلانجي قال: "كان لدينا أكثر من 100 ألف عضو في النقابة، ولكن الآن لدينا فقط حوالي 70 ألفا".

وألمح إلى وجود عمليات تطهير داخل القطاع العام في جميع أنحاء البلاد منذ عام 2016، تمخضت عن إما طرد أو إيقاف 150 ألف شخص عن العمل سواء من المدنيين أو العسكريين، بعد اتهامهم بالتخطيط أو المشاركة في "هجمات على الأمن القومي".

بحسب "إيكوال تايمز"، باتت الأنشطة النقابية الآن مشبوهة من قبل سلطات العدالة والتنمية، ويمكن أن تؤدي إلى اعتقالات ، مثل الاعتقال الأخير لعضو في اللجنة التنفيذية لاتحاد نقابات عمال القطاع العام (كيسك)، أو حتى الإدانات، كما في حالة العمال في مصنع رينو بمدينة بورصة، الذين شاركوا في احتجاج دون تصريح.

يلانجي يتحدث باستفاضة عن التحقيقات الداخلية والاستدعاءات للمثول أمام اللجنة التأديبية التابعة لوزارة التعليم، ومع ذلك، يحاول أعضاء النقابة قدر الإمكان مواصلة أنشطتهم، إلا أن حكومة إردوغان تواجه مطالبهم العادلة بعنف وقوة وتصعد من لهجتها ضدهم، وتهاجمهم الشرطة خلال مسيراتهم كما يتم احتجاز قادتهم.

نتيجة لذلك، كما يضيف يلانجي، يترك الأعضاء نقابتهم خشية الانتقام الاجتماعي والسياسي، لقد تحول المجتمع إلى الصمت.

ذلك الأمر لا ينطبق على يلانجي حيث التقاه "إيكوال تايمز" في مايو الماضي أثناء استعداده لركوب القطار متوجهًا إلى أنقرة حيث كان ينظم معلمو النقابات مسيرات أمام وزارة التعليم، مع علمه أن الشرطة ستهاجمهم حتمًا.

Qatalah