يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أوشك ملف الطاقة في تركيا على الاشتعال في أية لحظة، الشركات العاملة في القطاع غير قادرة على تحصيل مواردها من المصانع والمؤسسات الكبرى، بسبب أزمة السيولة النقدية، واضطرار أغلبها لإعلان إفلاسها، لعدم قدرتها على سداد ديونها.
انخفاض قيمة الليرة التركية، أفسد خطط ومشروعات حكومة العدالة والتنمية لاستخراج الطاقة النظيفة، للتغلب على أزمة نقص الغاز الطبيعي، خاصة طاقتي الشمس والرياح، ولم تفلح محاولات رجب إردوغان استجداء روسيا لتخفيض الأسعار، بسبب عدم انتظامها في سداد المستحقات المالية.
 ورغم احتلال تركيا المركز الرابع في إنتاج الطاقة الحرارية، وبدء حكومة العدالة والتنمية في تنفيذ عدد  مشاريع أنابيب الغاز، لكن الأزمة لا تزال قائمة، ودائما ما يتحمل الشعب التركي تبعاتها، بتحمل الأسعار المتزايدة للكهرباء، وتلجأ سلطات إردوغان لقطع التيار عن ملايين الأسر أحيانا لابتزازهم لعدم قدرتهم على سداد الفواتير الشهرية.
موجة الإفلاس التي أصابت القطاع الصناعي، وحالة الركود الاقتصادي الذي شهدته تركيا، تسبب في انخفاض الاستهلاك الطاقة في قطاعي الصناعة والزراعة، تقريبا بمقدار 1.5% عن العام الماضي، باعتباره مؤشرا مهما للنمو، في حين زادت تكاليف إنتاج الكهرباء.
 
أزمة الكهرباء
وفقا لبيانات اتحاد الغرف التجارية والبورصات، والتي كشفت عنها مطلع الشهر الجاري، بلغت ديون قطاع الطاقة نحو 50 مليار دولار، بعد إغلاق العديد من كبريات الشركات المنتجة للطاقة الكهربائية، في فبراير الماضي.
وتقدمت شركة "يوكسل القابضة" التي تعتبر واحدة من أكبر المؤسسات العاملة في مجال الطاقة بتركيا، بطلب لتسوية إفلاسها، لإعادة جدولة مديونياتها المتراكمة، بسبب أزمة انهيار الليرة، أو إعلان إفلاسها. 
وبحسب ما ذكرت صحيفة "جمهورييت"، تقدمت الشركة بطلب تسوية إفلاسها للمحكمة التجارية الابتدائية الثانية بالعاصمة أنقرة، من أجل إعادة جدولة ديونها، وأصدرت المحكمة حكما بمنح الشركة مهلة 3 أشهر، مع الرقابة المالية والإدارية، على أن تصدر حكمها النهائي في جلستها التالية، التي من المقرر أن يتم عقدها بعد انتهاء المهلة المقررة.
وفي تصريحات صحافية حول طلب تسوية الإفلاس، قال أمين صازاق، رئيس مجلس إدارة الشركة: "لقد تقدمنا بطلب لتسوية الإفلاس، لأننا لم نستطع التوصل لحل مع المدانين لإعادة جدولة ديوننا المتراكمة"، ومن المنتظر أن تصدر المحكمة ذاتها حكمها الأخير بشأن وضع الشركة بعد انقضاء المهلة الممنوحة.
في شهر يناير من العام الجاري تراجع استهلاك الكهرباء في قطاع الصناعة التركية بنحو 11.7%، كما تراجعت نسبة الكهرباء المستخدمة في الري الزراعي بنحو 60%.
 
