يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أخذت الدولة العثمانية بنظام الخصاء في قصور السلاطين، على الرغم من تحريم الشريعة الإسلامية للأمر، لكن آل عثمان ضربوا عرض الحائط بتعاليم الدين الحنيف، وارتكبوا جريمة الخصاء غير الإنسانية بحق آلاف الأبرياء، لحماية غرف الحريم والجواري، لكن السحر انقلب على الساحر، وتحول ضحايا هذه الجرائم من الخصيان لقوة ضاربة تلاعبت بسلاطين آل عثمان، وقضت عليهم، وقد أصبح أغا الخصيان أهم ثالث شخصية في الدولة العثمانية بعد الصدر الأعظم ، ومفتي السلطنة.
يقصد بالخصيان طائفة من العبيد البيض والسود، كانت الدولة العثمانية تلحقهم بخدمة الحريم السلطاني في قصور الحكم، وقبل أن يباشروا أعمالهم كان يعهد إلى البعض بإجراء عمليات الخصاء لهم، بهدف القضاء تماما على قدرتهم الجنسية، فيكون السلطان مطمئنا إلى سلوك أولئك الخصيان عندما يختلطون بزوجاته وجواريه وأميرات الأسرة الحاكمة.
يذكر المؤرخ العثماني عطا طيار زاده أحمد أن السلطان مراد الثاني كان أول من استخدم الخصيان البيض في خدمة الحرملك، وكان يأتي بهم من إقليم القوقاز، من أسرى الحروب من قبائل السلاف وأهل بوهيميا، حيث يخضعون للخصاء قبل إرسالهم إلى العاصمة.

في أواخر القرن الـ 16 اهتز مركز الخصيان البيض اهتزازا عنيفا خلال عهد السلطان مراد الثالث، الذي أصدر فرمانا في العام 1582 بتعيين أحد كبار العبيد السود رئيسا للخصيان، وانتقل الإشراف على الحريم والتفتيش على الأوقاف السلطانية إلى رئيس الخصيان السود.
كانت مصر المورد الأول للعبيد السود الخصيان، وكان ولاة مصر يترقبون وصول قوافل العبيد من دارفور وكرفان في السودان إلى أسيوط وكانت قافلة دارفور وكرفان تحمل سنويا 6 آلاف من العبيد، وكان الباشا العثماني في القاهرة يبعث مندوبين إلى أسيوط لشراء العبيد الصغار السن، ثم يأمر بإجراء عملية الخصاء لهم، ثم يرسلهم إلى إسطنبول.
أطلق العثمانيون على رئيس الخصيان السود اسم دار السعادات أغاسي، أي أغا دار السعادة، كما كان يعرف باسم "قيزلر أغاسي" أي أغا البنات، وكان رئيس الخصيان السود يشغل المركز الثالث في الدولة بعد الصدر الأعظم وشيخ الإسلام.
تمادى العثمانيون في عمليات الخصاء حتى شملت الإنكشارية، كنوع من العقاب، يلحقونهم بعدها بالخصيان البيض، ويذكر المؤرخون أن العثمانيين توسعوا في عقوبة الخصاء بعد حوادث التمرد والعصيان في صفوف الإنكشارية، ونتج عن ذلك أن فقدوا لياقتهم البدنية وكفاءتهم الحربية، فإذا كانت القصور السلطانية قد كسبت خصيان الإنكشارية ليقوموا على حراسة وخدمة الحريم، فإن الجيش العثماني قد خسرهم كمحاربين، وذاقت الدولة العثمانية مرارة الهزيمة.

الخصيان في خدمة القصور
تكالب العثمانيون على اقتناء الخصيان البيض حتى وصل عدد الأغوات البيض في عهد السلطان سليم الأول إلى 40 خصيا، يقودهم "أغا الباب" أو رأس الخصيان البيض، وكان الأغا هو المشرف العام على البلاط العثماني، فكان يشير على السلطان بكل التعيينات والترقيات في الحكومة، كما كان السلطان يثق به في كل ما يتعلق بأمور الدولة، لكن مع نمو تأثير الحريم في البلاط أخذ أغا الحريم، أغا الخصيان السود، يستقل بنفوذه حتى أصبح يتمتع بسلطة أكثر من أغا الباب.
كان لكل مبنى مستقل في الحريم السلطاني ضابط خصي مسؤول يطلق عليه باشا أغا، ويعمل تحت إمرته عدد كبير من الخصيان يسمون "حرم أغاسيه" أي أغوات الحريم تمييزا لهم عن أغوات الحراسة، وكان في القصور السلطانية الأخرى حرس من الخصيان يرأس حرس كل قصر، ولكن كانوا جميعا يخضعون لرئيس الأغوات السود.
عاش الخصيان في عنابر على مقربة من حريم السلطان، وكان قوام الترقية الأقدمية المطلقة أو الحظوة التي يظفر بها بعضهم من السلطان أو من إحدى سيدات الحريم.
وخصص العثمانيون مجموعة من الخصيان السود لكل أمير محددة إقامته في أقفاص الأمراء، كانوا يعملون كمعلمين ومشرفين على حياة الأمراء بالأقفاص، وكان يطلق على كل منهم كلمة "لا لا".

