يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ضرب إردوغان بفتاوى تحريم أوراق لعب القمار "اليانصيب" عرض الحائط، أملا في تعويض أزمة الليرة، وإنعاش الاقتصاد بعائدات تلك الأوراق، وكشفت تقارير حكومية عن أن تركيا جمعت 5 مليارات دولار في 5 سنوات من هذه التجارة، إضافة إلى 5 مليارات أخرى نتيجة الاتجار غير الشرعي فيها (بعيدًا عن الدولة).

ذكرت إحصاءات البنك المركزي التركي أن إيرادات إدارة "اليانصيب الوطنية" المعروفة في تركيا بـ"ميللي بيانغو"، حطمت أرقامًا قياسية العام 2017، وبلغت عائداتها 1.1 مليار دولار، على الرغم من تحريم التعامل بها من قبل دار الإفتاء التابعة لرئاسة الشؤون الدينية التركية.

وأفتت الشؤون التركية في ديسمبر 2017، بحرمة جميع أنواع ألعاب الحظ بما فيها قرعة "يانصيب"، وقالت: "شراء تلك البطاقات والرهان عليها حرام شرعا، لكونها مقامرة"، وتابعت: "هي فوز ومكسب لأحد الأطراف دون وجه حق". 

تجاهل الفتوى
لمديرية العامة لإدارة اليانصيب الوطنية الرسمية، أول من صمت آذانها عن الفتوى، ففي أواخر العام 2017، قالت إن الجائزة الكبرى للفائز بـ"سحب اليانصيب" في ليلة رأس السنة ستبلغ 61 مليون ليرة أي ما يعادل 16 مليون دولار.

بالغت المديرية في الاحتفاء بالحدث، قالت: "ستذاع القرعة على قنوات التلفزيون الرسمي"، وأشارت إلى أن الجائزة ستزداد كل عام، وأنها وصلت خلال العام 2016 إلى 55 مليون ليرة، مقارنة بـ 50 مليونا في العام 2015. 

كما تعهد وزير المالية، ناجي أغبال، بزيادة جاذبية "اليانصيب" بتقنين أوضاعها، للحيلولة دون لعبها عبر الطرق غير القانونية، مشيرا إلى وجود تنظيمات إجرامية داخل وخارج تركيا تدفع الأشخاص إلى الرهان من خلال إنشائها مواقع إلكترونية افتراضية. 

نشر موقع "دمقراسي 44" تقريرًا، مطلع العام الجاري، أوضح فيه أن المكاسب التي تجنيها الحكومة التركية جراء اليانصيب وألعاب الحظ تساهم في تعافي الاقتصاد، وقال الموقع إن الحكومة فتحت الباب على مصراعيه أمام ألعاب الحظ واليانصيب رغم فتوى الشؤون التركية بحرمتها، وذلك لحاجتها الشديدة للأموال خاصة في ظل الميزانية الكبيرة التي تخصصها لحروبها خارج حدودها مثل عفرين السورية. 

هوس الأتراك
سلطت صحيفة "ميللي جازيته" التركية الضوء على هوس المواطنين الأتراك بشراء ورق اليانصيب، واتهمت الحكومة بأنها السبب الرئيس وراء ذلك، وأن السياسات الخاطئة تدفع الشعب إلى تعليق آماله على اليانصيب، ولعب القمار لتحسين وضعه الاقتصادي بالوسائل السريعة، في أقصر وقت ممكن. 

تقرير جمعية المصنعين المعلوماتيين الأتراك (TÜBİSAD) كشف في مايو 2017، عن زيادة ملحوظة في عمليات التجارة الإلكترونية في أوراق "اليانصيب" بلغت نحو 24% خلال عام 2016، وأن 10% منها تم تسجيله من مواقع القمار والمراهنات.

2.6 مليار بطاقة
يكشف تقرير جمعية المصنعين المعلوماتيين عن عدد البطاقات التي طرحت من قبل الإدارة القومية منذ العام 2003 حتى الآن. تقول إنها بلغت 30 مليارا و383 مليونا و239 ألف بطاقة، وأن العدد المستخدم بشكل قانوني في ظل حكومة حزب "العدالة والتنمية" وصل إلى 34 مليارًا أي ما يعادل 2.6 مليار في العام الواحد.

