يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


وسط الميدان، اقترب بخطى بطيئة، ظل يتأمل مبنى البنك الزراعي، بمحافظة غيرسون التركية، ارتقى بعينيه المجهدتين طوابقه التي تصافح الغيوم، في سماء نهار شتوي، لكنه رأى ملامح وجهه البائس وجسده النحيل الذي ينتفض من البرد في عواكس زجاجية تخبئ خلفها ترف موظفين، يفوح منهم العطر ودفء المكيفات.. وفجأة، دنا بسرعة من أحد أبواب البنك، ثم سكب كوبا من اللبن على عتباته، وسط دهشة المارة، فاقترب منه أحدهم وسأله عن سبب تصرفه، فقال بصوت عالٍ، وهو يشير بسبابته إلى المبنى: أصابتني الحكومة بالفلس، حجزوا على ممتلكاتي.
أما زميله الآخر فقد ركب فوق جهاز تليفزيون صغير وضعه في الحقل،  ثم أخذ يصرخ بصوت جهوري عساه يسمع الرئيس في أنقرة: الزراعة ماتت.

لخص المشهدان حالة الفلاحين الأتراك الذين يقفون فى جانب يصرخون، بينما تقف حكومة الرئيس رجب إردوغان على الجانب الآخر غير مبالية بصراخهم من الغلاء وبوار الأراضى الزراعية والفقر والفلس الذي أحاط بهم بسبب الأزمة المالية الحالية فى البلاد، وتسبب فى غلاء أسعار المنتجات الزراعية وعلى رأسها البصل الذى أشعل الأسواق بعدما تضاعف سعره بنسبة 80%، ما يجعل حزب العدالة والتنمية فى ورطة قبيل الانتخابات البلدية المزمعة العام المقبل، حيث يمثل المزارعون كتلة كبيرة بين المصوتين لصالحه فى المقاطعات.

بالأرقام.. فشل قطاع الزراعة
الأرقام أقصر الطرق لمعرفة الحقيقة، خاصة حين تكون من جهة رسمية، تؤكد فشل الزراعة و استثماراتها في تركيا تحت راية العدالة والتنمية، وحسب تقرير بنك العمل الرسمي، فإن قطاع الزراعة يمر بضائقة مالية تتمثل في الفجوة بين المدخرات والواردات التي  وصلت إلى 1.798 مليون دولار في 2002  عام الصعود السياسي لحزب العدالة والتنمية لتقفز إلى  12.778 مليون دولار في 2018 مع اعتماد القطاع على استيراد كل ما يتعلق بالعملية الإنتاجية.


اختفاء رغيف الخبز  
لم يسلم القمح من توابع الأزمة في القطاع الزراعي عقب قرار الحكومة  بوقف التصدير، حتى تضمن تدبير احتياجاتها منه، خاصة مع وصول المخزون لأرقام متدنية،  نتيجة الاستهلاك وعدم الإنتاج، بسبب ارتفاع تكاليف زراعته، مانتج عنه بوار آلاف الأفدنة، و تنشيط تجارته عبر السوق السوداء بتخزين كثير من التجار كميات منه لبيعها بأعلى سعر، بعد ارتفاع أسعار المخبوزات بنسبة 85 % قبل شهرين.  

السولار يشعل الأزمة 
مازاد من معاناة الفلاحين الارتفاعات الجنونية في أسعار المحروقات خلال آخر 16 عاما، وحين كان بمقدور الفلاح التركي شراء لتر السولار بــأقل من ليرة عام 2002 وصل سعره حاليا إلى 6.37  ليرة لتصبح تركيا الأعلى عالميا في أسعار المحروقات، وفقا لدخول المواطنين، بعد أن فقدت العملة  المحلية أكثر من 40% من قيمتها، منذ الأزمة الاقتصادية الحالية.
تحت عنوان "قطاع الثروة الحيوانية" ذكر التقرير الذي نشره بنك العمل أن تربية المواشي التي تعتمد على أعلاف مستوردة بنسبة 100% تقريبا ينذر بتوقف هذا القطاع عن الإنتاج بسبب صعود الدولار وسقوط الليرة، دون وجود أية مبادرات حكومية لطرح الحلول. 

 



200% زيادة في اللحوم والدواجن

يعتمد غالبية الأتراك على اللحوم كوجبة رئيسة، ولكن نتيجة للأزمة الحالية وتوقف إنتاج الثروة الحيوانية، زادت أرقام استيرادها من 9.6 مليون دولار، خلال يناير ومارس 2017  لتصل إلى 122.1 مليون دولار في نفس الفترة هذا العام، كما ارتفع سعر الكيلو من 39 إلى 55 ليرة في سبتمبر الماضي، بينما التذبذب في سعر اللحوم يصعب التنبؤ بأية حلول لها ولو على المدى البعيد.
وقفزت أسعار الدواجن بنسبة 200%، واعترف عثمان يرديمجي نائب رئيس غرفة صناعة اللحوم بأن هذه الزيادة تضاعفت خلال الــ 8 أشهر الأخيرة، محذرا من أن الأتراك لن يستطيعوا تدبير احتياجاتهم من اللحوم أو الدجاج الأبيض.
بوار الكثير من المساحات التي كانت تزرع بمحاصيل الأعلاف نتيجة ارتفاع التكلفة وقلة العائد أجبرت أنقرة على أن  تستورد كمية كبيرة من العلف، والتي شهدت أسعاره ارتفاعا بنسبة 70% منذ بداية العام، وحتى سبتمبر الماضي حيث يتم استخدام أكثر من خمسين مادة غذائية مستوردة، لمكونات إنتاج العلف بتركيا،  وعلى رأسها حبوب فول الصويا، والذرة.  

 



البصل يتصدر قائمة الغلاء 

تعد الخضر والفاكهة من قوام مائدة الأسرة التركية، وقد أصابها مرض ارتفاع الأسعار بنسبة 80 % خلال الأزمة الحالية، بينما وصلت الزيادة في بعض الأصناف إلى  100% نتيجة عزوف كثير من المزارعين عن زراعتها، بسبب ارتفاع التكاليف لارتباط أغلبها بسعر الدولار، ما دفع الكثير منهم إلى تغيير النشاط، أو تأجير أراضيهم لمستثمر قادر على تدبير أموره، حتى يستطيع تحقيق هامش ربح.
 تصدر البصل  قائمة الغلاء، بزيادة 80 % عن يونيو الماضي،  والفلفل الحار بمعدل 46 % والبطاطس 40% والليمون 33% ما يؤكد فداحة الأزمة، والفشل الذي وصل إليه إردوغان وجماعته في إدارة البلاد.

Qatalah