يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"أنقرة تتابع التطورات في الجزائر عن كثب، وتشعر بالأسف إزاء حالة عدم الاستقرار"، تصريح لرجب إردوغان قاله نهاية أبريل الماضي، كشف لأي مدى جاءت الثورة في البلد العربي الأكبر من حيث المساحة، لتطيح بكل مخططات لص أنقرة، في السطو على ممتلكاته.

يبدو أن رياح "الربيع العربي" تأخرت في هبوبها على الجزائر، فجاءت بما لا تشتهي سفن إردوغان، فالحراك الذي نشب في الشارع الجزائري منذ 22 فبراير الماضي، ضرب كل مخططات عملاء ديكتاتور أنقرة، من تنظيم الإخوان هناك المسمى "حركة مجتمع السلم"، في الاستمرار بدعم نظام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، لثلاث عهدات متتالية من خلال ما عُرف بالتحالف الرئاسي الذي كانت تشارك فيه (2004 - 2012).

ثورة الشعب الجزائري أفاقت الإخوان على حقيقة روعتهم، فالمجتمع الجزائري الذي احتالوا عليه بشعاراتهم عام 1990، لم يعد ينطلِ عليه مكرهم في 2019.

اليوم عملاء إردوغان من الأحزاب الإخوانية في الجزائر في موقف لا يحسدون عليه، فمن جهة تقف لهم القوات المسلحة الجزائرية بالمرصاد لأية محاولة للانقضاض على الحكم، ومن جهة أخرى يواجهون رفضًا شعبيًا متصاعدًا، وصل إلى حد طردهم بالقوة من المظاهرات والاحتجاجات التي تشهدها البلاد أسبوعيا، منذ أربعة أشهر تقريبا، والتي كتبت الفصل الأخير لحكم بوتفليقة، بعيد انتهاء ولايته الرابعة.

وحتى الآن فشلت جميع الأحزاب الإسلامية ذات التوجه الإخواني والميول العثمانلية، في توحيد صفوفها، ولم شعثها، والاستعداد للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة  في 4 يوليو المقبل، حسب الجدول الزمني الذي كان الرئيس الجزائري المؤقت، عبد القادر بن صالح، أعلن عنه، ويعزي ذلك للخلافات الشخصية، على زعامة جميع الأحزاب والحركات الإخوانية للاستفراد بالسلطة.

مبادرات فاشلة
عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم، الإخوانية الذي لا ينكر علاقته وتبعيته لحزب "العدالة والتنمية" في أنقرة، ويعد أبرز عملاء إردوغان في الجزائر،كان قد رفض خطة الطريق التي قدمها الجيش الجزائري، والانتخابات المبكرة التي أعلن عنها الرئيس الجزائري المؤقت، بسبب فشله في حشد جميع إخوان الجزائر في كتلة تصويتية واحدة تدين له بالولاء في حال دخوله معترك الانتخابات الرئاسية.

مقري طرح مبادرة من أجل تمديد الفترة الرئاسية لـ بوتفليقة، بواقع عام واحد، حتى يتسنى له لملمة الصف الإخواني الذي بلبلته أطماع السلطة، أو حتى يستطيع فرض سيطرته على جميع منافسيه من رؤساء الأحزاب والحركات الإخوانية الأخرى. وقد قوبلت مبادرة مقري بفشل ذريع، فالشارع الجزائري الذي مازال ملتهبًا والذي ينظم مسيرات ومظاهرات أسبوعية منذ 22 فبراير حتى أسقط الرئيس الجزائري السابق، لم يكن مستعدا لقبول فكرة عودة بوتفليقة مرة أخرى للحكم.

انتهازية سياسية
فشل مبادرة عبد الرزاق مقري في إقناع الشارع الجزائري، دفعت منافسه وغريمه الإخواني، عبد الله جاب الله، رئيس حزب "جبهة العدالة والتنمية" إلى طرح مبادرة أخرى، ولكن هذه المرة توجه إلى السلطة، في تصرف يعكس المبادئ الميكيافيلية التي يؤمن بها الإخوان في كل بقاع الأرض، فلأن الغايات تبرر الوسائل، تقدم جاب الله بمبادرة تشمل بعض الشخصيات المرموقة والأحزاب الإسلامية الإخوانية لحل الأزمة السياسية من خلال مساومة مع السلطة الجزائرية الحالية.

وعلى غرار سلفه مقري، فشل جاب الله في مبادرته على المستويين الشعبي والسلطوي، غير أنه استحق هذه المرة لقب "السياسي الانتهازي" بامتياز في عين الشارع الجزائري، الذي رأى في مبادرته التفافا على إرادة الحراك الشعبي الذي تشهده البلاد منذ أربعة أشهر، كما لم تقم السلطة السياسية الحالية لها وزنا، نظرا لافتقادها أي ظهير شعبي، وإنما تعبر عن مصالح القلة الإخوانية التي تسعى لامتطاء الاحتجاجات الشعبية من أجل تحقيق مخططاتها والاستفراد بالسلطة على غرار ما حدث في تونس ومصر.

