يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


 يضع رجب إردوغان اللمسات الأخيرة لانقلاب عنيف داخل حزب العدالة والتنمية، للخلاص ممن يصفهم بـ"المندسين والخونة"، من أتباع الداعية فتح الله جولن، وبدأت أجهزته الأمنية في رصد عدد من القيادات والأعضاء الفاعلين، المنتظر اعتقالهم وعزلهم من مناصبهم قريبًا.

بدأ رجب إردوغان في تنفيذ خطته للخلاص من بعض رجاله، بزعم تطهير حزبه، بعد هزيمته المنكرة في الانتخابات البلدية، وخسارته المدن الكبرى، وعلى رأسها أنقرة وإسطنبول، الأمر الذي يؤكد عمق الخلافات والانشقاقات المرتقبة داخل العدالة والتنمية. 

خطة إردوغان للبحث عن كبش فداء، وإلقاء مسؤولية فضيحة الانتخابات المحلية على عاتقه، بدأت عقب فشل محاولات إلغاء نتائج الانتخابات في إسطنبول، التي فاز بها مرشح حزب الشعب الجمهوري، أكرم إمام أوغلو، بالرغم من إعادة فرز الأصوات، لتتأكد هزيمة بن علي يلدريم، رئيس الوزراء السابق، أمام مرشح المعارضة، بفارق يصل إلى نحو 13 ألف صوت.

إردوغان يريد تبرير هزيمة حزب العدالة والتنمية أمام الرأي العام التركي، والتي توقعتها استطلاعات الرأي المستقلة، خصوصا في بلديتي أنقرة وإسطنبول، ورفع شعار تطهير العدالة والتنمية من المغضوب عليهم، والمنتقدين لسياساته، وطريقة إدارته ملف الانتخابات، ووصل الأمر حد اتهام بعض عناصر حزبه بالانتماء لحركة الخدمة، التي يتزعمها الداعية المعارض فتح الله جولن، المتهم بتدبير مسرحية الانقلاب، في يوليو 2016، وهو ما كشفته صحيفة "ميللي"  اليوم الاثنين.

انتقادات مرفوضة
أحمد تاكان الصحافي في جريدة "يني تشاغ" نقل تصريحات أحد أعضاء حزب العدالة والتنمية - رفض ذكر اسمه - حول ماذا سيحدث بعد الانتخابات البلدية، قال فيها :"إن عملية الانتقاد التي بدأت داخل الحزب عقب الهزيمة الكبيرة التي شهدها في المدن الكبرى، أصبحت أمرا مثيرا للاهتمام". 

تاكان قال إنه سمع تحليل عضو مهم في حزب العدالة والتنمية حول الانتخابات البلدية، مفاده أن المجموعات المنتمية لحركة جولن داخل الحزب أضرت به، وكانت سببا في خسارة البلديات الكبرى.

عضو الحزب الحاكم، أضاف في تصريحاته: "سترون الأمور بشكل أوضح في الأيام المقبلة، سيكون هناك عمليات أمنية تستهدف بعض المجموعات في وقت قريب، إذ يتمسك إردوغان بالقضاء على الامتدادات السياسية لحركة الخدمة، والدولة سوف تساندنا وتدعمنا في إصرارنا هذا". 

الانتخابات البلدية أحدثت ثورة داخل حزب إردوغان، إذ بدأت الانقسامات تظهر في الحزب فور إعلان النتائج الأولية في الأول من أبريل الجاري، إضافة إلى رفض بعض الأعضاء التحالف مع حزب الحركة القومية المتشدد، معتبرين ذلك سببا رئيسا في خسارة إسطنبول. 

ضرب القاعدة
التوجه الرافض للتحالف مع القوميين يرى أن القاعدة الشعبية للحزب الحاكم تتكون في جزء منها من الرافضين للتوجهات القومية، فضلًا عن أن هذا التحالف دفع إردوغان للهجوم على الأكراد من منطلق عنصري، وهو الأمر الذي أفقد الحزب أصوات 11 % من الناخبين، وهي نسبة الأكراد في إسطنبول فقط.

كما خسر الحزب الانتخابات في عدد من البلديات ذات الغالبية الكردية، ما جعل حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد يحصل على نسبة تتجاوز 4 % من إجمالي الأصوات، بالرغم من عدم ترشحه في كل البلديات، وتعرضه لحملة قمع غير مسبوقة.

حملات التطهير أو مراجعة الموقف من "تحالف الشعب" الذي دخله إردوغان مع حزب الحركة القومية، لا تخفي حقيقة أن حكومة العدالة والتنمية في موضع لا تحسد عليه، لم تعتده منذ وصولها إلى السلطة عام  2002.

نكسة مفاجئة
نكسة 31 مارس 2019، كانت بمثابة الضربة الأولى في جسد حزب إردوغان المترهل، وربما تتبعها ضربات لاحقة، تقصي الحزب من السلطة تماما، في ظل كم من الأزمات المستعصية، وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية الخانقة، إذ تقف الحكومة عاجزة عن إيجاد حل لها، بينما يزيدها وزير المالية بيرات آلبيراق تعقدًا.

وبينما تنشغل حكومة إردوغان بمحاولة الحفاظ على مظهرها، عقب فقدان العاصمتين، السياسية والاقتصادية، تزداد حدة الأزمة الاقتصادية، وسجلت الليرة اليوم الاثنين تراجعا جديدا أمام الدولار، مسجلة 5.81، وسط توقعات بأن تتجاوز هذا الرقم، وربما تصل إلى أضعافه حال إلغاء الانتخابات وإعادتها في إسطنبول.

الاقتصاديون يحمّلون إردوغان المسؤولية، بسبب سياساته الخاطئة، واستهانته بالقانون، وعدم اعترافه بنتائج انتخابات المحليات، بعد نكسة المدن الكبرى، بالإضافة إلى خطايا وزير داخليته، سليمان صويلو، التي أفزعت المستثمرين والسائحين، ودفعتهم للهرب بعيدا عن تركيا.

ومنذ شكك إردوغان في نتائج اقتراع البلديات، وعبر في أكثر من موضع عن عدم اعترافه بها، تسجل الليرة تراجعًا بشكل مستمر، على الرغم من ضخ البنك المركزي التركي عدة مليارات من الدولارات لوقف نزيف العملة المحلية.

 

Qatalah