يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يتوغل كسرطان، ويلدغ كعقرب، يرتدي قناع المسالم مرة، ويكشر عن أنيابه مرات، فإذا به يؤيد مذابح الأرمن، ويعلن الحرب على الأكراد، إنه أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء التركي الأسبق، وظل رجب إردوغان الذي فارقه قبل عامين، قبل أن يعاود الظهور، ويخالف كل التوقعات بإعلان دعمه للسلطان، كواحد من بطانة السوء سابقة التجهيز.
 
حفر اسمه كأحد أبرز منظري التطرف في العالم، وكان واجهة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، وسببا رئيسا في تكريس سلطة إردوغان، بدأ حياته بالعمل في السلك الدبلوماسي سفيرا متجولا عام 2003، ليحمل بعدها حقيبة الخارجية، ويؤسس نظريته المخادعة "صفر مشكلات"، لكنها سرعان ما سقطت وأثبتت فشله داخليا وخارجيا.
 
جاء ورحل بانقلاب
في 10 أغسطس 2014، انتخب إردوغان رئيسا لتركيا، وكان عليه الاستقالة من رئاسة الحزب والحكومة، وكان الأقرب لخلافته عبدالله جول مع انتهاء فترته الرئاسية 28 أغسطس، لكن رجب حاك خيوط الانقلاب على جول، وعين أوغلو رئيسا للحزب والحكومة.
 
أوغلو وصل إلى رأس السلطة بعد انقلاب إردوغان على جول في أحد مؤتمرات الحزب، وبعد نحو عامين جاءه الدور ليشرب من الكأس نفسها، وقاد إردوغان انقلابا جديدا من خلال مؤتمر للحزب 28 مايو 2016، وكان هو ضحيته هذه المرة.
 
عراب الاستعمار
منذ وصول إردوغان للحكم عام 2002، ظهرت دوافعه الاستعمارية على حساب دول العالم الفقيرة، وفي سبتمبر 2018 كشفت الحكومة عن خطة "أوغلو تجاه إفريقيا"، وجاء في ديباجاتها "إذا أرادت تركيا ألا تبقى في ذيل الركب، عليها أن تغير وجهة نظرها تجاه المناطق التي لم تهتم بها بشكل كاف، وأولها إفريقيا".
 
الديباجة التعريفية للخطة كشفت أطماع إردوغان وأوغلو لنهب ثروات إفريقيا، وجاء فيها "تتمتع القارة السمراء بالأراضي الخصبة، والثروات المعدنية والنفطية، وتعتبر سوقا جيدة للمنتجات التركية والاستثمارات الناجحة، وبناء عليه فإننا نهتم بها للاستفادة من مواردها الطبيعية والاستثمار فيها".
 
اغتيال "تقسيم"
تدخل لتحييد الجيش التركي وضمان عدم تدخله في السياسة بعد أن كان في الواجهة لعقود، بذريعة أن ذلك هو أول مطالب الديمقراطية كما تصفها "معايير كوبنهاجن"، وهي مجموعة الشروط التي يجب توافرها للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي.
في يونيو 2013، خرج ملايين الأتراك للمناداة بالحرية وإسقاط حكم إردوغان، فيما عرف بـ "احتجاجات منتزه غيزي"، هنا بدأ دور أوغلو المتلون، وعمل على تحييد الشعب هذه المرة، فيما وصف ساحة تقسيم المعلم السياحي الأبرز في إسطنبول ومعقل المحتجين بأنه "أبشع ساحة في العالم".
 
أوغلو قال للصحفيين حينها :"إذا قال لي أحدهم إن ساحة تقسيم مثالية سأجيبه بأنها أبشع ساحة في العالم"، ونقلت الصحف التركية قوله: "رأيتم الساحات في البندقية وأصفهان، هل تشعرون بأنكم تسقطون من علٍ عندما تصلون إلى ساحة تقسيم؟!".
لم يفلح الرجل البالغ 59 عاما في إبعاد المتظاهرين عن ساحتهم، بل ساهم في كشف الوجه الحقيقي لـ "العدالة والتنمية"، ما أثر ببالغ السوء على صورة أنقرة لدى الغرب، وأنهى فرصها في الحصول على عضوية الاتحاد، لذا تراجع قليلا عن محاولاته الفاشلة لتزييف الوقائع.
 
