يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


وسط ظلام دامس، وعزلة قاتلة، ورعب من تنفيذ إعدام وحشي في كل لحظة، وأثار تعذيب لم تترك لجسده العاري إلا عقله والصلاة، وجد القس الأميركي المفرج عنه حديثا من سجون رئيس تركيا الفاشي رجب إردوغان نفسه بعد ساعات قليلة من اختطافه إلى المجهول.
"لقد كنت مع 19 آخرين في أوضاع سيئة داخل مكان احتجاز لا يتسع لأكثر من 8 أشخاص، معزولين عن بعضنا البعض بسبب اختلاف اللغة والثقافة والدين، أكثر شيء كنت أخشى عليه: سلامتي الجسدية، وأن أحافظ على سلامة قواي العقلية بالصلاة لساعات".  
الآن.. شعر بجدوى معاناته لأكثر من 24 شهرا، فهو قادر على الكلام، وفضح ممارسات النظام التركي الإجرامي عسى يمكن إنقاذ بشر آخرين من مواطنيه أو من أي بلد كان في قبضة هذا الطاغية.
رسم القس أندرو برانسون في أول حوار لبرنامج "صباح الخير يا أميركا" على قناة "abc" الأميركية، اليوم الثلاثاء، صورة من جحيم إردوغان أمام أعين العالم، تكشف لأي حد بات هذا النظام الحاكم في أنقرة خطرا على العالم.


بدأ برانسون الناجي من الجحيم بوصف اللحظات الأولى لمأساة  اعتقاله في إزمير التركية، حيث كان يقيم ويعمل، جرى اقتياده واحتجازه في زنزانة انفرادية عدة أيام، بعد القبض عليه بتهمة دعم انقلاب يوليو 2016، المزعوم، ليجد عشرين رجلا محتجزين من قبله في أوضاع إنسانية مزرية وسيئة للغاية.
"مجرد أن تكون سجينا ولو في أوضاع طبيعية شيء صعب، في البداية كدت أن أفقد قواي العقلية، لكن ما أنقذني في عزلتي الصلاة لساعات، ثم بعد ذلك انتقلت إلى مكان مشترك، كنا 20 شخصا نقيم في المهجع الذي يتسع فقط لـ 8 أشخاص"، مضى برانسون بتأثر بالغ يحكي فصول ما جرى بحقه من ترهيب وبشاعة:  "كان المكان مزدحما جدا، وكنا منعزلين للغاية، بسبب الثقافة واللغة والدين أيضا، فمعظم من رأيتهم كانوا مسلمين محتجزين بتهم دعم الإرهاب والانتماء لحركة فتح الله غولن، إن جاز التعبير كنت أعيش فيما يشبه المسجد".
أوضح برانسون أنه لم يشارك في أية فعاليات أو أنشطة سياسية طوال السنوات التي قضاها في تركيا، وأن سبب ذهابه إلى تركيا هو "إعداد طلاب للمسيح" عبر الحديث عن المسيح في كنيسة صغيرة، دون الانتشار كثيرا خارج نطاقها الجغرافي، معلقا على هذه النقطة الحساسة بالقول :"لم نخض في السياسة أبدًا". 
القس برانسون تم توقيفه واعتقاله في عام 2016، بتهمة التجسس والعمل لصالح حركة الخدمة التي يتزعمها الداعية فتح الله غولن وتصنفها أنقرة منظمة إرهابية ، ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية في يوليو الماضي، وأطلق سراحه الجمعة الماضي بعد جلسة مفبركة عقدتها محكمة إزمير، في صفقة وصفها الإعلام الأميركي بـ"السرية" بين واشنطن وأنقرة وإطلاق سراح برانسون بعد تعنت الرئيس التركي إزاء هذا الطلب، ليتفجر غضب شعبي تركي ضد إردوغان، على إثر تلك المسرحية، بسبب النظر إليها على أنها إهانة لكبرياء الشعب التركي وسيادته.   

