يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أكثر من ثلاث سنوات مرت على إعلان حركة "أكاديميون من أجل السلام" رفضها للحملة العسكرية الشرسة التي تشنها حكومة العدالة والتنمية ضد الأكراد في جنوب شرق تركيا تحت ذريعة محاربة حزب العمال الكردستاني، وإلى الآن مازالت المنطقة ساحة للحرب، فيما بات أعضاء الحركة أعداءً مباشرين للرئيس التركي، رجب إردوغان.

من خلال كتابتها وأبحاثها، على مدى العقدين الماضيين، قدّمت الأكاديمية التركية عائشة جول ألتيناي، عضوة الحركة، تحليلا متعمقا حول تأثير العنف على دولتها، وطرحت أعمالها إدراكا أفضل لكيفية انتقال الصراع عبر الأجيال، كما أنها مثّلت بداية وضع خطط لكسر هذه الدوامة.

لكن في مايو الماضي، أصدرت حكومة إردوغان حكما بالسجن 25 شهرا على ألتيناي، أستاذة الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) ومديرة مركز دراسات النوع والمرأة بجامعة سابانجي.

في تقرير نشرته، اليوم الخميس، قالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن جريمة ألتيناي المزعومة تمثلت في تقديم المساعدة لمنظمة إرهابية بتوقيعها على عريضة في عام 2016 عرفت إعلاميًا بـ"أكاديميون من أجل السلام" تدعم حلا سلميا للنزاع الذي دام ثلاثة عقود مع حزب العمال الكردستاني بجنوب شرق تركيا. 

عدد الموقعين على العريضة تجاوز ألفيْ شخص، بعدها خضع نحو 700 منهم للمحاكمة وأقيل 450 من وظائفهم بموجب مرسوم حكومي أو إجراء مباشر من قبل جامعتهم. أكدت الصحيفة الأمريكية أنهم ليسو سوى جزء بسيط من آلاف الأكاديميين الذين يتم إسكاتهم بموجب حملة تنفذها حكومة إردوغان لتطهير المؤسسات الأكاديمية بتركيا. 

كسر التابوهات
"نيويورك تايمز" قالت إن الحملة القمعية، التي أعقبت محاولة الانقلاب المزعوم يوليو 2016، والتي طالت جميع أجهزة الدولة بهدف تطهيرها من معارضي إردوغان، خلفت فراغا في لحظة حساسة للغاية، عندما كانت البلاد قد بدأت في مواجهة جزء من ماضيها المؤلم بشكل علني.

كان عمل الأكاديميين مهما في هذه العملية، حيث كانوا يجمعون القصص التاريخية مع بعضها البعض لتعزيز التفاهم وحقوق الإنسان الأساسية، لكن حملة القمع التي طالتهم من المرجح أن تؤثر بشكل سلبي على معلومات الأجيال القادمة الضرورية للتغلب على المحن الماضية ولتقليص أمد الصراع.

بحسب الصحيفة الأمريكية، فتتمثل أكثر قضيتين مثيرتين للاستقطاب في التاريخ التركي في حملة الترحيل والقتل الجماعي للأرمن على يد العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى، والقمع المستمر منذ عقود ضد المواطنين الأكراد في البلاد. 

في مقال لها عام 2013، كتبت ألتيناي أنه بعد ظهور الجمهورية التركية عام 1923، شهدت الأمة الجديدة "إغفالا" كاملا لقضية الأرمن الذين قُتل منهم حوالي 1.5 مليون، إلى جانب آلاف الناجين من النساء والأطفال الذين تم إدخالهم في الإسلام لدمجهم في المجتمع خلال الفترة التي سبقت إنشاء الدولة.

أمل كاذب
 منذ ما يقرب من قرن، كان يُنظر إلى ما يُعرف الآن بـ"الإبادة الجماعية للأرمن" باعتباره تهديدا على تركية الدولة، وظل موضوعا محفوفا بالمخاطر، لكن في الألفية الجديدة، شرع الأكاديميون الأتراك في الحديث عن القضايا المحظورة. 

تداعيات عسكرة الدولة، وعمليات الإقصاء المستندة على الدين والطائفة والعرق، والسياسات الجنسانية، وأخيرا إبادة الأرمن الجماعية باتت من أهم موضوعات البحث الأكاديمي والمناظرات الاجتماعية، لكن صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم منذ عام 2002 وقف حائلًا دون هذا التغيير، ولكن ذلك مر بعدة مراحل.