جبروت الضحية
ترك فقدان الخصيان للقدرة الجنسية آثارا عميقة في نفوسهم، جعلهم يحاولون تعويض هذا النقص بنوع من الجبروت والتحكم والعتو، يسيطر عليهم إذا تولوا منصبا ذا نفوذ، ومن هنا كان لهم ولرؤسائهم نفوذ كبير في دوائر القصر وأجهزة الحكومة على السواء.
تغلغل الخصيان في العديد من وظائف القصور السلطانية، لكنهم أعطوا لأنفسهم ثقلا أكثر من اللازم وسيطر عليهم الغرور، فأدى إشراف الخصيان على شؤون زوجات السلطان والجواري والقيام على حراستهن والاتصال بهن اتصالا مباشرا إلى نقل شطر كبير من السلطة العليا إلى الخصيان، إذ كانوا ينقلون رغبات هؤلاء السيدات إلى المختصين في الباب العالي وباقي دوائر الحكومة، فأصبح الخصيان مركز قوة رهيبا في الدولة.
تقاسم الخصيان البيض في بعض الأحيان مع الخصيان السود العمل في حراسة وخدمة الحريم السلطاني، فحصل شد وجذب بين أفراد الطائفتين بهدف التنافس على الاستئثار بالنفوذ في القصور السلطانية، ونشب صراع شديد بين الخصيان السود والخصيان البيض كان مرده إلى رغبة كل طائفة منهم في الاستئثار بالنفوذ الأعلى في دوائر القصور السلطانية وفي شؤون الدولة.
شغل رئيس الخصيان السود المركز الثالث في الدولة بعد الصدر الأعظم وشيخ الإسلام، وكان هذا العبد الخصي في درجة وزير، وكانت  الرسائل التي توجه إليه تستهل بعبارة "حضرة صاحب الدولة والفخامة والاحترام"، أما الرسائل التي توجه إليه من سفراء الدول الأجنبية فتستهل بعبارة "حضرة صاحب السمو" أسوة بأمراء الأسرة الحاكمة، وكان السلطان يطمئن إلى الخصيان السود ورئيسهم أكثر من اطمئنانه إلى الخصيان البيض عادة، ولهذا السبب كانت اتصالات الصدر الأعظم بالسلطان تتم في معظم الأحيان عن طريق رئيس الخصيان السود.
سعى رئيس الخصيان جاهدا لدعم وترسيخ نظام الخصيان، وأصبح يمارس نفوذا كبيرا على السلاطين أنفسهم بصورة غير مسبوقة، وغدا من أكبر مراكز القوى في الدولة. 
لكن على قدر هذا النفوذ الواسع الذي تمتع به رئيس الخصيان السود، فإنهم تعرضوا للدسائس والمؤامرات، التي حيكت لهم من داخل أجنحة الحريم، فوقعوا ضحية فرمانات العزل والنفي، غالبا إلى ولاية مصر، فإذا وصل المحكوم إلى القاهرة بدأ مشاركة الحياة السياسية المضطربة بحبك المزيد من المؤامرات والدسائس بهدف عزل الوالي العثماني المتربع في السلطة، وبالفعل نجح الخصيان في عزل العشرات من الولاة، وأصبحوا الأقوى في حكم تلك البلدان.