فاشل وفاسد
في ديسمبر 2013، ظهرت خلافاته مع إردوغان على السطح، بعد تقديم 4 وزراء متهمين في قضية فساد كبرى إلى محكمة الديوان العليا، وادعى حينها أن التحقيق مع وزرائه كان جزءا من "محاولة انقلاب"، وبعد ذلك بعام سجل فشله في تشكيل حكومة ائتلافية بعد مفاوضات استمرت أسابيع لإيجاد حليف للحزب الحاكم.
الأوضاع في سورية كشفت الفشل الذريع لنظرية أوغلو "الصفرية" في السياسية الخارجية، وتقوم على إنهاء جميع المشكلات مع دول الجوار، وبعد أحداث 2011 رفضت أنقرة إقامة منطقة عازلة مع دمشق نزولا على رغبة واشنطن حينها، لينتهي الأمر باتهام إردوغان وحكومته صراحة بأنه الداعم الأكبر للإرهاب في سورية.
 
مؤيد المذابح
منذ توليه رئاسة الوزراء، استمات الرجل لإجهاض مطالب الأكراد، ظل يتحدث عن "السلام الدائم"، لكن سرعان ما انكشفت نواياه الخبيثة لاغتيال الكرد بعد خسارة "العدالة والتنمية" الأغلبية في الانتخابات البرلمانية عام 2015، وتحول موقفه تجاههم إلى الحرب المعلنة، وفي 25 يوليو من العام نفسه أعلن اعتقال 590 شخصا متهمين بالانتماء إلى حزب العمال.
 
في الذكرى المئوية لمذابح الأرمن على يد الترك، قال إن بلاده "تفتخر بتاريخها وأجدادها"، مدعيا أن الاتهامات التي أيدتها الأمم المتحدة بحق الأرمن مجرد "مؤامرة ضد حزب العدالة والتنمية من جبهة الشر".
في لقائه مع نواب الحزب الحاكم 24 نوفمبر 2009، قال: "ميراث العثمانيين آل إلينا، إنهم يطلقون علينا (العثمانيون الجدد)، نعم نحن كذلك، نحن ملتزمون بالدول الواقعة في منطقتنا، نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال إفريقيا، والدول العظمى تتابعنا بدهشة وتعجب".
 
الغارق في الضباب
مثل رئيسه، يغرق أوغلو حتى أذنيه في وهم إحياء العثمانلية، باستخدام شعارات "الوحدة الإسلامية" و"الخلافة"، خاصة في أوساط العرب، لذا اتجه إلى دعم فلول جماعة الإخوان الإرهابية الفارين من مصر وغيرها من دول المنطقة.
 
في كتابه الشهير "العمق الاستراتيجي" يقول: "موقع تركيا يعطيها حالة دولة مركزية فريدة تختلف عن الدول المركزية الأخرى، وبنظرة أوسع فإنها تحتفظ بالموقع الأفضل فيما يتعلق بكونها دولة أوروبية وآسيوية في آن، كما أنها قريبة من إفريقيا عبر شرق المتوسط".
ومضى يقول: "من ثم، فإن دولة مركزية تحتفظ بموقع متميز كهذا لا يمكن أن تعرف نفسها من خلال سلوك دفاعي، ويجب عدم النظر إليها كدولة جسر تربط نقطتين فقط، ولا دولة طرفية، أو كدولة عادية تقع على حافة العالم الإسلامي أو الغرب".
عندما شاهد إردوغان صعود نجم أوغلو لم يفكر لحظة في إطاحته، لأنه كان على دراية بقضايا الفساد التي تورطت فيها عائلة الرئيس، وفي ظهور نادر بعد استقالته في معرض إسطنبول للكتاب علق على السياسة التركية قائلا: "نحن نمر بمرحلة ضبابية"، معتبرا أن حكم إردوغان ينطوي على نوع من "القمع السياسي".
 
خذلان واختفاء
في يناير 2018، وبعد قرابة عامين من الإطاحة به من الحزب الحاكم، فاجأ أوغلو الجميع بالظهور داخل الحزب، وسط أنباء عن خلافات جديدة مع إردوغان، قبيل إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية يونيو 2018، البعض فسر ظهوره بأنه محاولة لدعم عبدالله جول، لكنه خذل الجميع وأعلن تأييده  لإردوغان، ليعاود الاختفاء بعدها مجددا.
أوغلو الحاصل على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم الإدارية عام 1883، بدأ مشواره عام 1990، وبرع في فنون التفاوض والمهادنة، ما جعله محط ثقة إردوغان، قبل أن ينضم لـ "العدالة والتنمية"، وفي مايو 2009 تسلم حقيبة الخارجية، وطبق مبدأه الوليد "صفر مشاكل مع دول الجوار".
انتخب نائبا في البرلمان التركي عن مدينة قونية مسقط رأسه عام 2011، ثم اختير رئيسا للجنة المركزية لـ"العدالة والتنمية"، وكلف برئاسة الوزراء في أغسطس 2014، وكان دوره الأساس هو تحييد كل من الجيش والشعب والأكراد أمام أطماع إردوغان.

Qatalah