النفور الشعبي
حزب "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" (1989 - 1992) يعد أول حزب سياسي إخواني يخوض الانتخابات البلدية في الجزائر سنة 1990، ثم خاض بعدها الانتخابات التشريعية سنة 1991 وفاز بالأغلبية في الاثنتين، فاضطرت المؤسسة العسكرية نتيجة الخطابات الراديكالية للحزب بالتدخل من أجل الحفاظ على هوية الدولة الجزائرية ومصيرها، وألغى نتائج الانتخابات في يناير 1992، فانبرى إخوان الجزائر في شن حملة إرهاب عارمة عصفت بالبلاد فيما عُرف بالعشرية السوداء (1992 - 2002) التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الشعب الجزائري حينها.

الظهير الشعبي الذي كان يعتمد عليه حزب "الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، أصبح في ذمة الماضي، فقد استحال الحال اليوم، وكما يقول المثل: الأيام دُوَل، فبعد ثلاثة عقود تقريبًا من حل "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" التي كانت تضم جميع العناصر الإخوانية في البلاد، تفتقد اليوم الأحزاب والحركات الإخوانية التي تفرقت شيعًا، بأي قاعدة شعبية مثل التي كانت تحظى بها في مقتبل تسعينيات القرن الماضي. وتعلم إخوان اليوم من تجربة "العشرية السوداء" أن الجيش الجزائري لن يسمح باختطاف الدولة الجزائرية باتجاه التطرف، وهو ما فرض على هذه الأحزاب اليوم خطابا سياسيا مراوغًا.

أسلوب التخفي
ثمة لعبة يجيدها الإخوان في كل دولة لهم نشاط سياسي فيها، فعندما يتم فضح مخططات ومؤامرات كيان سياسي معين لهم، يلجأون لحيلة تغيير مسمى هذا الكيان السياسي، أو الاندماج في كيان جديد، ليكون بمثابة حصان طروادة يخترقون به الساحة السياسية مرة أخرى، هذا ما فعله الإخوان في مصر والمغرب وليبيا، وكذلك في الجزائر فبعد حل "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" نجحوا  في اختراق الميدان السياسي مرة أخرى تحت اسم "حركة المجتمع الإسلامي".

نجحت "حركة المجتمع الإسلامي" التي أصبحت تسمى لاحقًا "حركة مجتمع السلم" في الاستحواذ على المركز الثالث من مقاعد البرلمان الجزائري، وتمكنت من المشاركة في التحالف الرئاسي الحاكم في الجزائر الذي كان يتكون من جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإخوانية المذكورة منذ 2004 حتى تلقت الأخيرة تعليمات من أنقرة بالانسحاب من التحالف الرئاسي في 2012م.

مخططات أنقرة
في الوقت الذي تبنى فيه إردوغان سياسة متوددة للرئيس الجزائري بوتفليقة، نتيجة أطماعه في ثروات الجزائر وعلى رأسها النفط، استمرت الاتصالات السرية بين الخليفة العثمانلي وعملائه إخوان الجزائر وعلى رأسهم حركة "مجتمع السلم" التي واكب صعودها إلى التحالف الرئاسي تولي إردوغان حقيبة رئاسة الوزراء في أنقرة.

عقب نشوب ما عرف بثورات الربيع العربي التي كانت أنقرة تؤيدها بكل قوة، بهدف الدفع بالأحزاب الإخوانية إلى سدة الحكم، كانت الجزائر على رأس قائمة الأهداف، فما لبث أن أملى إردوغان على قادة "مجتمع السلم" الانسحاب من التحالف الرئاسي، والقفز من السفينة قبيل اجتياح طوفان "الربيع العربي" الدولة الجزائرية، بهدف تهيئتهم لتولي الحكم خلفًا لنظام الرئيس بوتفليقة.

طرد الإخوان
لعل أبرز مشاهد الاحتجاجات الشعبية التي مازالت تشهدها الجزائر لاسيما في يوم الجمعة من كل أسبوع، المقاطع المصورة التي وثقت لحظات طرد عناصر الإخوان وحلفاء إردوغان من هذه المسيرات، وذلك بعد أن حاول بعض عناصرهم اختراق الحراك الشعبي وترديد هتافات وشعارات تعود لحقبة "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" التسعينية، بيد أن قادة وزعماء الحراك الشعبي أوقفوا المسيرات وقاموا بطردهم وعزلهم عن المظاهرات التي تطوف أنحاء البلاد، في إشارة رمزية لرفض الشارع لهذه الكيانات العميلة، التي تتربص الدوائر بالدولة الجزائرية، وتنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على كرسي السلطة.
 
