يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تبنى العدالة والتنمية الكثير من الحركات الإسلامية المتشددة من أجل مساندته في عمليات القمع وتصفية المعارضين، ومنحها الدعم ووفر لها الحماية، واعترف بشرعيتها على أرض البلاد، وسمح لها بترويج أفكارها المتشددة، ونشر كتبها، وصرح لها بحمل السلاح لقتل خصوم إردوغان وفرض الإرهاب تحت مظلة الحكومة. 

جماعة المنزلية،  وحزب الله التركي، والحركة السلفية، مثلث التطرف الذي منحهم إردوغان ورجاله الضوء الأخضر ليعيثوا في الأرض فسادا، فيما سمح للإرهابيين من البلاد العربية الدخول إلى بلاده والتحدث من فوق منابر أنقرة.

المنزلية 
حتى يحظى إردوغان بالقبول الشعبي أفرط في الحديث عن العلمانية في خطاباته لافتا إلى أهمية فصل الدين عن السياسة، وزار إسرائيل وأقام معها علاقات قوية عام 2005، في الوقت الذي وثق علاقته بالحركات الدينية المتطرفة أملا في استخدامها بعد ذلك في السيطرة على تركيا.
"الطريقة المنزلية" جماعة متفرعة عن النقشبندية الخالدية الصوفية، يقع مقرها في محافظة آدييامان، وهي أقرب إلى الانخراط في السياسة من بقية الحركات الصوفية وتوجيه أتباعها لدعم الحزب الحاكم الذي ترتبط معه بعلاقات قوية، ما منحها  انتشارا كبيرا في أنقرة وإسطنبول، فيما كانت توصف بأنها "النظام الديني الداعم للدولة" ومن أسرع الجماعات الدينية نموا في البلاد .
وفق مركز "opendemocracy" البحثي، فإن المنزلية - سميت بذلك نسبة إلى قرية المنزل التي كان يعيش فيها شيخ الجماعة النقشبندي محمد راشد أرول - تحصل على حقوق لا ينالها الكثير من الجماعات الدينية في تركيا، ويسمح لها بتنظيم الفعاليات بشكل دائم، وتحظى عناصرها بدعم وحماية من النظام، وممنوع على رجال الأمن توقيف أو اعتقال أحد أفرادها.
قال الكاتب ياليشين بيير في مقال بصحيفة حرييت التركية نشر في 15 يناير 2011: "وثقت حكومة العدالة والتنمية علاقتها بالطريقة المنزلية بقوة، وكان هناك وزيران يمثلان الطريقة المنزلية في الحكومة، تانير يلديز ووزير الطاقة السابق ورجب أكداج وزير الصحة السابق، ما يكشف العلاقة المترابطة بين المنزلية والعدالة والتنمية".
وأضاف: "في عام 2005 أنشأت الحركة جمعية رجال الأعمال تومسياد، وفي دليل على نفوذ الجماعة، تفتخر تومسياد بأنها تملك 1500 عضو مسجل، فضلا عن انتخاب رئيسها حسن سيرت لعضوية البرلمان في 2005 ممثلا عن حزب العدالة والتنمية".


ضد الكمالية
الحزب الحاكم يعتمد على الطريقة المنزلية في معركته ضد أفكار أتاتورك وأتباعه حيث يحاول العدالة والتنمية ابتلاع تركيا، عن طريق الترويج لإحياء الدولة العثمانية ما يجعله يصطدم بالكمالية التي تعظم من دور كمال أتاتورك وقيمه العلمانية. 
سفانتي كورنيل الباحث في الشؤون التركية، أكد أن المنزلية تنشر في المجتمع أفكارا من قبيل أن الدولة العثمانية هي دولة الإسلام وأن قيم كمال أتاتورك نقضت الدين خاصة في مناطق الأكراد وغيرها.
وأضاف في دراسة نشرها معهد "هودسون" الأمريكي العام 2016: "ترى (المنزلية) أن تركيا مرت بمحاولة تجفيف منابع التدين فيها منذ سقوط الدولة العثمانية وظهور كمال أتاتورك الذي تدعي أنه عمل على إزالة مظاهر التدين، وعلى تركيا إعادة أمجادها وإحياء تراثها وقيمها الحضارية التي تحلت بها أيام السلطنة،  لذا تسعى المنزلية إلى تشويه صورة أتاتورك وتجميل وجه الدولة العثمانية الدموي".

