يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


خاض رجب إردوغان في دماء الشعب الليبي، ومزقت قنابله التي زود بها الميليشيات الإرهابية أجساد الأطفال والنساء، لبسط نفوذه في بلد أرهقه الاقتتال الأهلي، منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي، فقط لتمكين مرتزقته من السلطة.

أغرق نظام إردوغان ليبيا بالسلاح، لدعم خونة جماعة الإخوان المسلمين، وميليشيات تنظيم القاعدة، لقتال الشعب والجيش الليبي، ورصد تقرير أممي في يناير الماضي، وجود 20 مليون قطعة سلاح في ليبيا، التي لا يزيد عدد سكانها على 6 ملايين نسمة، خارج الإطار التنظيمي للدولة، منذ 2011 وحتى الآن. 

تجارة القتل والدمار التي تجيدها العصابة الحاكمة في أنقرة، تستهدف إبقاء ليبيا نقطة صراع مشتعلة في الشمال العربى الإفريقي، وتستهدف فتح أسواق جديدة للسلاح التركي، ودعم جماعة الإخوان التي طردها الشعب المصري بعد عام واحد من وصولها للحكم، ومحاولة لتنفيذ خطة العدالة والتنمية لاستعادة نفوذ الدولة العثمانية المقبورة.

بدأت أنقرة خطة التوغل في ليبيا بعد رحيل القذافي بأربعة أشهر، واستضاف إردوغان عبد الرحمن الكيب رئيسَ الوزراء في المجلس الوطني الانتقالي وقتها، وهنأه على نجاح الثورة في إنهاء حكم العقيد.
وأعلنت أنقرة مساندتها لجماعات وأحزاب الإسلام السياسي في ليبيا، بقيادة الإخوان المسلمين، والتي تمكنت من الوصول إلى السلطة، بعد فوزها بأول انتخابات برلمانية بعد ثورة فبراير، وأصبح التواصل التركي الليبي يتم بصورة رسمية.
 
فشل عملاء أنقرة في أول اختبار حقيقي، وخرجوا من السلطة في عام 2014، لكنهم رفضوا الاعتراف بالهزيمة في الانتخابات، وبإيعاز من النظام التركي، لجأ الإخوان إلى سياسة القوة وفرض الأمر الواقع، وفتح إردوغان مخازن سلاحه لدعم الإسلاميين في ليبيا، معلنا بدء حرب أهلية لا تزال مشتعلة، بعد تمكن الميليشيات الإسلامية من السيطرة على العاصمة طرابلس.

 وحسب وسائل إعلام تركية، بلغت السيولة النقدية التي قدمتها أنقرة لإدارة المجلس الوطني الانتقالي الليبي، الذي سيطر عليه الإخوان، في عام 2012 فقط، 300 مليون دولار 

جرذان إردوغان
وكشفت وثائق وتسريبات نشرتها صحيفة "صنداي تليجراف" استغلال رجب إردوغان ما سمي بـ"خط الجرذان" الذي أقامته أمريكا، لدعم الثوار ضد معمر القذافي، في تمويل الميليشيات الإرهابية، خاصة التابعة للإخوان المسلمين، وقالت في تقرير لها في 2017، إن تسليح الجماعات الإرهابية في ليبيا صناعة تركية.

 الصحافية البريطانية أضافت أن "خط الجرذان 2" الذي أطلق في عام 2012، كان المورد الأساسي للأسلحة التي وقعت في أيدي تكفيريين، رفضوا نتائج انتخابات عام 2014، والتي سجل فيها الإخوان هزيمة منكرة، بحصولهم هم وكل أعوانهم على 30 مقعدا في البرلمان.

ووفق تقرير للأمم المتحدة في 2014، وبعد سيطرة الإرهابيين الموالين لأنقرة على طرابلس، أصبح هناك فائض من السلاح التركي في يد الميليشيات الإخوانية، وكان عناصرها يقومون ببيعه في الشوارع وعلى الإنترنت، حتى أنها حولت سوقاً للسمك في طرابلس إلى مكان لبيع الأسلحة الثقيلة والخفيفة.