بعد تولي إردوغان السلطة، شرع  حزب العدالة والتنمية في سلسلة من الإصلاحات التقدمية في محاولة لبدء عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتقلصت القيود على الأكاديميين بقدر طفيف وشعر المؤرخون بحرية أكبر لمتابعة الكتابة في الموضوعات المثيرة للاهتمام.

علاوة على تعديل القوانين بحيث تم السماح بتدريس اللغة الكردية، التي أُلغيت طيلة عقد بعد انقلاب 1980، في المدارس الخاصة وكذلك الاستعانة بها في وسائل الإعلام.

وفي 2005، أي في العام الذي بدأت فيه مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي، ازدادت وتيرة المناقشات العلنية حول الإبادة الجماعية للأرمن من قبل الأكاديميين، الذين نظموا مؤتمرا رائدا في جامعة إسطنبول بيلجي حول أحداث عام 1915.

في أعقاب المؤتمر، نُشر ما يقرب من 20 كتابا عن الناجين من مذبحة الأرمن باللغة التركية، بما في ذلك كتاب "الأحفاد: الإرث الخفي للأرمن المفقودين في تركيا" والذي كتبته كلا من ألتيناي وأكاديمية أخرى تدعى فتحية جيتين. الكتاب الذي احتوى على مجموعة من إفادات أحفاد الأرمن، ساعد في تحدي الفهم الذاتي الوطني.

دفن الحقيقة
وبينما وصلت روايات القمع إلى الأوساط الشعبية أخيرًا وبدا الجميع في مناقشتها، توقفت ألتيناي مؤقتا من أجل تحليل العقود التي طال فيها الصمت إزاء القضايا الحساسة.

كيف تحدث الثغرات في التاريخ؟ أشارت ألتيناي إلى اللحظات الأربع الهامة التي حددها ميشيل رولف ترويلو، وهو عالم بارز من دولة هايتي والمتخصص في الأنثروبولوجيا، في كتابه "إسكات الماضي: السلطة وإنتاج التاريخ".

تتمثل هذه اللحظات الأربع في: "لحظة خلق الحقائق (أي صنع المصادر)، لحظة جمع الحقائق (أي صنع ملفات الأرشيف)، لحظة استرجاع الحقيقة (أي صنع نمط الخطاب)، ولحظة الأهمية ذات الأثر الرجعي (وهي صنع التاريخ في المرحلة النهائية). 

في كل خطوة من هذه الخطوات يعد دور الأكاديميين هاما، بدءا من تسجيل المصادر الأولية مرورا بوضع أنماط الخطاب إلى تحديد السياق التاريخي، وبدونهم تظل هذه العملية غير مكتملة.

بحسب "نيويورك تايمز" بدا إردوغان نفسه وكأنه يدرك هذا الأمر. منذ ست سنوات، عندما كانت البلاد على وشك إجراء محادثات سلام مع حزب العمال الكردستاني، بعد حوالي ثلاثة عقود من الصراع المرير الذي أودى بالفعل بحياة 40 ألف شخص، دعا رجب الأكاديميين البارزين إلى المساعدة في تسهيل عملية السلام، وقام بتعيين لجنة من "الحكماء".

اللجنة، التي تكونت من 63 شخصا، ضمّت أكاديميين بارزين ومثقفين وفنانين سافروا إلى جميع أنحاء البلاد، وعقدوا اجتماعات وحلقات نقاش لإقناع الأمة المستقطبة بأن السلام ليس هاما فحسب، بل إنه ممكنا أيضا.

نقطة التحول
خطوات تركيا باتجاه التعددية وقبول الآخر، تعرضت لانتكاسة قاسية مرتين، أولاهما بعد احتجاجات جيزي، حينها فضّلت الحكومة العودة إلى نظام الإدارة التقليدي لحكم البلاد، القائم على العنصرية والتخوين وتقريب الثقات لا الكفاءات.

ردًّا على احتجاجات جيزي التي اندلعت اعتراضًا على خطط الحكومة لتحويل حديقة صغيرة بإسطنبول إلى مشاريع سكانية، كان استخدام النظام للقمع عنيفا، وحينها تم إنهاء محادثات السلام مع حزب العمال الكردستاني بشكل رسمي في 2015.

الانتكاسة الثانية جاءت مع محاولة الانقلاب المزعومة صيف 2016، حيث تحول النشاط الأكاديمي في مواضيع حساسة، مثل قضايا الأرمن والأكراد، من عملية تقدمية اجتماعية إلى ما يشبه الخيانة في نظر السلطات، حيث أصدرت حكومة إردوغان مراسيم أمرت بإقالة أكثر من 5800 أكاديمي وأغلقت أكثر من مائة جامعة. وأدت مرحلة واحدة من الفصل والإقالة إلى خلو أقسام القانون والعلوم السياسية بجامعة أنقرة.

