يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يثير استمرار تدهور قيمة الليرة التركية في سوق الصرف والمعاملات اليومية أسئلة جدية حول فوائد الإجراءات التي اعتمدتها حكومة العدالة والتنمية للتصدي للكارثة، فمنذ صيف العام الماضي وتحديدا بعد الاستفتاء الذي حصل بموجبه الرئيس التركي رجب إردوغان على صلاحيات رئاسية غير مسبوقة، والليرة تواصل الهبوط مما سبب قلقا وهلعا شديدا في أوساط الحزب الحاكم خوفا من مزيد من الانهيار.

وعلى الرغم من سياسة التهديد والوعيد وخطط الدعم الحكومي، إلا أن الليرة لم تتعاف ولم تسلم من الانهيار، وانخفضت أمس بنسبة 1%، ما حدا بالخبراء لأن يحذروا من أن الأمور تسير من سيىء لأسوأ.
وكشف كبير الاقتصاديين في بنك بيرنبرغ السويسري، كالوم بيكرينج، عن أن المستثمرين في الأسواق الناشئة بأنقرة يمكن أن يستهدفوا بيع العملة المحلية إذا شهدت سياستها النقدية المزيد من التدهور.

لا تعجب المستثمرين
بيكرينج أوضح في تصريح لشبكة بلومبرج، أن هذه الفترة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للأسواق النامية بشكل عام، لافتا إلى أن تركيا منطقة مضطربة للغاية لا يمكن ينظر إليها أي مستثمر.
أشار إلى أنه على الرغم من موقعها المثالي بين آسيا وأوروبا، إلا أن اقتصادها يعمل ببطء ويتراجع بفعل السياسات المتخبطة التي ينتهجها نظام إردوغان".
وتحدّث بيكرينج عن وضع الليرة وتخفيض أسعار الفائدة ذاكرا: " إذا خرجت أمور البنك المركزي عن السيطرة، أي إذا شهدت أسعار الفائدة المزيد من الانخفاض، أو إذا رأينا إردوغان يدعو إلى حوافز مالية هائلة، أعتقد أن الأسواق يمكن أن تنقلب على تركيا ".

عنجهية إردوغان
المراقبون للشأن التركي يتهمون إردوغان، بأنه الوحيد الذي يقف وراء انخفاض العملة، وانهيارها، خصوصًا بعد أن قرر إقالة محافظ البنك المركزي مراد تشين قايا في أوائل يوليو الماضي، بعد رفض الاستجابة لمطالبه بخفض أسعار الفائدة على الإيداع والاقتراض من البنوك، وعين بدلًا منه نائب المحافظ مراد أويصال.
إردوغان أقال قايا لخفض أسعار الفائدة المثبتة عند 24٪، وطالب من المحافظ الجديد بتخفيضها، وهو ما تم فورًا، إذ خفض أويصال أسعار الفائدة بنسبة 4.25%.

وتعهد الرئيس التركي وصهره وزير الخزانة والمالية بيرات آلبيراق ورئيس البنك المركزي الجديد مراد أويسال بتخفيض أسعار الفائدة أكثر من ذلك خلال الفترة المقبلة.
في أسواق الثلاثاء، تراجعت الليرة 1.1% لتنخفض في جلسة التداول الثالثة على التوالي، بينما لا يزال المستثمرون حذرين من الاتجاه إلى الأسواق الناشئة بعد هبوط العملة الأرجنتينية (البيزو) إلى مستويات متدنية قياسية مقابل الدولار، وفق وكالة "رويترز". 
وبلغت الليرة 5.6245 مقابل الدولار، منخفضة نحو 1.1% مقارنة مع مستوى إغلاق الاثنين البالغ 5.5630. 

51 مليون دولار تراجعا
إحصائيات دراسة أجراها وقف أبحاث السياسات الاقتصادية التركية "TEPAV" في مايو 2019 حول "تطورات الاستثمارات الأجنبية المباشرة من وإلى تركيا"، كشفت عن تراجع قيمة صافي الاستثمارات المباشرة إلى تركيا، حيث انخفض صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة بمقدار 51 مليون دولار في مايو 2019 مقارنة بنفس الشهر من العام السابق. 
تراجعت حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى تركيا (FDI) بنسبة 58% في عام 2018 من 19.2 مليار دولار في عام 2015 إلى 12.8 مليار دولار في عام 2018، وفقًا لما نشرته صحيفة "جمهورييت"، الثلاثاء. 

وفقًا لبيانات منظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة "UNCTAD"، انخفض إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة "FDI" الذي تلقته البلدان في العام الماضي بنسبة 13.4% مقارنة بالعام السابق.
لا تزال المؤشرات والأرقام والإحصاءات تنذر بخريف اقتصادي طويل في تركيا، تحت حكم حزب العدالة والتنمية، ورئيسه، رجب إردوغان، وسياسات صهره، وزير المالية، بيرات آلبيراق، خصوصًا بعد قرصنته على البنك المركزي، وإقالة محافظه، مراد تشتين قايا، وجميع القيادات التي عينها الأخير بقرار منفرد.

انهيار الثقة
مؤشر الثقة الاقتصادية خلال يوليو الماضي، انخفض من 83.4 إلى 80.7 نقطة، بنسبة انخفاض 3.3%، بالمقارنة بشهر يونيو الماضي.
يستخدم مؤشر الثقة الاقتصادية في تقييم أداء قطاعات الاقتصاد كافة، على رأسها ثقة المستهلك والصناعات التحويلية وقطاع الخدمات وقطاع التجارة في عملية البيع بالتجزئة، وفقا لما نقلته صحيفة "يني تشاغ" نهاية يوليو الماضي عن معهد الإحصاء التركي.

الصحيفة أوضحت أن مؤشر ثقة المستهلك يعكس مدى ثقة ودرجة تفاؤل أو تشاؤم المستثمرين والمستهلكين والمنتجين وأن انخفاضه أدى بدوره إلى انخفاض مؤشر الثقة الاقتصادية. 
تقويض طابع الاستقلال النقدي للبنك المركزي سوف يصبح بمثابة إجراء إضافي قد يزعزع ثقة المستثمرين الأجانب في السوق التركي، وصرّح الخبير الاقتصادي التركي، أوغور جورسيس، لإذاعة "دويتشه فيله" الألمانية قائلًا إن العديد من الكوادر الاقتصادية التي أقالها إردوغان كانوا يعملون في البنك منذ عقود، مؤكدًا على أن الاستغناء عنهم "خطوة غير حكيمة على الإطلاق". وشدد جورسيس قائلًا: "هذه محاولة لاقتلاع جذور نظام البنك المركزي التركي".

تصفية المركزي 
لا يزال البنك المركزي يتعرض لحملة تفريغ من جميع الكفاءات التي عينها المحافظ المُقال مراد تشاتين قايا، بأوامر من ديكتاتور أنقرة. 
وفقا لما نقله موقع "دويتش فيله" الألماني بنسخته التركية، فإنه تم إقالة 8 مديرين عموم في البنك من قبِل مجلس إدارة البنك، فالتشابه الوحيد الذي يجمع بين كل هؤلاء المديرين المقالين هو أن قايا هو من عينهم.

Qatalah