وقال التقرير الأممي، إن الواردات القادمة من الدول التي تعاون الإرهابيين تتزايد بشكل ملحوظ، مضيفة: "إنه اقتصاد حقيقي بدأ في التبلور، فيمكن للمرء في ليبيا أن ينشئ منظومة من الصواريخ المضادة للدبابات، مع مقاتل يعرف كيفية استخدامها مقابل 7500 يورو".

وتابع :"إذا كنت في ليبيا، يمكنك الحصول على أي نوع من الأسلحة، فقط يكفيك جهاز كمبيوتر أو هاتف جوال مرتبط بالإنترنت، لتجد نفسك عضوا في إحدى الصفحات الإلكترونية المتخصصة لبيع الأسلحة، عندها تصبح قادرا على التفاوض وإبرام صفقات البيع والشراء، ويتم هذا الأمر عن طريق نشر إعلانات لبيع وشراء الأسلحة على صفحات ومجموعات خاصة بذلك، أنشئت على شبكة فيسبوك، تماما مثلما تفعل عند أية عملية تسوّق إلكتروني".

التقرير أشار إلى استخدام الإرهابيين مواقع التواصل الاجتماعي في تجارة الأسلحة، ووجود صفحات خاصة بذلك، يدخل إليها يوميا عشرات الأشخاص قصد الاطلاع على عروض البيع والشراء.

وكالة رويترز رصدت إغراق ليبيا بالسلاح التركي، الذي يستخدم في عمليات القتل والنهب وإثارة الفوضى، في تقرير لها ديسمبر الماضي، بعنوان "ليبيا ضاقت ذرعاً من حاويات الأسلحة المرسلة من تركيا للإرهابيين".

سفن الموت
نجحت قوات الجيش والشرطة الليبية في اعتراض الكثير من الحاويات، كانت محملة بالأسلحة التركية، في طريقها إلى الميليشيات بطرابلس، إحداها كانت في ديسمبر عام 2014، حيث تم ضبط باخرة تحمل 450 حاوية، داخل المياه الإقليمية الليبية، كانت في طريقها إلى ميناء مصراتة، قادمةً من تركيا، وتم اقتيدت إلى ميناء طبرق شرق ليبيا.

وفي أغسطس 2015، نقلت صحيفة العرب اللندنية عن المتحدث باسم الجيش الليبي الرائد محمد حجازي، اتهامه لأنقرة بأنها تحاول تزويد الميليشيات المحسوبة على "الإخوان المسلمين" وتنظيمات وصفها بالإرهابية، بصواريخ مضادة للطائرات، عبر سفن ويخوت تحميها قوات البحرية التركية.

وأضاف حجازي: "سلاح الجو الليبي دمر قبل أيام سفينة قبالة سواحل بنغازي، كان على متنها مقاتلون أجانب، وكميات من الأسلحة، السفينة التي دمرت كانت قادمة من تركيا، وكانت تحمل شحنة صواريخ حرارية مضادة للطائرات".

وأكد المتحدث العسكري أن تركيا تحرك سفنا من سلاحها البحري، لحماية تلك السفن، قبل وصولها إلى المياه الإقليمية الليبية، وهو ما توصلت إليه تحقيقاتهم بهذا الشأن.

كما تمكنت قوات المشير خليفة حفتر في مايو 2015، من تدمير السفينة التركية "Tuna-1" على سواحل مدينة درنة، وكشفت السلطات الليبية أن الناقلة كانت تحمل أسلحة، ولهذا تم ضربها.

تقرير للأمم المتحدة في عام 2017، أكد وصول التحقيقات إلى وقائع تثبت تورط تركيا في نقل أسلحة إلى ليبيا، مضيفة أن "أنقرة نقلت عتاداً عسكرياً من إيطاليا إلى مسلحين في بنغازي، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، قبل 2017".

في ديسمبر الماضي تمكن الجيش الليبي من ضبط سفينة أسلحة في ميناء الخمس، كانت ترفع علم "أنتيغوا وباربودا" باسم "بي إف سبيرانزا"، تبين لاحقا أنها تركية، وتحمل شحنات هائلة من الأسلحة والذخائر، ووفق تقارير الملاحة الدولية، أبحرت الناقلة من ميناء مرسين التركي في 25 نوفمبر 2018 إلى ميناء إمبرلي بسواحل إسطنبول، ثم دخلت المياه الإقليمية الليبية في 18 ديسمبر.