هوس الأتراك بأوراق "اليانصيب"، دفع النائب المعارض عن حزب الشعب الجمهوري سيزجين تانري إلى التقدم باستجواب للبرلمان التركي في ديسمبر 2017 يتساءل عن مقدار ما جنته حكومة "العدالة والتنمية" على مدار 15 عامًا من ألعاب الحظ واليانصيب؟. وقال: ما الدافع وراء ترويج الحكومة الكبير لهذه الأوراق، دون اعتمادها على مشاريع تحسن الأوضاع الاقتصادية المتردية؟. 

نعمة أبلة

ولا يكاد يخلو ميدان في تركيا من متاجر بيع بطاقات اليانصيب، وتتولى البلديات الإشراف عليها، ما يعكس حرص الحكومة على تنظيم تلك التجارة المحرمة، وتقول صحيفة ملييت إنه بمجرد ذكر "اليانصيب" يأتي فورا في عقل الأتراك "نعمة أبلة" وهو المكان الأشهر لبيعها على الإطلاق.

بدأت نعمة أبلة ببيع بطاقات اليانصيب مع زوجها إسماعيل عام 1928 من خلال متجرهم المتخصص في بيع التبغ، والسبب في شهرتها هو فوز إحدى البطاقات التي باعتها لأحد الأتراك بالجائزة الكبرى التي بلغت وقتها لـ 100 ألف ليرة في ليلة رأس سنة 1931، ومنذ ذلك الوقت بدأ اسمها في الانتشار على صفحات الجرائد.

منافذ "نعمة أبلة" في إسطنبول تبيع بطاقات اليانصيب في جميع الأوقات، حتى في أسوأ الظروف الجوية، ووفرت خدمة البيع الإلكتروني عبر موقع رسمي يحمل اسمها، فيما يدعي موقع تاريخ توبلوم التركي أن عائدات بيع بطاقات اليانصيب يتم تخصيصها لبناء المدارس ومدن الطلاب والمشافي وحتى لتدشين المؤسسات الدينية، ويقول الموقع: "البطاقات يتم تداولها منذ الدولة العثمانية، وبدأ الاهتمام الشعبي بها بعد عام 1950 نتيجة التضخم الاقتصادي".

ولع الأتراك بالحصول على البريمو في بطاقات اليانصيب، لم يتوقف على عامتهم فقط، بل وصل إلى كبار رجال الدولة، فنشرت صحيفة حرييت خبرا حول فوز أول رئيس وزراء لتركيا، هو عصمت باشا، بالبطاقة الذهبية العام 1968 بقيمة وصلت إلى 50 ألف ليرة تركية. 

النهايات الحزينة
من الطبيعي أن يكون فقدان العثور على البطاقة الذهبية سببًا في جملة من مآسي الأتراك، خاصة ممن كانوا يحلمون بتغيير مجرى حياتهم بعد الحصول عليها، لكن أن تتحول حياة شخص إلى جحيم، لكونه حصل عليها؟ هنا يكمن العجب كله!.

يحكي موقع هابر7 قصصا لأشخاص فازوا بجائزة اليانصيب، لكن المفارقة أن حياتهم دمرت بشكل كامل على عكس ما كانوا يتوقعون.

مصطفى صافجان.. المحظوظ السفيه
حالفه الحظ لأربع مرات، ليفوز ببطاقة "اليانصيب" الذهبية، كان العام 1979 هو موعد اقتناص أول ورقة رابحة في حياته. حصل فيها على مبلغ قدره 100 ألف ليرة تركية، ثم ربح للمرة الثانية العام 1982 بجائزة اليانصيب الكبرى وقدرها 30 مليونا، ثم فاز بـ15 مليونا العام 1984، و2 مليون العام 1987.