وكانت شركة إنتاج الكهرباء التركية المملوكة للدولة قد أقدمت عقب الانتخابات المحلية الأخيرة على رفع سعر الكهرباء الممنوحة لشركات التوزيع بنحو 37%، في حين أعلنت هيئة تنسيق سوق الطاقة أن هذه الزيادة لن تنعكس على المستهلكين.
ويرى الخبراء أن هذا الوضع يعني تحميل تكلفة إضافية على شركات الكهرباء التي تحاول التأقلم مع الطلبات المتراجعة.
وارتفعت ديون شركات الطاقة بسبب التزام الشركات المنتجة للكهرباء بسداد ديون سنوية بقيمة 4.3 مليار دولار، من بينها 2.6 مليار دولار فوائد.
بيانات اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركي أشارت إلى أن قطاع الكهرباء يأتي في المرتبة الثانية، بعد قطاع الإنشاءات في قائمة القطاعات، من حيث عدد الشركات المغلقة و المديونيات للبنوك، وخلال شهر فبراير فقط، تم إغلاق 100 شركة مساهمة و36 شركة محدودة.
وبلغت نسبة شركات الكهرباء من إجمالي عدد الشركات التي أغلقت أبوابها خلال شهر فبراير الماضي، نحو 19% من الشركات بالبلاد.
وتستهلك تركيا حوالي 779 مليارا و208 ملايين و293 ألف كيلو بايت/الساعة ، وفقا لآخر بيانات من وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية.
37.8 ٪ من إنتاجنا للكهرباء يأتي من الفحم ، 29.8 ٪ من الغاز الطبيعي ، 19.8 ٪ من الطاقة الهيدروليكية ، 6.6 ٪ من الرياح ، 2.6 ٪ من الشمس ، %5 من الطاقة الحرارية الأرضية و 1.4 ٪ من مصادر أخرى.
 
الغاز
شركة الطاقة الوطنية التركية بوتاش رفعت أسعار الغاز الطبيعي 9% للمنازل و18.5% للمصانع ثلاث مرات في 3 أشهر وسط تراجع في قيمة الليرة ونقص في السيولة. 
وزادت أسعار الغاز في الاستخدام السكاني خلال عام واحد بنسبة 29%، في حين زادت أسعار الكهرباء 34%، وتم رفع أسعار الغاز بالنسبة للاستهلاك الصناعي 65 % ، فيما ارتفعت أسعار الكهرباء 68%، في حين بلغ استهلاك تركيا من الغاز الطبيعي العام الماضي، نحو 54 مليار متر مكعب.
هزات الاقتصاد التركي المتلاحقة عززت الفرضيات المتعلقة بفقدان أنقرة المزيد من مصادر الدخل، بعد أن قررت شركة إي.دبليو.إي الألمانية، رابع أكبر مورد للغاز الطبيعي لتركيا، بيع وحداتها الخاصة بالتوزيع بعد تضررها من ضعف الليرة.
 ماراثون الانتخابات استنزف بشدة الميزانية، والتدفق النقدي للمؤسسات الاقتصادية الحكومية، في الربع الأول من هذا العام.
وكالة رويترز ذكرت أن هناك حاجة إلى زيادة أسعار الغاز بنسبة غير معقولة إطلاقا، تصل إلى 60%، لتساوي أسعار شراء وبيع الغاز من الشركة الوطنية بتركيا "بوتاش". 
خاصة أن بوتاش تدعم أسعار الغاز بميزانية إضافية ليصل للمستهلك العادي والمؤسسات الصناعية بسعر مناسب، وأن ارتفاع الأسعار مؤخرا كان له تأثير خطير على وضعها المالي ، وفقا لتصريحات أحد المسؤولين الأتراك لرويترز .
 