كان على متن السفينة 3000 مسدس و120 بيريتا و400 بندقية، و4.8 مليون طلقة، تكفي لقتل 80% من الليبيين، كلها تركية المنشأ، أنتجتها مصانع "زوراكي وريتاي".

بعد تفجر الفضيحة، زعمت تركيا أنها ستفتح تحقيقا مشتركا مع طرابلس في الواقعة، الأمر الذي رفضه الجيش الليبي بشدة، بعدما أكد أن أنقرة طرف في الواقعة، وأن مضبوطات الأسلحة تركية الصنع، ولا يجوز للجاني المشاركة في التحقيق، وطالب بإجراء تحقيق دولي تحت إشراف الأمم المتحدة.

في  يناير 2019 تم ضبط سفينة تركية، ترفع علم تنزانيا، للتمويه، ومُحملة بأسلحة ومُتفجرات، قادمة من اليونان، في طريقها إلى طرابلس، قبل أن يتم الكشف عن أمرها، ليبيا دعت إلى تحقيق دولي مُوسّع حول الأهداف التركية في البلاد، على لسان المتحدث باسم الجيش، العميد أحمد المسماري، الذي طالب مجلس الأمن والأمم المتحدة بفتح تحقيق حيال الجرائم التي ترتكبها أنقرة بحق الشعب الليبي، واستمرار تصديرها الأسلحة للكيانات الإرهابية.

بعد شهر واحد من تلك الواقعة، تمكنت السلطات الليبية من ضبط سفينة أخرى في ميناء الخمس، حاولت أنقرة إرسالها إلى مرتزقتها في ليبيا، تحديدا في بداية فبراير الماضي.

صحيفة "المرصد" الليبي، قالت إن الباخرة التي تدعى "كارات" والقادمة من ميناء "مرسين" التركي، وصلت إلى ميناء الخمس محملة بحاويات تحتوي على 9 سيارات، 4 منها مدرعة، والبقية مصفحة، إضافة إلى 5 حاويات، 4 منها بحجم 40 قدما، داخل كل منها سيارتان دفع رباعي من نوع تويوتا، فيما احتوت الخامسة على سيارة واحدة.

جبل الأسلحة التركية
وفي تقرير بعنوان "تلاعب تركيا بليبيا" قال مايكل ربيان في منتصف يناير الماضي، على صفحات مجلة ذا ناشونال إنتريست، إن ملايين الرصاصات وعشرات المدافع ومئات الأسلحة وصلت من تركيا إلى ليبيا، منذ عام 2017، وهو أمر لا يمكن تجاهله، كانت الأسلحة مخبأة بين أغراض مثل أدوية أو ألعاب أطفال.

ويضيف ربيان :هذه الأسلحة التركية إلى ليبيا (التي تم ضبطها) ليست إلا رأس الجبل الذي يظهر للجميع عياناً بياناً ، لكن في الحقيقة حجم الأسلحة أكبر من ذلك بكثير. عبدالقادر عبدالله عباس رئيس الشرطة العسكرية في طبرق، أعلن أن الشرطة أوقفت مؤخراً واحدة من سيارات اللاند كروزر، والتي اتضح أنها مليئة بالأسلحة التركية.

ربيان استشهد بواقعة أخرى، وكانت هذه المرة في مصراتة، في يناير الماضي، حيث ضبطت السلطات الليبية سفينة تركية محملة بالأسلحة، المثير في الأمر ادعاء تركيا جهلها بمصدر انطلاق هذه السفن، الأكثر غرابة أن أحد المحققين الأتراك حاول رصد خط سير هذه السفن، فتعرض لمحاولة اغتيال فاشلة.

وقال: "بعد رحيل القذافي انقسمت ليبيا إلى نصفين، طبرق التي تمثل البرلمان، والحكومة المؤقتة، واللواء خليفة حفتر، الذي يقود قوات الجيش للسيطرة على الفوضى في البلاد، وإعادة الاستقرار، وعلى الجانب الآخر تنظيمات القاعدة وداعش والإخوان المسلمين، وكل الميليشيات الإرهابية مثل  فجر ليبيا  وأنصار الشريعة، وكذلك حكومتا الوفاق والإنقاذ"، وأضاف لقد أصبح الأمر واضحا كضوء النهار، مصر والمجتمع الدولي يدعمون جانب طبرق، فيما تمول وتدعم تركيا وقطر كل من يعادي حفتر وبرلمان وحكومة طبرق.