تحالف العبيد
كان ولاء الخصيان لسيدات القصر أعمق من ولائهم للدولة، بدافع من المصلحة المشتركة، وكانوا يستمدون نفوذهم من اتصالهم الدائم والوثيق منهن، ولذلك كان نفوذهم يزداد باطراد مع نفوذ الحريم، بحيث أصبحت هاتان القوتان حليفين في أغلب الأوقات.
كانت نساء الحريم يصدرن الأوامر فينقلها رئيس الخصيان إلى الصدر الأعظم أو الوزراء وكبار الموظفين، كما ساهم الخصيان في تنفيذ المؤامرات التي تحاك في داخل القصر، في مقابل كريم المنح والعطايا التي تغدق بها النساء، فيزداد الواحد منهم تفانيا في خدمتهن، ومن هنا تفاقم نفوذ الحرملك والخصيان تفاقما خطيرا في دوائر الحكومة.
كانت نهاية الخصيان والحريم متقاربة دوما، فمع وفاة السلطان ينتقل سائر سيدات الفئة الأولى من الحريم من السراي الجديد إلى السراي القديم، ليقضين بقية أيامهن مغمورات أو على هامش الحياة، وهو نفس مصير الخصيان المكلفين بخدمتهن وحراستهن، لأن ارتقاء سلطان جديد على العرش كان يقترن بحركة تغييرات وتنقلات بين شاغلي المناصب القيادية بين الخصيان، فقد يكون للسلطان الجديد نساء ويصبحن على قمة الحريم، ويقع اختيارهن على خصيان آخرين ويخبو نجم الخصيان السابقين.

المؤرخ الفرنسي رامبو وصف الحكومة العثمانية خلال تلك الفترة بأنها "حكومة الحريم والخصيان"، وبدأت تلك الظاهرة على وجه التحديد في أواخر حكم السلطان سليمان القانوني، عندما شرعت السلطانة روكسلانا تضع الخيوط الأولى لمؤامرة قتل الأمير مصطفى ولي العهد وتعيين ابنها الأمير سليم مكانه، ثم ورث العرش سلاطين لم يمتلكوا قوة الشخصية التي تجعلهم يقفون في وجه الجواري ويمنعون تدخلهن في شؤون الدولة، كما أن هؤلاء السلاطين لم يتصدوا للإطاحة بنفوذ العبيد وخاصة الخصيان السود الذين أصبحوا يباشرون - حتى القرن الـ 18- نفوذا على السلاطين لم تعرف له الدولة من قبل مثيلا.
ضربت الفوضى أركان الدولة وساد الفساد، كان السلاطين لا يحكمون، وانتقلت السلطة إلى أيدي طوائف غير مؤهلة، جواري حسان اشتريت غالبيتهن بالمال، وعبيد خصيان بيض وسود وأغواتهم، فضلا عن قوات الإنكشارية العابسة، ولم يفكروا في المصالح العليا للدولة، واقتصر اهتمامهم على تحقيق مصالح شخصية وعاجلة لهم مثل زيادة المرتبات وإجراء ترقيات سريعة لهم ومنحهم المزيد من الامتيازات.
جمع الخصيان ثروات طائلة أثناء خدمتهم بالحرملك، عن طريق الهدايا التي يحصلون عليها من سيدات الحرملك، أو من كبار الشخصيات التي كانوا يتقربون بها إليهم، وقد عملوا على مضاعفة هذه المدخرات إما بالإشراف على الأوقاف الخيرية، وإما عن طريق الكسب غير المشروع، وكانت الفرص أمامهم متاحة ومتعاقبة لأن شغل المناصب العليا في الدولة أو منح الألقاب كان يتم بطريق الوساطة والنفوذ، وكان الثراء يظهر عليهم بعد عزلهم من مناصبهم ونفيهم إلى مصر حيث يقتنون العقارات المبنية والأراضي الزراعية.

إلغاء نظام الخصيان
جرت محاولة لإلغاء نظام الخصيان في عهد السلطان أحمد الثالث وتحديدا عام 1716، كان صاحب الفكرة الصدر الأعظم جور ليل داماد علي باشا، الذي أرسل إلى والي مصر يأمره بوقف عمليات خصاء العبيد والكف عن إرسالهم إلى السلطان، لكن الوزير لم يستطع الصمود أمام تغلغل نفوذ الخصيان بالقصر، إذ سرعان ما عادوا إلى سابق عهدهم.
جرت محاولة أخرى عام 1762، في عهد السلطان مصطفى الثالث، حين قرر راغب باشا الصدر الأعظم عزل رؤساء الخصيان من الإشراف على الأوقاف، ونجم عن حركة التطهير تلك أن زادت حصيلة الأوقاف زيادة كبيرة، وانكمش نفوذ الخصيان ورؤسائهم، لكن رئيس الخصيان السود وقف أمام قرار الوزير، واستخدم سلاح الرشوة ليقنع السلطان بعودة نظام الخصيان إلى البلاط العثماني، بل وحصل على تعويض كبير من الخزانة السلطانية، وأصبح يمارس نفوذا كبيرا على السلاطين أنفسهم بصورة غير مسبوقة، وغدا من أكبر مراكز القوى في الدولة.

Qatalah