خلفاء أندرو في سجون تركيا
وبالتزامن مع ما كشفه برانسون من فظائع داخل سجون إردوغان،  رصدت محطة فوكس نيوز الأميركية في تقرير لها اليوم الثلاثاء وجود أكثر من محتجز آخر لدى تركيا يحملون الجنسية الأميركية أو على علاقة عمل ببعثتها الديبلوماسية هناك، بعضهم ذو وضع حساس، على رأسهم عالم في وكالة الفضاء الأميركية "ناسا"، وقالت إنهم يمثلون موضعا "قلقا" للغاية، قد يشعل الخلاف مجددا بين أنقرة وواشنطن بعد انفراجة برانسون.
وقالت المحطة في موقعها على الإنترنت إن دوائر الحكم في واشنطن رحبت بنبأ إطلاق أندرو، إلا أن هناك أمرا لم يتم التطرق إليه وهو وجود قرابة 20 مواطنا أميركيا في السجون التركية، تعتبرهم الجهات الرسمية الأميركية "رهائن سياسيين".
وأضافت "فوكس نيوز":  لا يزال بين الأميركان المحتجزين في السجون التركية من يعملون بوكالة ناسا مثل العالم الأميركي ذو الأصل التركي، سركان جولجي، المعتقل منذ العام الماضي ضمن حملة الاعتقالات الواسعة للغاية في تركيا، تحت ادعاء الانتماء لحركة المعارض التركي المقيم في أميركا والحليف القديم لإردوغان، فتح الله غولن".
سركان جولجي، 36 عامًا، الذي ذكرته "فوكس نيوز" كأبرز الأميركان المحتجزين لدى تركيا، أميركي من أصل تركي يعمل في وكالة "ناسا"، وقضت عليه محكمة تركية بالسجن سبع سنوات ونصف السنة ، وقالت زوجته كوبرا جولجي عن إجراءات المحاكمة ووضع زوجها القانوني حاليا :" لقد أصابنا الإحباط (بشأن الإفراج عنه)، الأمر أصبح غبيا"، مشيرة إلى أن الأمر لا يتعلق باحتجاز زوجها فقط، بل كونها عالقة مع ولديها ( 3 و8 أعوام) في تركيا دون أن تستطيع مغادرة تركيا والعودة إلى موطنها في هيوستن. 
كوبرا كشفت أن الدليل الجديد الذي يعتمد عليه القضاء التركي في إيداع زوجها السجن أنه كان يتعامل مع بنك "آسيا"، الذي يمتلك آلاف العملاء بخلاف زوجها ومئات الفروع حول تركيا، والذي أغلقته الحكومة التركية في عام 2015، بادعاء ارتباطه بحركة فتح الله غولن، مختتمة بدهشة بالغة :"إنهم يعتبرون جولجي متورطًا في دعم حركة غولن فقط لتعامله مع هذا المصرف".

رهائن الخارجية الأميركية
لا يتوقف الجدل الدائر حول خلفاء برانسون في سجون إردوغان عند وسائل الإعلام الأميركية، فوزير الخارجية مايك بومبيو قال في تغريدة فور الإفراج عن برانسون: "القسّ برانسون عائد أخيراً إلى أميركا، بعد محنة طويلة له ولأسرته، نأمل أن تفرج الحكومة التركية سريعاً عن بقية المواطنين الأميركيين، وموظفي وزارة الخارجية المحليين المحتجزين لديها".
الوزير أشار إلى احتجاز تركيا موظفين لدى وزارته،  ووصف المسجونين لدى تركيا بأنهم "رهائن"، في تصريحات نقلتها "فرانس برس" مضيفا " نحن في سبيل أن يعود كل الرهائن الأميركيين إلى ديارهم، وأولئك المسجونون والمعتقلون بغير وجه حق أيضًا".
تقول "فوكس نيوز" إن وضع سيركان جولجي وكل الأميركيين الأتراك أكثر تعقيدا من مسأل القس برانسون، فالقانون الدولي لا يمنح جولجي والأميركان الآخرين نفس امتيازات الأميركان الأصليين، طالما ظلوا يحملون جنسية أخرى هي التركية.
وتطرقت الصحيفة إلى محتجز آخر يعمل في وكالة "ناسا" هو كلايد فورسبرغ، احتجزته السلطات التركية منذ 2016 وتم الإفراج عنه حديثا، والذي اعتبر نفسه محظوظا للغاية للخروج من تركيا والعودة إلى بلاده في هذا الوقت.
فورسبرغ طالب الحكومة الأميركية بأن تبذل كل جهدها من أجل عودة كل الأميركيين، الذين تحتجزهم تركيا، وتوجه إليهم تهما غريبة للغاية، ولا تراعي الحفاظ على حقوقهم حتى كسجناء، مؤكدا أنه كان في أوضاع سيئة للغاية وأنهم يعانون حاليا الأوضاع نفسها.

Qatalah