وسط هذا المناخ، فر مئات الأكاديميين المفصولين إلى أماكن آمنة في الخارج، لكنهم ظلوا هادئين إلى حد كبير حيث ساورهم القلق من أن تصريحاتهم ربما تُستخدم ضد أفراد الأسرة والزملاء في الوطن.

وفي هذه الأثناء، بقى كثيرون آخرون عالقين داخل تركيا، عاجزين عن ممارسة عملهم وعن مغادرة البلاد كذلك. أصبح بعضهم مدوّنين وبائعي كتب مستعملة ومستشارين وأصحاب مطاعم ومزارعين.

منظمة هيومن رايتس ووتش أعربت عن بالغ قلقها إزاء تهم الإرهاب الملفقة والافتقار العام إلى الإجراءات القانونية الواجبة إزاء هؤلاء الأكاديميين، لكن لم يسهم هذا الأمر في أن تغير السلطات التركية مسارها. ونظرا لتخوفهم من السقوط في هذا المستنقع، استسلم الأكاديميون، الذين لا زالوا يعملون، للرقابة الذاتية التي فرضتها الدولة.

صمت مطبق وأمل طفيف
منذ الحملة التي شرعت فيها سلطات العدالة والتنمية في أعقاب انهيار مفاوضات السلام مع الأكراد عام 2015، أُغلقت المواقع الثقافية والمدارس متعددة اللغات ومنظمات المجتمع المدني القديمة، مثل المعهد الكردي في إسطنبول، بحسب "نيويورك تايمز"، ولا يزال يتم توثيق تداعيات هذه الإجراءات على نحو هزيل للغاية بسبب ثقافة الخوف المنتشرة في أوساط الأكاديميين.

المقابلات التي أجرتها هيومن رايتس ووتش كشفت عن تفاصيل حول تأخر الأبحاث المتعلقة بالأكراد بسبب ما تفرضه اللجان المعنية بالأخلاقيات في الجامعة من قيود، كما أزاحت النقاب عن الأكاديميين البارزين الذين يرفضون تقديم المشورة بشأن أطروحات الطلاب حول القضية الكردية.

في ربيع هذا العام، تم الانتهاء من حوالي 200 قضية تتعلق بـ"أكاديميين من أجل السلام". انتهت جميعها بإصدار أحكام بالسجن لمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات. تم تعليق معظم الأحكام، لكن لم يتم تعليق حوالي ثلاثين منها، بما في ذلك الحكم المناهض لألتيناي.

في مايو، نفذ حكم السجن في البروفيسورة فوسون أوستل، وهي عالمة سياسية ومؤرخة وناشطة بارزة، أول موقعة على العريضة. وفي الوقت الذي وضعت فيه خلف القضبان، كان إردوغان وحزبه يخففان من حدة الخطاب الاستقطابي بشأن الأكراد في محاولة لحصد أصواتهم في إعادة الانتخابات في إسطنبول. 

لكن لم تنجح الخطة، وخسر الحزب الحاكم الانتخابات في يونيو، وتنازل عن حكم أكبر مدينة (حكها لمدة 25 عاما) لحزب المعارضة. وعلى ما يبدو هناك تصدع بدأ يظهر في أسلوب هيمنة الحكومة على التاريخ.

آخر الضحايا
واليوم الخميس، صدر حكم بالسجن لمدة عام و3 أشهر بحق الباحثة في قسم علم الاجتماع بجامعة الشرق الأوسط التقنية، سيبال باكير أوغلو، أحد أعضاء حركة أكاديميون من أجل السلام؛ بتهمة الدعاية لمنظمة إرهابية.

محامي سيبال، جميل أدي يامان قال خلال مرافعته في الجلسة التي عُقدت في محكمة العقوبات المشددة رقم 27 في إسطنبول، إنه لا يوجد إطار واضح لتهمة الدعاية لمنظمة إرهابية، لافتًا إلى أن العريضة التي وقعها أكثر من ألفي أكاديمي لم تمتدح أي منظمة.

يامان أكد أن العناصر القانونية للجريمة لم تتحقق، وطالب بالحكم ببراءة موكلته، مشيرًا إلى أنه في الوقت الذي يدور فيه الحديث اليوم عن إصلاح القضاء، مازال يُنظر إلى حرية التعبير على أنها دعاية لمنظمة إرهابية وتصدر عقوبات بشأنها، مطالبًا المحكمة الدستورية بإنهاء هذا النوع من انتهاكات القانون.

Qatalah