وكان أبرز مشاهد طرد عناصر الإخوان من المظاهرات الشعبية، مشهد طرد عبد الله جاب الله، زعيم حزب "جبهة العدالة والتنمية" الإخواني خلال أول أيام الحراك الشعبي من قبل المتظاهرين الجزائريين، وتلاه مشهد طرد الزعيم الإخواني أبو جرة سلطاني، القائد السابق لحزب "حركة مجتمع السلم" الإخوانية، بشكل عنيف من المسيرات الشعبية، والذي كان بمنزلة مشهد أيقوني آخر يرمز لسقوط إخوان وعملاء إردوغان في عين الشعب الجزائري بحسب جمال سويسي، أحد قادة الحراك الطلابي، الذي رأى فيها صورة تمثل "سقوط الإسلاميين" في الجزائر أخيرًا.

أسباب التراجع
علل الباحث الجزائري في علم الاجتماع، نوري قادري، ظاهرة طرد الإخوان والإسلاميين من عملاء إردوغان من المسيرات الشعبية، بقوله إن الشارع الجزائري تبين أنهم بلا تأثير، لا سيما وقد أدرك الشعب الجزائري أنه يمكن التحرك بمفرده دون الاعتماد على هذه العناصر التي عرف عنها تأجيجها الفتن والثورات.

ويرى نوري أن الشعب الجزائري أصبح يتمتع بـ"مناعة سياسية" بفضل "العشرية السوداء" التي ذاق فيها من ويلات إرهاب هذه الكيانات السرطانية ما يجعله لا يفكر في تكرار هذا السيناريو مرة أخرى، كما أشار إلى الدور الحيوي الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في انفتاح الشبان الجزائريين على المجتمعات الأخرى لا سيما الغربية، وهو ما حصّنهم ضد الأفكار الرجعية ضيقة الأفق التي تتبناها مثل هذه الكيانات المتطرفة، لافتًا إلى أن شبان اليوم يدركون أن السياسة لا تقوم على مبادئ، وعلى هذا الأساس "استفاق الجزائري من كذبة اسمها حزب إسلامي" على حد تعبيره.

ويرى  سويسي، طالب العلوم السياسية والإعلام، أن سقوط الأحزاب الإسلامية الإخوانية في البلاد لهو مؤشر قوي على تفطن وانتباه الشبان الجزائريين إلى ضرورة أن يبنى الحل السياسي على أسس مشروع وطني جزائري بأفكار جزائرية محضة، وليس على الأفكار والأيديولوجيات المستوردة من الخارج، في إشارة إلى الفكر الإخواني العثمانلي، الذي يحاول تقديم نفسه بوصفه بديلًا للنظام المنهار. ورحب سويسي باستفاقة الشبان الجزائريين، وعدم تفويضهم أي حزب إخواني للانقضاض على مكتسباتهم الثورية، مبررا أسباب تراجع أسهم الأحزاب الإسلامية إلى ابتعادها عن هموم ومشكلات الشبان في الفترة الأخيرة.

بدائل فاشلة
يرى الشارع الجزائري الآن في الكيانات الإخوانية مجرد بدائل فاشلة لا تخلو من انتهازية سياسية، لنظام حكم ثاروا عليه، وهي تعد ظاهرة جديدة على المجتمع الجزائري الذي لطالما كانت تتمتع فيه مثل هذه الأحزاب بسمعة جيدة إلى حد ما لا سيما بين دوائر الشبان، وفقًا لأستاذ العلوم السياسية في جامعة جيجل الجزائرية، عز الدين قندوس، الذي يرى أن الحراك الشعبي الجزائري الحالي جعل من هذه الكيانات مجرد "بديل فاشل" لنظام الحكم الذي سقط قبل شهرين. وجعلها دون مستوى تطلعات جيل الشباب الجزائري الحالي.

ويرى أستاذ العلوم السياسية الجزائري، عز الدين قندوس، أن الشعب الجزائري اكتشف في عهد بوتفليقة، أن جميع الأحزاب لديها نهم شديد للسلطة، وتتذرع بجميع الوسائل لذلك، وأن الإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان حلفاء إردوغان ليسوا استثناءً لهذه القاعدة، خلافًا للخطاب الذي يتبنونه، والذي يدعون فيه أنهم أصحاب رسالة تسمو فوق المصالح والأجندات السياسية. ويشير قندوس إلى أن الحراك الأخير جعل الشارع الجزائري ليس متشككا فقط في نوايا العناصر الإخوانية بل ورافضا لها حتى بات من غير الممكن إقناعه بأن ثمة شيئا يدعى "حزب إسلامي" من الأساس.

Qatalah