حزب الله التركي
بعد خروج الثورة الخمينية في إيران 1979 حاولت إيران توسيع نفوذها الشيعي في الخارج، وفي تركيا كان هناك شاب يدعى حسين والي أوغلو يعيش في مدينة بطمان جنوب شرق البلاد قام في عام 1981 بتأسيس حركة الوحدة التي تحمل فكر وأهداف الخميني.
لم ينزعج النظام من الحركة لأنها دخلت في حرب مع حزب العمال الكردستاني الذي تراه الحكومات التركية المتعاقبة فصيلا إرهابيا.
خلاف ضرب الحركة على نتيجة عدم التفاهم حول صيغة الرد المناسب على اعتداء قام به عناصر "حزب العمال الكردستاني" ضد عناصر تابعة لها، حيث صمّم حسين والي أوغلو على الرد بالسلاح إلا أن بعض رفاقه كفيدان غونغور فضّلوا التريث قليلا، وعندما تشبث كل فريق برأيه حدث الانشقاق بينهما. 
خلال فترة التسعينيات قام أوغلو وجماعته بتغيير اسم الحركة المتطرفة أكثر من مرة، وأطلق عليها  في البداية "أنصار الله" حتى استقروا في النهاية على "حزب الله التركي" وظل الاسم مقترنا بها حتى هذه اللحظة، فيما أطلق على العمال الكردستاني "حزب الشيطان".

حزب الله المسلح شارك في معظم معارك النظام التركي ضد حزب العمال الكردستاني في الفترة بين 1981 و1991 ما تسبب في مقتل 44 ألف شخص وتشريد وتهجير سكان أربعة آلاف قرية، وفقا لتقرير نشرته وكالة الأنباء التركية الرسمية. 
في 1997 تم سجن مئات المُجندين من أعضاء حزب الله التركي بتهمة ارتكاب ثلاثة الآف جريمة، إلا أن السجناء حصلوا على عفو من حكومة العدالة والتنمية في ربيع 2003.
ورغم أن الحزب ظل مختفيا عن المشهد السياسي في تركيا منذ نهاية التسعينيات إلا أن إردوغان ونظامه حافظوا على وجود قنوات اتصال سرية بينهم وبين الحزب، وتسببت هذه الاتصالات والتربيطات غير المعلنة في وضع حزب الله وعناصره بمأمن عن حملات الاعتقال والمداهمات التي دأب عليها النظام التركي خلال العامين الماضيين.
ويرى العديد من الخبراء أن إردوغان رغم تجميده لنشاط حزب الله في المرحلة الراهنة إلا أنه يضعه في مربع الاستعداد من أجل استغلاله مستقبلا للانقضاض على أعدائه، ففي العام 2012 نفذ حزب الله التركي أكبر ترهيب لمعارضي إردوغان في أكبر مدينة تركية يقطنها الأكراد (ديار بكر) خلال الاحتفال بعيد المولد النبوي عندما حشد أنصاره بالآلاف لتأييد سياسات الديكتاتور وتخويف معارضيه.




1997 تم سجن مئات المُجندين من أعضاء حزب الله بتهمة ارتكاب ثلاثة آلاف جريمة، إلا أن السجناء حصلوا على عفو من حكومة العدالة والتنمية في ربيع 2003.
ورغم أن التنظيم المتطرف يعيش حالة من الفتور في الوقت الحالي بعد انتهاء دوره إلا أنه يتواجد في مأمن بعيدا عن حملات الاعتقال والمداهمات التي دأب عليها النظام التركي خلال العامين الماضيين.
كما أن إردوغان يجعله على استعداد للانقضاض على أعدائه، ففي العام 2012 نفذ حزب الله التركي أكبر ترهيب لمعارضي إردوغان في أكبر مدينة تركية يقطنها الأكراد (ديار بكر) خلال الاحتفال بعيد المولد النبوي.


