يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


طالما حرص الدكتاتور العثماني رجب إردوغان على أن يكون الشخصية الأكثر جدلًا على الساحة في تركيا، يحاول دائمًا أن يخفي تطرفه خلف الإسلامي المعتدل، إلا أن الحاشية المقربة منه والتي يحرص على أن تلازمه في كل خطواته تكشف وجهه المتطرف الحقيقي، إذ إنه حرص على أن يقرب منه المتطرفين سواء كانوا متطرفين دينيًا أو سياسيًا.

دوغو برينتشاك يعتبر من الشخصيات الأكثر جدلًا في تركيا بعد إردوغان، خاصة أنه تربطه علاقات غير مفهومة مع الديكتاتور. تمكن من خطف الأضواء لنفسه عبر مواقفه الحساسة في اللحظات الحرجة طيلة تاريخ السياسة التركية، حيث ارتبط اسمه بسلسلة من الاعتقالات في أعقاب كل انقلاب شهدته تركية في القرن الماضي.

برينتشاك عرف بمواقفه المتقلبة، إذ يؤيد في الفترة الأخيرة المعسكر الأوراسي بقيادة روسيا والصين، بعد أن كان يدافع قبل ذلك عن المعسكر الغربي بقيادة أمريكا وبريطانيا أو حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويصف الاتحاد السوفيتي بـالإمبريالي.

عام 1942 ولد برينتشاك في مدينة غازي عنتاب، والده "صادق" كان نائبًا للمدعي العام بالمحكمة العليا في تركيا، وشغل منصب نائب حزب العدالة في البرلمان عن مدينة أرذنجان، بالإضافة إلى كونه نائب رئيس الحزب.

طالب اشتراكي
في شبابه، التحق بكلية العلوم السياسية في جامعة أنقرة، وانتقل إلى ألمانيا للعمل هناك، وتعلم اللغة الألمانية، إلى أن حصل على ليسانس في الحقوق من جامعة أنقرة عام 1964، وحصل على درجة الدكتوراة في عام 1968.

عام 1964 بدأ برينتشاك تأييد الاشتراكية، وسار في ركابها، إلى أن عمل رئيسًا لاتحاد الأندية الفكرية في مارس 1968، وقاد أقوى الحركات الشبابية الثورية التي خرجت في تظاهرات كبيرة في هذا العام.

على خلفية انقلاب 12 مارس 1971، اعتقل برينتشاك، وحكم عليه بالسجن لمدة 20 عامًا، إلى أن أفرج عنه بعفو عام في عام 1974. وفي عام 1978 ترأس حزب الفلاحين العمال الاشتراكي، وفي مارس من العام نفسه أسس جريدة "آيدنلك" اليسارية المؤيدة لإردوغان حاليًا.

برينتشاك اعتقل مرة أخرى عقب انقلاب 12 سبتمبر 1980، وحكم عليه بالسجن لمدة 8 سنوات، ولكن أفرج عنه ضمن قائمة العفو العام، مارس 1985. 

في عام 1987 أسس دوغو برينتشاك مجلة "نحو 200"، وشغل منصب رئيس التحرير، المجلة تمكنت من تحقيق شهرة كبيرة في الشارع التركي خاصة بعد نشر أخبار عن الأحداث والتجاوزات التي تقوم بها الحكومة التركية ضد الأكراد في المدن الواقعة في جنوب شرق البلاد. ليتم اعتقاله مرة أخرى بموجب مرسوم النفي المراقب الصادر في أبريل 1990، واحتجز في سجن ديار بكر لمدة 3 أشهر.

في 1991، مع إلغاء المادة 141 من قانون العقوبات التركي، استعاد برينتشاك حقوقه السياسية، وتمكن من أن يكون رئيسًا للحزب الاشتراكي، ثم انتقل إلى رئاسة حزب العمال، بعد أن قررت المحكمة الدستورية إغلاق الأول في 10 يوليو 1992.

تنظيم مسلح
في 21 مارس 2008 ألقي القبض عليه مع الكاتب الصحافي في جريدة "جمهورييت" المعارضة إلهان سلجوك، والرئيس السابق لجامعة إسطنبول كمال علمدار أوغلو، وعدد آخر من أعضاء حزب العمال، بتهمة الانتماء لتنظيم أرجينيكون. وصدر قرار اعتقاله، إلى أن صدر حكم في حقه، في أغسطس 2013، بالسجن لمدة 117 عامًا بتهمة تأسيس وإدارة تنظيم مسلح، ومحاولة الإطاحة بالحكومة، إلا أنه صدر قرار من البرلمان التركي في مارس 2014 بموافقة الأغلبية البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، بإلغاء المحاكم الخاصة، والإفراج عن المعتقلين في قضية أرجينيكون، ومن بينهم دوغو برينتشاك.

وعقب الإفراج عنه، أكد برينتشك في تصريحات له بعد خروجه من السجن، أنه سوف يقتلع جذور كل الجماعات الدينية الموجودة داخل تركيا، لتبدأ بعدها حكومة حزب العدالة والتنمية هجومها الشرس على حركة الخدمة.

مع أوجلان.. كبطل
وفي عام 1991 ذهب برينتشاك إلى لبنان بصفته رئيس تحرير مجلة "نحو 2000"، والتقى بزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في وادي البقاع، والذي استقبله بحفل عسكري كبير وقدم له الورود، وهو ما ظهر في صور شهيرة جمعتهما معًا.
 
في عام 2005، صرح خلال زيارته لسويسرا أن الأحداث التي تعرض لها الأرمن في عام 1915 ليست إبادة جماعية، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله والحكم عليه بالسجن لمدة 90 يومًا، وغرامة مالية 16 ألفا و873 فرانكا سويسريا، تظلم برينتشاك أمام محكمة حقوق الإنسان الأوروبية وكانت حكومة حزب العدالة والتنمية تدعمه وتطالب بالإفراج عنه، إلى أن أصدرت المحكمة قرارًا بأن العقوبة الموقعة عليه هي انتهاك لحرية التعبير المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية.

