يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يجد رجب إردوغان طريقة للخروج من الأزمة الاقتصادية إلا بالاستيلاء على أموال المعارضة، والتصرف بها كيفما شاء، في تحدٍ سافر للدستور، وهي أمنية قديمة ظلت تراوده منذ وصوله إلى سدة الحكم.
بعد أيام من إعلانه السطو على ميراث أتاتورك في بنك إيش التركي، والتي كانت موضوعة عوائدها تحت تصرف حزب "الشعب الجمهوري" المعارض للإنفاق على مركز اللغة والثقافة، يتجه إردوغان لنهب أسهم شركة "شيشا جام"، عملاق صناعة الزجاج في تركيا وأوروبا.
الاستحواذ على أسهم "شيشا جام" يعد أول تداعيات السطو على بنك إيش، حيث يساهم البنك في رأسمالها، ما يعني أن إردوغان مصر على المضي قدما في ضم تلك الأموال إلى الخزانة العامة بالمخالفة للمادة 134 في الدستور التركي.
يعتمد إردوغان الذي يعاني من تراجع شعبيته على حزب الحركة القومية، الذي سيكون حليفا لحزب العدالة والتنمية الحاكم في انتخابات البلديات مارس المقبل، في تمرير موافقة البرلمان التركي لمخططه لنهب أسهم الشركة.
تتمتع شركة شيشا جام برأسمال ضخم واستثمارات هائلة، وتعد ثالث أكبر منتج للزجاج في العالم، والأكبر في أوروبا لإنتاج الزجاج المسطح، كما أنها تنتج مليون طن سنويا عبر مصانعها في يني شهير إحدى ضواحي محافظة بورصا.

مصرف "إيش بنك"
لم تكن "شيشا جام" أول شركة يحاول إردوغان السطو على أسهمها بالمخالفة للقانون والدستور، وقال في سبتمبر الماضي إن حزبه يجهز تشريعا للاستيلاء على حصة مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك في مصرف إيش بنك المقدرة بنحو ثلث الأسهم، والتي أوصى قبل موته بأن يديرها حزب الشعب الجمهوري، على أن تذهب للصالح العام التركي ونشر اللغة والثقافة. 
وضع إردوغان إجراء نقل أسهم أتاتورك الموجودة في بنك العمل إلى خزانة الدولة ضمن جدول الأعمال للتصويت عليه في البرلمان خلال الأيام المقبلة، في خطوة سريعة لنهب أموال معارضيه وضمها إلى خزانته الفارغة.


يبلغ رأس مال "إيش بنك" الأكبر في تركيا 10 مليارات دولار، إضافة إلى شركات أخرى، وسيجني إردوغان الكثير من الربح بعد الاستيلاء على ممتلكات البنك، في خرق واضح للقوانين، استنكره فقهاء دستور بينهم وزير العدل التركي السابق حكمت سامي.
بعد الحصول على ممتلكات المصرف التركي الضخم سيكون من حق نظام إردوغان تعيين 4 أعضاء في مجلس إدارة البنك، أوصى مؤسس الجمهورية وصاحب الوصية المالية بأن يجري تعيينهم من قبل حزب الشعب الجمهوري.
تعيين الأعضاء الأربعة سيكون من مهام بيرات آلبيراق وزير المالية التركي وصهر إردوغان، باعتبار أن الخزانة العامة هي التي ستؤول إليها أسهم البنك، وفق تصريحات إردوغان نفسه، ما يمنح الحزب الحاكم فرصة كبيرة لنهب ثروات تركيا القومية.
اعتبرت صحيفة فايننشال تايمز سياسات إردوغان للاستيلاء على أموال معارضية وكسر وصية مؤسس الجمهورية التركية أمرا مقلقا للغاية، لاسيما للمستثمرين الذين أصبحوا قلقين على أموالهم وأعمالهم في تركيا، ما يقلل من فرص أنقرة في جذب الاستثمارات.
يأتي ذلك ضمن إجراءات يهدف إردوغان من ورائها إحكام السيطرة بشكل كامل على المؤسسات الاقتصادية، لاسيما تعيين نفسه رئيسا للصندوق السيادي للثروة في تركيا، وصهره بيرت آلبيراق نائبا له، وذلك من أجل التصرف بحرية في أصول وممتلكات المؤسسات التركية العامة.

الطاغية يسأل: "هل ما زلتم تقاومون؟"
صحيفة حرييت التركية أكدت أن إردوغان عازم على الاستيلاء على ممتلكات حزب الشعب الجمهوري، وخاطب قيادات الحزب المعارض قائلا "يمكن لحزب الشعب أن يقاوم، ولكن على ماذا تقاوم؟ هل ستجدي المقاومة نفعًا؟ إنهم يقاومون على شيء لا يستحقونه".


توعد إردوغان الحزب المعارض بإقصائه من أعمال التجارة بدعوى أنه "حزب سياسي"، وقال عن الأعمال المشتركة لبنك العمل في شركة شيشا جام :"إلى من سوف تعود هذه الأعمال المشتركة في النهاية؟ إلى حزب الشعب الجمهوري، وهذا يعني أن هناك حصصا يجب أن تنقل إلى خزانة الدولة بالكيفية نفسها، ونحن نعمل على هذا".
ورصدت "رويترز" مخططات إردوغان التي صرح بها كثيرا بشأن القضاء على المعارضة، معلنًا في أكثر من مرة قلقه بشأن امتلاك الأحزاب حصصا وأسهما تجارية. فيما عبر رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتشيدار أوغلو، عن رفضه خطة إردوغان للاستيلاء على ممتلكات يديرها حزبه ولا يتربح منها، قائلا  :"هذا إرث مصطفى أتاتورك، والحزب مخول وفق وصيته بإدارة هذه الحصة وبشكل محدد وقانوني ومراقب من قبل الدولة التركية".
وأشار كلتشيدار إلى أن أرباح أسهم أتاتورك في البنك والشركات التابعة له والمشارك معها "تذهب لأعمال جمعية اللغة التركية والجمعية التاريخية التركية، وهما جمعيتان أقيمتا بمبادرة من أتاتورك في الأيام الأولى من الجمهورية، بهدف نشر المثل القومية التي لطالما أمن بها، لا إلى مصالح الحزب وأتباعه".

Qatalah