ربيان أكد في تقريره أن تركيا هي المحرك والمدبر للميليشيات وللإخوان المسلمين، وما يتبعها من حكومة الوفاق والإنقاذ، مستشهداً بواقعة إرسال استخبارات إردوغان أسلحة إلى داعش في سورية، على الحدود مع تركيا، وعندما فضحت الصحافة التركية الأمر، مستشهدة بأدلة لا يمكن تجاهلها، منها مقاطع فيديو وتسريبات ووثائق، تحرك الرئيس التركي ضد هؤلاء الصحافيين، ولاحقهم بالحبس والطرد.

وانتهى ربيان إلى أن هدف إردوغان من توطين الإرهابيين في ليبيا، يقينه بأن يرى أن إسلاميي ليبيا قد يكونون فرس الرهان الأخير، ومن خلالهم قد ينجح في إعادة الإسلاميين إلى السلطة في الدول العربية مرة أخرى، كما تمنى بعد ثورات الربيع العربي.

تابع: "ليس هذا فقط بل إن الجزائر كذلك قلقة هي الأخرى من تحركات إردوغان الأخيرة، الجزائر مقتنعة بأن بعض الأسلحة التي تعمل تركيا طوال الفترة الماضية على إيصالها إلى ليبيا وقعت في يد مجموعات إرهابية متنوعة الفكر والتنظيم وهؤلاء الإرهابيون أصبحوا يهددون أمن الجزائر بهذه الاسلحة".

أدوات إردوغان
وفق "بوابة إفريقيا الإخبارية" فإن شركة "زوراكي التركية للصناعات الحربية" هي مصدر أسلحة الإرهابيين الليبي، بالإضافة إلى شركة "ريتاي" التركية للنظم الدفاعية التي شاركت هي الأخرى في إرسال شحنات الأسلحة تركية المنشأ.

كما أن التحقيقات التي أجريت بشأن سفينة تركية ضبط بداخل حاويتها التي كان من المفترض أن تحمل ألعاب أطفال وأدوية وبضائع أخرى أسلحة مختلفة الشكل أضافت أسماء أخرى من الشركات التركية التي يرسل منها إردوغان أسلحته إلى الإرهابيين بليبيا.

ووفق صحيفة "الوسط"، كشف رئيس لجنة المتابعة بميناء الخمس الليبي، محمد القويري نهاية ديسمبر الماضي، أن شحنة الأسلحة التركية المضبوطة بميناء الخمس الليبي تعود لشركتين إحداهما تدعى شركة "سحاب للاستيراد والتصدير"، والأخرى تدعى "تاكراولا"، وتعني باستيراد المواد الغذائية، وفقا للمراسلات الرسمية من قبل الشركتين للميناء التجاري.

وفي فبراير الماضي حمل المتحدث الرسمي باسم الجيش الوطني الليبي أحمد المسماري مسؤولية الفوضى وانتشار الأسلحة في أيدي الإرهابيين بليبيا إلى تركيا التي اعتبرها "المسؤولة الأولى عن الفوضى التي تغرق فيها البلاد"، مؤكدًا أن هناك خيارات عدة لمحاسبة أنقرة على تدخلها في الشأن الليبي سيلجؤون إليها قريباً.

المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي شدد على أن أنقرة تخرق قرارات مجلس الأمن التي تحظر تزويد الإرهابيين بالسلاح منذ فترة طويلة، فضلا عن خرق القرار الخاص بحظر توريد السلاح إلى ليبيا وهو ما أثبتته وقائع كثيرة.

المسماري أشار إلى ضبط 80 سيارة مجهزة قادمة من تركيا للميليشيات المسلحة في البلاد، مؤكداًَ أن أكثر دعم تركيا حتى بداية العام الحالي كان متوجهاً ناحية الجنوب الليبي والذي لن يسمحوا أن يتكون به "دولة انفصالية جديدة".

Qatalah