إردوغان يتسول
وكالة رويترز اعتبرت عبارات التوبيخ التي تلقاها رجب إردوغان من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بشأن أسعار الطاقة، دليلا واضحا على خطورة الأزمة في تركيا،  عندما كشفت عن واقعة توسل الرئيس التركي لنظيره الروسي، خلال اجتماع لهما في روسيا يوم 8 أبريل، لمنح أنقرة تخفضيًا على أسعار صادرات الغاز الطبيعي، بعد هبوط الليرة، والذي تسبب في ارتفاع تكلفة مشتريات تركيا من الجانب الروسي.
ويبدو أن الطلب التركي أثار استياء بوتين، وحسب الكاتب في صحيفة "يني تشاغ"، أحمد تاكان، فإن بوتين أعرب عن ضيقه من إردوغان، خاصة أن هدف اللقاء كان لبحث اتفاقية حصول تركيا على منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطورة S400.
وكشف تاكان عن تعرض رجب لحرج بالغ، عندما رد عليه بوتين بحدة، قائلا:"نحن نعطي تركيا ضمان استمرار تدفق الغاز الطبيعي إليها، نحن نحاول إدارة الأمور فيما يتعلق بعدم الاستقرار في مدفوعاتكم، إن أسعارنا وفقاً للأسعار العالمية، لا تطلبوا منا أي تنازلات فيما يتعلق بالأسعار، لا تفتحوا هذا الموضوع أمامي مرة أخرى، لا تجعلوا تلك الموضوعات في مستويات الموضوعات السياسية، فلتذهب الشركة المستوردة لديكم وتتفاوض مع شركتنا غاز بروم".
 
تعتبر روسيا هي أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى أنقرة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على واردات موسكو لتلبية احتياجاتها، وتمثل ثلاث دول رئيسة هي روسيا وإيران وأذربيجان، 85% من واردات تركيا من الغاز الطبيعي، من خلال اتفاقيات طويلة المدى، عن طريق خطوط أنابيب.
وارتفع سعر إمدادات الغاز الطبيعي للاستخدام الصناعي نحو 50% إجمالا، وهو ما أضر بمستخدمي الغاز للأغراض الصناعية على نطاق واسع.
وساهمت روسيا وحدها، بنسبة 47% من واردات تركيا من الغاز الطبيعي العام الماضي، والتي بلغت 50 مليار متر مكعب.
 
ارتفاع أسعار الوقود 
الأزمة الاقتصادية التركية تسببت في زيادة أسعار الوقود والبنزين، آخرها أقر في الشهر الجاري، حيث ارتفع سعر البنزين 6 قروش، فزاد من 6.97 ليرة إلى 7.03، فيما ارتفع الديزل من 6.37 إلى 6.43 ليرة للتر.
ويبلغ سعر لتر البنزين 600 دولار بالأسواق الدولية، في حين يبلغ سعر الدولار 5.45 ليرة، لذلك يتسبب هذا الوضع في فرض زيادة جديدة على الأسعار، وعقب هذه الزيادة سيصل سعر لتر البنزين في إسطنبول إلى 6.60 ليرة.
وتعتبر الزيادة الأخيرة هي السابعة منذ مطلع العام الجاري، والثالثة خلال العشرين يوما الماضية، بعد زيادتين فرضتهما حكومة إردوغان، نهاية فبراير الماضي، ومطلع مارس الماضي.
في الـ 18 من فبراير الماضي شهدت أسعار البنزين في تركيا زيادة بمقدار 27 قرشا، وقبلها بأسبوعين في الـ5 من الشهر ذاته، فرضت زيادة بمعدل 6 قروش على اللتر.
 
يذكر أن السلطات التركية رفعت سعر البنزين بنحو 17 قرشا، و18 قرشا للديزل، في الـ8 من يناير الماضي، وبعدها بأسبوع واحد، وتحديدا في الـ15 من الشهر ذاته، شهدت أسعار المحروقات زيادة بمقدار 20 قرشا للديزل، و16 للبنزين.
وبذلك تصبح تركيا واحدة من أغلى دول العالم في أسعار البنزين، وبالنظر إلى مستويات الدخل تعتبر الأغلى عالميا.
تعيش حكومات إردوغان كل هذه الأزمات رغم إعلان وزير الطاقة والموارد الطبيعية، فاتح دونماز، عن اكتشاف 3 حقول في ولايتي ديار بكر وسيعرت، وأن معدل الإنتاج اليومي منها، سيصل إلى 1650 برميلا، وتأكيده على أن إنتاج شركة البترول التركية تجاوز الـ47 ألف برميل يوميًا، حيث أرجع المسؤولون الأتراك الزيادة بخفض إنتاج أوبك، والعقوبات الأمريكية على فنزويلا وإيران.
 
