يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يعد الأسطول العثماني دليلا على خيبة الأتراك في ركوب البحر، حيث تعاقب الأجانب على قيادته طوال 400 عام، ولم يفلح الأتراك في الإمساك بالدفة إلا مرتين فقط، وكانت الهزيمة مصيرهم في كل مرة، فيما كان العرب ومن وصفوهم بأنهم "علوج أوروبا" من معتنقي الإسلام هربا من العبودية، أسياد البحر.
لا يشهد التاريخ على أي انتصار لقائد عثماني في البحار، وجل ما أجادوه يتلخص في أعمال القرصنة على بسطاء السواحل الأوروبية العزل، وحين تولى التركي علي باشا قيادة الأسطول في معركة ليبانت عام 1571 مني بهزيمة نكراء لم ينج منها إلا القائد الأوروبي العلج علي.

الترك يخشون البحر
لم يكن العثمانيون أهل بحر، وانحسرت قوتهم في الغزو البري، وهي عادة القبائل الهمجية التي لا تجيد إلا الإغارة والعدوان، فيما يتطلب ركوب البحر مهارات فلكية وعلما بأحوال الطقس وأيادي مهرة لبناء السفن وتجهيزها، وكلها أمور غابت عن الترك.
عرف العثمانيون البحرية بفضل السفن التي نهبوها من الإمارات السلجوقية في الأناضول، ولم تكن لهم تجارب سابقة في البحار، فسخروا كل الأمم الخاضعة لهم في اليونان وإيطاليا والبلاد العربية لخدمة الأسطول، لم يتسلم القيادة من العثمانيين الأتراك إلا اثنان: الريس بيري من غاليبولي وسيدي علي المولود في سينوب على البحر الأسود.

صنيعة القراصنة
بدأت قوة الأسطول العثماني في البحر المتوسط حين انضم إليه قراصنة الجزائر الذين برعوا في أعمال السلب والنهب، ويقول حنيفي هلايلي في كتابه "بنية الجيش الجزائري خلال العصر العثماني": "كانت آفة الأسطول تتمثل في قلة خبرة القباطنة الذين تولوا القيادة بعد خير الدين إذا استثنينا علج علي".
لم يكن خير الدين ولا علج علي من الأتراك، وحين هاجم العثمانيون البحر الأدرياتيكي عام 1571 كان قائد الأسطول إنكشاريا يدعى علي باشا، رفض نصيحة الريس علج علي بعدم المبادرة بالهجوم على الأسطول الأوروبي المشترك في موقعة ليبانتو الشهيرة.
تسببت قيادة علي باشا في هزيمة ساحقة للأسطول العثماني، ولم ينج من المعركة سوى عدة سفن كانت تحت قيادة علج علي الأوروبي، كما جاء في كتاب "قليج علي باشا ودوره في البحرية العثمانية".
لم تكن الإنكشارية مؤهلة للقتال في البحر، ورغم ذلك ساوموا قراصنة غرب المتوسط على الانضمام إليهم في الغزوات البحرية، ويقول وليد خينش في كتابه "المؤسسات في الجزائر أواخر العهد العثماني": "كان الإنكشاريون والعثمانيون مكروهين بشدة من قراصنة البحر".
انضم القراصنة الجزائريون إلى الأسطول بزعامة الريس عروج وأخيه الريس خير الدين بربروس، وكانا يعملان في خدمة السلطان المملوكي قانصوه الغوري، ثم انتقلا لخدمة السلطان العثماني سليم الأول بعد احتلال مصر عام 1517.
أسند السلطان العثماني قيادة الأسطول إلى القرصان اليوناني درغوث، الذي انتقل من العمل الخاص إلى خدمة الدولة، وكان أشهر القراصنة في غرب المتوسط، هكذا كان أمر الأسطول العثماني في يد القراصنة، الذين وجهوا إمكانياته في خدمة عمليات النهب والسلب بدلا من حماية الشواطئ من العربدة الأوروبية.
ويعود الفضل للقراصنة في تزويد الأسطول العثماني بأحدث السفن والمعدات والأسلحة، عن طريق الهدايا التي تلقوها من الأوروبيين لاتقاء شرورهم، وعلى رأسهم الدنمارك وإنجلترا وهولندا والسويد، فيما أبت إسبانيا والبرتغال إلا المقاومة، وشنت حربا ضد بربرية القراصنة في الأسطول العثماني.

العلوج سادة البحار
أطلقت كلمة علوج على المسيحيين الذين دخلوا الإسلام هربا من العبودية وليس اقتناعا، للدلالة، بعد أن نشطت عمليات القرصنة العثمانية على السفن والسواحل الأوروبية، لجلب الأسرى والعبيد للخدمة في الأسطول، لكن بعضهم نجح في التخلص من عبوديته للإمساك بالدفة.
كانت الفرصة متاحة أمام الموهوبين من الأسرى للترقي في الأسطول بسبب فشل الأتراك في البحر، ودخل العديد من الأسرى الإسلام للتخلص من حياة العبودية، وكان من بينهم شاب إيطالي تعرض للأسر عام 1520، حسب كتاب "قليج علي باشا ودوره في البحرية العثمانية".
قيد القراصنة الشاب للتجديف في سفينة الريس علي أحمد، رئيس البحرية الجزائرية التابعة للأسطول، وظل مقيدا 14 عاما، وتعرض لأسوأ معاملة من قبل الأتراك، حتى أعلن إسلامه متخذا اسم علج علي.
لاحظ رئيس السفينة الجزائري قوة شخصية علج علي، وخلصه من حياة العبودية، وبدأ الشاب الإيطالي "المسلم" يترقى في البحرية حتى صار "ريسا" لإحدى السفن، وبدأ في الاحتكاك بالريس درغوث الذي أعجب به، فأسند إليه إيالة الجزائر وأخيرا قيادة الأسطول.
قدم علج علي خدمات جليلة للأتراك، وأنقذ ما تبقى من الأسطول العثماني في موقعة ليبانتو عام 1571، ثم أشرف على إعادة بنائه ثم تولى قيادته وحقق إنجازات عسكرية لم يعدها الأتراك.
اشتهر العلوج بدورهم البارز في البحرية التركية، وتولى الريس سليمان الخادم قيادة الأسطول العثماني في المحيط الهندي، وهو يوناني الأصل اعتنق الإسلام للخدمة في البحرية المملوكية في مصر قبل الانتقال إلى خدمة السلطان العثماني.

الريس صالح المصري
برع العرب في قيادة الأسطول العثماني رغم اضطهادهم من قبل الأتراك، وكان أبرزهم الريس صالح المصري المولود في الإسكندرية، والذي حرر بجاية الجزائرية من الإسبان عام 1555، كما اشتهر العربي الجزائري الريس حميدو بن علي، بشجاعته وذكائه، وصعد نجمه في البحرية العثمانية، حتى شغل منصب أمير البحر في مطلع القرن التاسع عشر.
وأدى اعتماد العثمانيين على علوج أوروبا في قيادة الأسطول إلى تراجع دور التجار المسلمين في المتوسط لصالح تجار المدن الإيطالية، وتنامي قوة البحرية الأوروبية في غفلة من الترك حتى نجحوا في غزو الجزائر ومصر وبلاد المغرب والشام عن طريق البحر.

Qatalah