توفي صافجان العام 2014 في منزل أحد أقاربه وهو في حالة فقر شديد، وكان يعمل في صباغة الأحذية ولم يتبق معه أموال رغم حصوله على نحو 50 مليونًا من أموال اليانصيب. 

يحكي مصطفى أنه عندما ربح جائزة اليانصيب الكبرى أراد أن يطلق زوجته، وقال: "لم أر خيرا من هذه الأموال، أنفقتها بسفه نكاية في زوجتي، كنت أنفق مرتب 15 موظفًا في شهرين، وقمت بإرسال زوجتي إلى أمها بعد الانفصال عنها"، تابع: "خسرت كل شيء، حتى أنني قمت ببيع جميع أثاث المنزل، وعدت إلى إسطنبول بحثا عن وظيفة، اشتغلت في الحراسة الليلية وصباغة الأحذية في حي جغال أوغلو".

إفلاس أحمد صاري
فاز صاري في السحب الذي أُجري ليلة رأس سنة 1946، وكان يقيم وقتها في قرية أكيارما التابعة لبلدة "كارا حصار" بمدينة "أفيون"، عاش حياة مرفهة بالأموال التي فاز بها، لكن لم يكن في أموال اليانصيب خير، أفلست تجارة الأغنام التي اشتغل بها، واضطر إلى الانفصال عن زوجته بعد انتهاء الأموال، إلى الدرجة التي بدأ يطلب فيها العون والرعاية من الآخرين، فأصبح عبئًا عليهم، فأدخله حفيده دارًا لرعاية المسنين. 

يقول صاري: "أنا مقيم في الدار منذ أربع سنوات، لم يعد لي أي شخص بالخارج". 

صاري أوغلو.. المليونير المفلس
كان يعيش بهدوء في قرية تيركاز، ببلدة ساراي كوي في ولاية دنيزلي، قبل أن يقرر شراء بطاقة اليانصيب قبل أربعين عاما ليفوز بالورقة الذهبية، بعد حصوله على الأموال بفترة قصيرة احترق منزله من دون معرفة الأسباب، فضاعت ثروته إلى الدرجة التي لم يتمكن فيها من ترميم بيته.

اضطر أهالي القرية إلى جمع الأموال لإعادة بناء بيته، لكن عثر علي صاري أوغلو الذي لم يتزوج ولم يكن له أحد يرعاه ميتا في منزله، واتضح من تقرير التشريح الذي أجرته مستشفى ساراي كوي الحكومية أنه مات متجمدا. 

معاناة أورهان أولوصوي
تحولت حياته إلى كابوس في غضون ثلاث سنوات من حصوله على جائزة اليانصيب التي كانت تبلغ وقتها 7 ملايين ليرة في العام 1984، وعندما جرت الأمور عكس مجراها تركت ابنته المنز، وخسرت تجارته في بيع قطع غيار السيارات والحبوب.

يقول أولوصوي، الأب لـ 8 أبناء: "لم أعش حياة مريحة على الإطلاق، قال لي أحد أصدقائي، احذر من تبعات أموال اليانصيب، لم أصغ لكلامه، حتى جلبت لي المصائب".

أحمد بايرم.. المنتحر 
ظن أحمد بايرم المقيم في ولاية أرضروم أن حياته تغيرت للأحسن، لحظة فوزه ببطاقة سحب رأس السنة العام 2015، كان وقتها عاطلًا عن العمل، وأبا لتسعة أبناء. 

تصور أن السعادة فتحت أبوابها له، بعدما امتلك في يديه مليونا و250 ألف ليرة تركية، اتخذ قرارًا بتطليق زوجته بعد أن استقر في إسطنبول، وبعد أن سلم نفسه إلى الحياة الليلية، تزوج من امرأة تعرف عليها في أحد الملاهي.

أفلس بايرم، وفشل في سداد ديونه، خاف الملاحقة القضائية، والسجن بعد حياة الرفاهية التي عاشها، قرر أن ينهي حياته بهدوء، دخل حمامه الخاص وظل بداخله لفترة طويلة، فاضطرت ابنته الكبرى إلى الدخول عليه لترى أباها معلقًا على ماسورة المدفأة.

Qatalah