محاولات بائسة
في محاولة من الحكومة التركية لتدارك الأزمة، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة غير المتجددة، أطلقت مشروع مناقصات "منطقة مصادر الطاقة المتجددة" مقابل 1000 ميجاواط من الطاقة الشمسية عام 2017، لتشجيع إنتاج الطاقة الشمسية، والذي تخلف أمام موارد الطاقة المتجددة الأخرى، خاصة طاقة الرياح.
لكن بحسب بيانات  مجلة"windpowermonthly" المتخصصة في الطاقة، فإن هناك مشروعات طاقة متجددة حصلت على تراخيص مبدئية نهاية عام 2017، تواجه مصيرًا مجهولا بشأن تنفيذها.
أندي أرانيتاسي، أحد كبار المصرفيين في البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، أكد أن هناك حزمة صعوبات تواجه تنفيذ مشروعات طاقة الرياح، تتمثل في كيفية تدبير التمويل اللازم لها، بعد أن أًصبحت تكلفة القروض مرتفعة للغاية، لاسيما أن الشريحة الكبرى من تمويل هذه المشروعات يتم توفيرها عادةً من البنوك التركية، وليس بنوكًا خارجية.
وأَضاف أرانيتاسي للمجلة الدولية، أن ارتفاع تكلفة الرسوم الجمركية المدفوعة بالدولار الأمريكي، نتيجة انخفاض الليرة بالتزامن مع تفاقم التضخم، تشكل مصدر قلق لعمليات تشغيل أصول الطاقة المتجددة في تركيا.
وأشار إلى أن أزمة ارتفاع تكلفة التمويل تدفع المستثمرين نحو تحمل أعباء تدبير التمويل عن طريق المصادر الذاتية، حتى يتحقق عائد مناسب لمشروعات طاقة الرياح.
 
جوخا بايكام، العضو المنتدب لشركة ريلايت كابيتال، أبدى استياءه من المشكلات الناجمة عن تقلبات العملة التركية وارتفاع الفائدة، ما أدى إلى مواجهة مشاكل في تمويل مشروعات الرياح الجديدة.
وقد خفضت المؤسسة الاقتصادية الدولية "فيتش سولويوشن" توقعاتها لنمو طاقة الرياح والطاقة الشمسية على المدى القريب، ما يكشف عن أن عددا أقل من المشروعات سيتمكن من تدبير التمويل.
وعلق كريستيان يوهاس، المدير العام لشركة ريست للاستشارات المتخصصة في مجال الطاقة، على الصعوبات التمويلية، قائلا: "إننا رصدنا تأخرا خطيرا في مراحل مشروعات طاقة الرياح بسبب نقص السيولة".
وأوضح أن الشركات القابضة التي تدير مناطق توزيع الكهرباء في حاجة ماسة أيضًا للسيولة، نظرًا لأنها تحقق عائدات بالعملة المحلية، في حين تحتاج إلى سداد التزاماتها من القروض بالدولار أو اليورو، وهو ما دفع عددا غير قليل منهم إلى عرض مزارع الرياح للبيع.
الحكومة التركية حاولت أيضا تقليل تصديرها للكهرباء في محاولة لتوفير الكمية اللازمة للاستخدام المحلي.
بحسب الأرقام الرسمية تركيا كانت تصدر الكهرباء بمقدار 3 مليارات و73مليونا و602 ألف كيلوواط/ساعة، لكن انخفض هذا الرقم العام الماضي  بنسبة 6,86% ليبلغ 3 مليارات و300 مليون و95 ألف كيلوواط/ساعة.
ودخل اقتصاد تركيا مرحلة الركود بعد هبوط قيمة العملة الوطنية بشكل كبير أمام الدولار من العام الماضي، وحتى الآن، مما ساهم في ارتفاع أسعار الواردات، لاسيما المتعلقة بقطاع الطاقة.
وتوقع صندوق النقد الدولي، هذا الشهر انكماش الناتج المحلي الإجمالي لاقتصاد تركيا بالأسعار الجارية، بنسبة 2.5% خلال العام الجاري، مقارنة مع نمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.6% في 2018.

Qatalah