يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


العلاقات التاريخية بين تركيا وروسيا، من الصعب التنبؤ بمساراتها، منذ صراع الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية، وحروبهما المدمرة في القرن التاسع عشر، التي انتهت بتحلل الإمبراطوريتين خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، وتحولهما إلى دولتين جديدتين (الاتحاد السوفيتي، الجمهورية التركية)، وظلت الخلافات قائمة، بعد انضمام تركيا إلى حلف الناتو، واستمرار روسيا على رأس حلف وارسو، قبل أن تشهد المرحلة الحالية حالة تقارب "براجماتية" بين أنقرة وموسكو.

لم يكن ليخطر مطلقًا على بال مُزارع الطماطم كمال يلماز الذي انهارت تجارته عام 2015، أن تتطور علاقة رئيس تركيا رجب إردوغان، بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، إلى الدرجة التي باتت معها تركيا على باب الخروج من حلف شمال الأطلسي "الناتو"، على إثر إتمام صفقة منظومة الأسلحة الروسية S-400.

مُزارع الطماطم، تعود أصوله إلى مدينة أنطاليا الواقعة على ساحل البحر المتوسط، كان قبل عام 2015، يُصدّر نحو ثلث محصوله إلى روسيا، لكن تداعيات إسقاط الطيارين الأتراك مقاتلة روسية بالقرب من الحدود السورية، تسببت في تعرض مزرعته لفاجعة كبرى، حين وصل الخلاف بين أنقرة وموسكو إلى قيام بوتين بفرض حظر تجاري فوري على تركيا، طال مجموعة متنوعة من الصناعات من السياحة إلى الطاقة، لكن أحد أكثر التدابير العقابية إيلامًا كان الحظر التام على واردات الطماطم التركية.

صحيفة "التايمز" البريطانية، أشارت في تقريرها الخميس، أن الفوضى التي أعقبت حادثة إسقاط الطائرة الروسية، كشفت عن مهارة ودهاء بوتين الذي نجح في دفع رئيس دولة عضوًا رئيسيًا في الناتو، إلى الانقلاب على حلفائه الغربيين وضم أنقرة تحت جناحي موسكو في أقل من عام.
الصحيفة البريطانية، أكدت أن قادة أوروبا وواشنطن لم يتخيلوا مطلقًا أن أزمة المقاتلة الروسية ستتسبب في تقوية العلاقات الروسية - التركية، بينما كانوا يراقبون المقاطعات الانتقامية المؤلمة التي فرضها بوتين في بادئ الأمر على اقتصاد أنقرة.

مقاطعة روسية
العام الذي سبق تحطم الطائرة الروسية، اشترت موسكو طماطم بحوالي 209 مليون جنيه إسترليني من المزارعين الأتراك، وهو ما يمثل 70% من صادرات الطماطم التركية، قبل أن تؤدي مقاطعة الكرملين إلى غرق الأسواق التركية بالطماطم، ما تسبب في انخفاض أسعارها المحلية، ليبدأ يلماز وزملاؤه في ترك شاحنات الطماطم على الطرق، وقام رئيس بلدية مدينة أكسو بقيادة "جنازة" نعش مليء بالطماطم.
يلماز، البالغ من العمر 35 عامًا، قال لـ"تايمز" :"أعادت روسيا الطماطم التركية، ثم بدأ الشعب التركي بالتذمر، أدرك الناس إن إغضاب روسيا سيؤثر عليهم".

خلال الخلاف الذي دام سبعة أشهر بين البلدين بعد إسقاط المقاتلة الروسية، أثبت بوتين مدى قدرته على ممارسة الضغوط على أنقرة، فيما اعترف وزير تركي بأن الأزمة كبّدت البلاد ما لا يقل عن 7.25 مليار جنيه إسترليني، قبل أن ينفض النزاع بين أنقرة وموسكو، وفقًا لشروط بوتين، الذي كان سعيدًا لأن مزارعي الطماطم وغيرهم صبوا غضبهم على أنقرة، وليس موسكو.

الانقلاب على الغرب
الُصلح بين تركيا وروسيا في يونيو 2016، دفع بوتين إلى سحب التدابير الاقتصادية العقابية، بهدف جذب رئيس تركيا رجب إردوغان، إلى صف روسيا، كما استغل الأحداث السياسية، لخلق الانقسام بين أعضاء حلف الناتو.
وفقاً لـ "التايمز"، فإن محاولة الانقلاب المزعومة الفاشلة، التي وقعت بعد نهاية الخلاف بثلاثة أسابيع، وتباطؤ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في تقديم الدعم لتركيا، أتاحت لبوتين الفرصة لتقديم نفسه كضحية  - كما يرى إردوغان نفسه - للنفاق والهجران الغربي.

