يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي في تركيا هو أحدث حلقة في سلسلة مطبات الهواء التي أدمن الرئيس التركي رجب إردوغان صنعها على طريق علاقات بلاده مع السعودية، ما يعرض تلك العلاقات لخطر السقوط والقطيعة للأبد، أو يصيبها بالفتور على الأقل مع شعور قادة المملكة بالملل من ألاعيب إردوغان الصبيانية المسيئة على الدوام.
الصحافي السعودي اختفى بعد خروجه من قنصلية بلاده في إسطنبول، وبدلا من أن تبدأ السلطات التركية في البحث عن مواطن أجنبي اختفى على أراضيها، بدأت أبواقها في الإعلام وبعض منتسبيها الرسميين في الغمز واللمز على المملكة وادعاء تورطها في مقتل خاشقجي، حتى وصل الأمر إلى تصريحات هجومية غير لائقة أطلقها إردوغان نفسه بحق الرياض.
لم تجنِ المملكة السعودية، بحسن نواياها مع تركيا، إلا المكر والخديعة من الجانب التركي، فيما برهنت بلاد الحرمين على أفعالها الطيبة تجاه أنقرة دائما، لم يكن الطرف الآخر في حكومة إردوغان جديرا بتلك الأفعال، فعمد لإعلاء مصالحه مهما تعارضت مع اتفاقيات التعاون والعلاقات الودية مع المملكة، بل وذهب بعيدا إلى حد تهديد أمن "الأصدقاء" السعوديين، شواهد عدة تؤكد ما ذهب إليه رئيس تركيا من البدء بالسوء في العلاقة بين البلدين الإسلاميين، ما اضطر المملكة إلى إعادة حساباتها مرارا قبل الإقدام على أية خطوة، يكون الجانب التركي أحد طرفيها مستقبلا. 


مساندة تاريخية لإيران 

في الوقت الذي كان من المفترض التزام  تركيا بالاتفاق حول مواجهة إيران لوضع حد لنفوذها في المنطقة، انحازت أنقرة لطهران ضد القرارات الأميركية التي اتخذها البيت الأبيض  ضدها في الفترة من 1979 حتى 2013  وكان من أبرزها الحظر الاقتصادي 1995.
ودافع "إردوغان" عن الملالي في برنامجه النووي، متناسيا أن امتلاك إيران للسلاح النووي يشكل خطرا على العالم كله، ويخل بموازين القوى في منطقة الشرق الأوسط، وأعلن تحديه للعالم بشرائه النفط الإيراني بمجرد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على طهران، بينما أعلن المسؤولون الأتراك تضامنهم مع أنقرة بتحويل بلادهم إلى بوابة للسلع الإيرانية داخل أوروبا، وإدخال بضائعهم إلى طهران لتسلك طريقها إلى آسيا الوسطى، ليزداد حجم التبادل التجاري التركي الإيراني إلى 30%.  
واعتبرت تركيا نفسها صوتا إضافيا لإيران في المحافل الدولية بعد أن وقفت بجانبها في مواجهة 5 قرارات صدرت ضدها في مجلس الأمن ما بين عامي 2006 و2007 شملت عقوبات اقتصادية وتجارية وعسكرية على 100 كيان اقتصادي إيراني، وفعلت تركيا ذلك وهي تعلم تماما أن الرياض تنظر إلى طهران بوصفها الخطر الحقيقي على المنطقة، خاصة في ظل طموحها بتصدير ثورتها إلى الخليج وإقامة ما يعرف إعلاميا بـ"الهلال الشيعي"، ومارست أنقرة الخداع حيث إنها في الوقت الذي كانت تقوي علاقاتها بإيران سعت أيضا لتحسين علاقتها بالمملكة العربية السعودية من الناحية الاقتصادية تحديدا، وبالفعل زاد حجم التبادل التجاري بينهما  ليصل إلى 5 مليارات دولار أميركي في عام 2014.