بدى تأييده الواضح لحكومة حزب العدالة والتنمية، إذ أعلن عداءه الواضح لحركة الخدمة وتأييده لإردوغان وحزبه في مواجهة الحركة، كما انتقد حزب الشعب الجمهوري على خلفية إطلاقه مسيرة "العدالة" مشيًا على الأقدام من العاصمة أنقرة إلى إسطنبول في يونيو 2017.

الهجوم على جولن
في يناير 2016، أثار الجدل من خلال تصريحه على أنه حصل على تكليف من إردوغان نفسه للقضاء على حركة الخدمة، قائلًا: "تنظيم فتح الله جولن تابع للولايات المتحدة الأمريكية، ويجب التخلص منه. لقد جاء إردوغان إلينا وطلب منا هذا، ولم نذهب نحن إليه".

وفي فبراير عام 2015 قام بتغيير اسم حزب العمال إلى حزب الوطن، بعد أن انضم إليه مجموعة من الوزراء السابقين الذين كانوا تابعين لحزبي الوطن الأم والطريق القويم.

برينتشاك ذهب مع وفد من حزبه في عام 2006، إلى دمشق لتحسين العلاقات بين البلدين، والتقى بعدد من المسؤولين رفيعي المستوى في الدولة السورية، كما التقى بالرئيس السوري بشار الأسد، كان على رأس الوفد رئيس استخبارات أركان الجيش التركي إسماعيل حقي باكين، الذي عاد من الزيارات المتتالية إلى سورية وقدَّم معلومات حول الزيارة لوزارة الداخلية ومسؤولين في الجيش التركي.

الزيارات المذكورة لم يكن الغرض منها تحسين العلاقات فقط، وإنما لعبت دورًا مهمًا في تحسين العلاقات بين تركيا وروسيا أيضًا، حسب ما ذكرت وسائل الإعلام الموالية لحكومة حزب العدالة والتنمية في ذلك الوقت.

دوغو برينتشاك أثار الجدل في الفترة الأخيرة بعد أن أكد في أكثر من تصريح أن حزب العدالة والتنمية وإردوغان يسيران على خطاه ووفقًا لخطته، وسط صمت من مسؤولي حزب العدالة والتنمية.

وفي أعقاب فضح وقائع الفساد والرشوة (ديسمبر 2013) التي تورط فيها أربعة من وزراء إردوغان وعدد من أقاربه بينهم نجله بلال، ووصفها إردوغان أنها محاولة انقلاب ناعم، أعلن حزب الوطن أنه صاحب فكرة حملة الاعتقالات التي طالت العشرات من مسؤولي ورجال الشرطة المشاركين في فضح الفساد والرشوة.

حزب برينتشاك نشر بيانا على موقعه الرسمي قال فيه: "نحن أصحاب العملية الحقيقيون"، مشيرًا إلى أن رجال الأمن والقضاة الذين تم استهدافهم واعتقالهم في أعقاب الكشف عن فضائح الفساد والرشوة، هم من شاركوا في تحقيقات منظمة أرجينيكون الإرهابي.

برينتشاك، زعيم حزب العمال اليساري المتطرف في تركيا، والقيادي في شبكة أرجينيكون الإجرامية، خلال اجتماع صحافي نظمه في مقر الحزب بإسطنبول، أكد أنهم من قاموا بتحديد رجال الأمن الذين تم استيقافهم ضمن حملة الاعتقالات التي أطلقتها السلطات في ساعات متأخرة من ليل 22 من يوليو 2014 ضد رجال الأمن والقضاة الذي فضحوا وقائع الفساد.

في سبتمبر 2014، طالب برينتشاك، خلال مشاركته في أحد البرامج الحوارية على قناة "أولوصال" بتقديم الدعم لمرشحيه في انتخابات القضاة، ثم أكد في تصريحات لاحقة له أنهم سيدعمون مرشحي جمعية وحدة القضاء المدعومة من حزب العدالة والتنمية. فيما أكد عدد من أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني أنه في حال فوز جمعية وحدة القضاء، المدعومة من قبل الحزب الحاكم، فإن تركيا ستتحول إلى الدكتاتورية بسرعة كبيرة، لتشهد بعدها تركيا موجة من انتهاكات الحقوق والحريات بعد أن تحول القضاء إلى ترس في آلة إردوغان السياسية.

أيهان سفر أوستون، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية السابق، أوضح في يوليو الماضي، أن حزب الحركة القومية، حليف الرئيس التركي رجب إردوغان، بات يستمع لرئيس حزب الوطن دوغو برينتشاك اليساري الموالي للمعسكر الأوراسي. 

أوستون الذي يشارك في تأسيس حزب داود أوغلو الجديد، وكان العضو البرلماني في صفوف حزب العدالة والتنمية الحاكم خلال أربع دورات تشريعية متتالية، قال إن إردوغان ابتعد عن المبادئ والمعايير التأسيسية لحزبه، مؤكدًا أن حزبه المستسلم لسياسات الفكرة القومية الطورانية بقيادة دولت بهتشلي ودوغو برينتشاك فقد جوهره وروحه.

ناجيهان آلتشي، الصحافية المقربة من السلطة السياسية في تركيا، علقت على ما يدور على الساحة التركية في الفترة الأخيرة، قائلة: "إن تحالفًا سريًّا يضم الزعيم اليساري دوغو برينتشاك يتولى حكم تركيا"، مشيرة إلى تحالف إردوغان مع رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي.

Qatalah