وعندما بدأت أمريكا بالانسحاب من سورية، تشاركت روسيا وتركيا مع إيران لفرض السيطرة، ورغم أنهم يدعمون أطراف متنازعة في الصراع، فإن عملية السلام في أستانا التي أطلقوها أوائل 2017 تتفوق حاليًا على محادثات جنيف التي تدعمها الأمم المتحدة، باعتبارها المنتدى الرئيسي للحوار بين نظام الأسد والمعارضة.
المحلل المختص بالشأن الروسي والإسلام السياسي رحيم رحيموف، أكد أن بوتين استغل نقاط الضعف في علاقات أنقرة مع الولايات المتحدة وأوروبا، لافتًا إلى أنه برغم أن العديد من القوميين الروس لا يثقون بتركيا، إلا أن الروس يسعدون عمومًا بالعلاقة بين البلدين، لأنها تُظهر قوة بلادهم وقدرتها على اختراق عضو في الناتو ومجال النفوذ القديم للغرب.

إتمام أنقرة صفقة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية S-400، وضع إردوغان في "موقف حرج"، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء الماضي، أن أنقرة باتت محظورة من برنامج المقاتلة F-35 الخاص بالناتو.
مدير مشروع تركيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، بولنت علي رضا، قال للصحيفة البريطانية، إنه على الرغم من أن العقوبات الأمريكية قد تتبع هذا القرار، إلا أن برنامج تصنيع المقاتلات الأمريكية هو أكبر المتضررين، وأضاف :"يمثل التعاون العسكري صميم العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا، القوات الجوية التركية تستخدم المقاتلات الأمريكية منذ عام 1952، وتحولها إلى نظام آخر سيكون صعبًا، من الممكن إصلاح العلاقة المتوترة، لكن يزداد الأمر صعوبة مع كل تباعد واختلاف".

عداء واشنطن
إردوغان ووسائل إعلامه، يقدمون عملية شراء منظومة الصواريخ الروسية على أنها خطوة دفاعية، حيث كتبت إحدى الصحف التركية في صدر صفحتها الأولى "الآن أصبحنا أكثر أمانًا"، تزامنًا مع تسلم أنقرة الدفعة الأولى من المعدات الروسية الأسبوع الماضي، كما يتهم الرئيس التركي، الولايات المتحدة بإيواء مدبري محاولة الانقلاب المزعوم، بينما يزعم أن روسيا ساعدت أنقرة في فك الرسائل المشفرة لجمع أدلة هامة حول المتآمرين.
دراسة أجرتها جامعة قادر هاس في إسطنبول، بشأن تصورات الأتراك لمختلف قضايا السياسة الخارجية، تظهر إلى أي مدى تراجع الرأي العام التركي إزاء واشنطن، ففي 2015 اعتقد 31.5% من الأتراك أن الولايات المتحدة تمثل "تهديدًا" لتركيا، وفي الاستطلاع هذا العام ارتفع هذا العدد إلى 81.3%.

غسيل المخ
الصحيفة البريطانية، ترى أن مشاعر الأتراك تجاه روسيا ليست أكثر دفئًا، رغم الجهود التي بذلها الكرملين لكسب ودهم.
وكالة الأنباء الروسية "سبوتنيك"، التي كانت محظورة في تركيا أثناء أزمة إسقاط الطائرة، أعيد فتحها بعد يوم من الصُلح، وتنشر الوكالة في نسختها التركية في الوقت الراهن تقارير غير خاضعة للرقابة حول قضايا كانت ذات يوم مثار خلاف بالنسبة للصحافيين الأتراك للحديث عنها، ومن بينها تقارير عن الأكراد وحرية الصحافة، الحريات التي مُنحت للوكالة الروسية تشكل تكتيكًا جذب العديد من الأتراك الشباب المتعطشين للأخبار، رغم أن الوكالة واضحة تمامًا بشأن أهدافها الموالية لبوتين.

ورغم ذلك، فإن 20.3% فقط من الأتراك الذين شملهم استطلاع جامعة "قادر هاس"، ينظرون هذا العام إلى روسيا باعتبارها "صديقة" لتركيا، في حين أن 44.2% يعتبرونها "تهديدًا"، حتى أكثر مما كان عليه الأمر في ذروة أزمة المقاتلة الروسية.

علاقة طويلة الأمد
وفيما أقام مزارعو الطماطم، المقيّدون بحدود التصدير التي وضعتها روسيا بعد الصُلح، علاقات جديدة مع أسواق أجنبية أخرى، أكدت "التايمز" أنه من غير المرجح أن يتجاهل إردوغان صديقه المقرب الجديد، بوتين، حتى لو كانت بلاده لا تشاطره نفس حماسه.

جوناي يلديز، الخبير في الشأن التركي في معهد الشرق الأوسط، في حديثه للصحيفة البريطانية، قال :"إن أنقرة لن تخاطر بعلاقاتها مع الولايات المتحدة وحلف الناتو من أجل مغامرة قصيرة الأجل"، وأضاف :"إردوغان يرغب في أن ينظر الأتراك إلى هذه المرحلة باعتبارها اللحظة التي تتحرر فيها تركيا من حدود كونها بلد منبوذة لتصبح دولة مستقلة، لاسيما فيما يتعلق بقدراتها الدفاعية، نظام أردوغان وعد الشعب بأن تصبح بلادهم دولة أقوى بكثير وطرف إقليمي أكثر نفوذًا وتأثيرًا".

 

Qatalah