التحالف مع الإخوان ضد مصر

ظهر الخلاف بين تركيا والسعودية في العديد من القضايا خلال السنوات الأخيرة، بعد تولي حزب العدالة والتنمية سدة الحكم في تركيا وقيام ثورات ما يسمى بالربيع العربي 2011.. بعدها هيأ الوضع السياسي تمددا للنفوذ التركي في الشرق الأوسط، خاصة بعد وصول جماعة الإخوان الإرهابية إلى سدة الحكم في مصر، حيث قامت بدعم الجماعة، واحتضانها بتدريب عدد كبير من عناصرها.
ووضح مدى التوافق والحميمية بين الرئيس المصري المعزول محمد مرسي والرئيس التركي خلال زيارة الأخير للقاهرة، بينما اعتبرت أنقرة ثورة 30 يونيو 2013 انقلابا عسكريا، بل وتبجح "إردوغان" واتهم السعودية في ذلك الوقت بأنها ساكتة عن الحق وأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، ما أدى إلى تجميد المملكة للعديد من الصفقات التجارية مع تركيا، وخسارة أنقرة لاستثمارات و مشروعات كهربائية تزيد قيمتها على 12 مليار دولار أميركي . 


خيانة في سورية وتطبيع في إسرائيل 

بعد اتفاق المملكة وتركيا على مواجهة النظام السوري نقض إردوغان هذا الاتفاق  ولم يكتفِ بذلك  بل دعَّم المعارضة السورية، في مواجهة بشار الأسد، وعقدت أنقرة اتفاقيات مع موسكو وطهران  ضد الأكراد بعد أن تعمدت تغييب السعودية من المشهد تماما.  
خالفت تركيا الإجماع الإسلامي بدعم الفلسطينيين فكانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل المحتلة وتطبع معها العلاقات، في محاولة لجذب رؤوس الأموال الأميركية والاستثمار في مشاريع عملاقة في مجال الطاقة والإنتاج الزراعي وتعزيز القدرات العسكرية التركية، ومعروف أن علاقات التطبيع بين تركيا وإسرائيل قديمة جدا فقد أثبت التاريخ العثماني أن الأتراك في عهد السلاطين هم من فتحوا الطريق أمام اليهود للاستيطان على الأرض العربية.
تسير العلاقات التركية الإسرائيلية الدافئة في الاتجاه المعاكس لموقف المملكة تجاه القضية الفلسطينية المحورية في الشرق الأوسط والذي يتمثل في الجهود السعودية الرسمية والشعبية المستمرة المنددة بالعدوان الصهيوني على المقدسات العربية والمذابح التي ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. 


كسر "مقاطعة الدوحة"

بمجرد إعلان الرباعي العربي "مصر والسعودية والبحرين والإمارات" مقاطعة قطر بسبب تمويلها للإرهاب ودعم الجماعات المتطرفة والتدخل في شؤون الدولة العربية في محاولة لزعزعة استقرارها، أرسلت تركيا قوات إلى العاصمة القطرية الدوحة في تحد واضح للرباعي العربي، وجعلت من أراضيها جسرا للغاز القطري إلى أوروبا، وعززت علاقاتها التجارية مع نظام الحمدين، ما شكل علامات استفهام كبيرة حول علاقة تركيا وقطر بالإرهاب ومساندتهما المسلحين في العديد من دول المنطقة، خاصة اليمن التي يخوض التحالف العربي بقيادة المملكة حربا فيها ضد الحوثيين المنقلبين على الشرعية.
رغم ما يشوب العلاقات بين الرياض وأنقرة حاليا من توترات وعدم توافق في وجهات النظر تجاه كثير من القضايا، بلغ حجم استثمارات المملكة في تركيا خلال عام 2017 نحو 6 مليارات دولار، وارتفع عدد الشركات السعودية في تركيا إلى 940 شركة، وتعد التجارة البينية بين البلدين الأعلى مقارنة بباقي الدول الإسلامية، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بينهما العام الماضي 5.65 مليار دولار، حققت فيها الصادرات التركية للسعودية 3.2 مليار دولار، مقابل واردات من المملكة بقيمة 2.5 مليار دولار. 

Qatalah