السلفية
الفكر السلفي دخل تركيا في تسعينيات القرن الماضي ضعيفا هزيلا لا يقوى على الجهر بأهدافه، إلا أن العدالة والتنمية منحه قبلة الحياة.
أبرز مؤسسي الفكر السلفي في تركيا الشيخ عبدالله الأثري يقول : "الحمد لله تمكنا خلال 17 سنة تقريبا (سنوات حكم العدالة والتنمية) من العمل على الانتشار، أسسنا دار نشر وطبعنا من 65 إلى 70  كتابا ومجلّدا وكتيّبا، ولدينا 35 مطوية وأصدرنا بعض الأشرطة، ونحاول أن نختار الكتب في العقيدة والدعوة والمنهج الصحيح، وعرض ما لا يؤدي إلى مواجهات أو  يحمل اختلاف".
عبدالله يولجو أو عبدالله الأثري كما يلقب نفسه، من أصول تركمانية عراقية، له كتابان شهيران هما "الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة" و"الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة"، وترجم العديد من الكتب التي عادة ما يضاف إليها تفسيرات سلفية ككتب التفاسير مثل ابن كثير والتوحيد لابن عبدالوهاب، ومعظم كتب الألباني.
مكتبة الغرباء الواقعة في منطقة السلطان أحمد احتفت العام الماضي بكتب ابن تيمية بوصفها الأكثر مبيعا في تركيا، وهي المكتبة التي ترجمت كتابا يُعتبر الأشرس في نظرته للشيعة والثورة الإيرانية.
ترجمات الكتب السلفية من العربية إلى التركية شهدت زخما كبيرا خلال السنوات الماضية، ما جعل أحد دعاة السلفية يقول في تصريح نقله موقع المسلم السلفي عام 2015: "قبل 13 أو 15 سنة، لو سألتني كم عدد السلفيين الموجودين في تركيا، لقلت لك إنهم لا يتعدون أصابع اليد، أما الآن، فإن الذين أعرفهم فقط أكثر من ألف والذين لا أعرفهم أكثر من ذلك".
لم يكتف الحزب الحاكم بدعم سلفيين في الداخل بل سمح بدخول وجوه متطرفة من الخارج أبرزها الكويتي حاكم المطيري رئيس حزب الأمة الكويتي السابق الذي ظهر في دائرة السلفية التركية عام 2016 والمصنف في الدول العربية إرهابيا والذي ينشر وهم الخلافة داخل وخارج تركيا بدعم من منظمة الأمة للتعاون العربي التركي التي يمولها الحزب الحاكم لبث الأفكار الإرهابية.

كما احتضن إردوغان المتطرف حسن الدقي الممنوع من دخول الدول العربية بوصفه أحد المنظرين في تنظيم القاعدة والمعروف بدعوته ومحاولات تجنيده للشباب العربي من أجل القتال ضد الشعوب العربية، ووضع على قوائم الإرهاب الدولية بعد ظهوره مع عناصر التنظيم الإرهابي في عدة مناسبات مثل  "مراسم عزاء قائد القاعدة رفاعي طه الذي قتل في غارة أمريكية على مقر للقاعدة في سورية". 


لا خلاف على قوة العلاقة بين سلفيي تركيا وحزب العدالة والتنمية وأهمية المصالح المشتركة بين الطرفين، السلفيون الأتراك يؤيدون إردوغان بقوة ويدينون له بالولاء بعد أن ساهم في الحضور القوي للحركة السلفية واعترف بها رسميا من قبل مؤسسة الشؤون الدينية التركية "ديانِت" بوصفها إحدى المدارس السنية.

Qatalah