يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم تكن العلاقات التركية – اليونانية، يومًا ما في أحسن حالاتها، بل كانت التوترات هي الصفة الغالبة في العلاقات بين البلدين، خصوصًا بعد الاعتداءات التركية المتكررة تاريخيًا ضد السيادة اليونانية، وآخرها غزو جزيرة قبرص عام 1974 وما صاحبه من تداعيات، ثم محاولات رجب إردوغان الآن لنهب غاز المتوسط.. لكن الحكومة اليونانية الجديدة أخذت زمام المبادرة لفتح صفحة جديدة في العلاقة مع تركيا، عل وعسى يجنح ديكتاتور أنقرة للسلم.

فقد دعا رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، إلى تعاون ودي مع تركيا يسمح باستغلال الموارد الطبيعية بما يصب في صالح البلدين. وقال في كلمة أمام برلمان بلاده، نقلت وكالة الأناضول مقتطفات منها: إن حكومته عازمة على البقاء بعيدا عن التصريحات الغاضبة، والتحرك مع تركيا بتعاون ودي يرتكز إلى القانون الدولي. 

ميتسوتاكيس، أضاف: "أدعو الرئيس التركي رجب إردوغان إلى نهج مشترك يتم فيه اتخاذ خطوات جريئة، ونحن نعيش معًا في هذه المنطقة". وتابع أن "التوترات غير الضرورية وسباق التسلح يحرمان كلا البلدين من مواردهما الطبيعية التي يمكن استخدامها لمنفعة بلدينا".

وفي 7 يوليو الجاري، شهدت اليونان انتخابات عامة مبكرة تمكن فيها الحزب الديمقراطي الجديدة (وسط اليمين) من الفوز وتشكيل الحكومة بمفرده، وتولى ميتسوتاكيس رئاسة الوزراء في البلاد.

دعم خفي
تركيا كانت أول المرحبين بفوز حزب الديمقراطية الجديدة، في الانتخابات المبكرة العامة الأخيرة في اليونان، كما كان إردوغان أول المهنئين حيث اتصل هاتفيا برئيس الوزراء اليوناني الجديد فور إعلان فوزه بالمنصب، مقدما التهاني، قائلا حينها: "نرجو أن تحمل الانتخابات الخير لعلاقات البلدين والمنطقة"، وفقا لوكالة "الأناضول" التركية الرسمية.

مولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية التركية قدم التهاني كذلك لرئيس الحزب كيرياكوس ميتسوتاكيس، بالفوز.

الوزير التركي قال على تويتر: "متأكدون من أن الصداقة بين الأتراك واليونانيين، والعلاقات الثنائية ستتعزز أكثر في ظل قيادة كيرياكوس ميتسوتاكيس"، فيما يشير إلى دعم خفي من أنقرة كان هدفه الإطاحة برئيس الوزراء اليوناني السابق أليكسيس تسيبراس.

بلطجة تركية
لكن ما يؤكد أن السياسة التركية تجاه اليونان، لن تتغير، هو إصرارها على مساعيها للتنقيب على موارد الطاقة في البحر المتوسط والذي تعارضه أثينا، وتقول إنه يتم على حساب جزيرة قبرص.
وأرسلت تركيا حتى الآن سفينتي تنقيب هما "فاتح" و"ياووز"، وسفينة بحثية اسمها "بربروس خير الدين باشا" قبالة سواحل قبرص، فيما هدد وزير الخارجية التركي بإرسال سفينة رابعة.

إردوغان، هدد أمس باللجوء إلى الأسلوب العسكري لحماية حقوق القبارصة الأتراك حسب زعمه. وقال "الجيش التركي مستعد لتكرار خطوات سبق اتخاذها قبل 45 لحماية الشعب القبرصي التركي".
جاء ذلك في رسالة من إردوغان، إلى مصطفى أكينجي، الذي يتولى منصب رئيس "جمهورية شمال قبرص" غير المعترف بها سوى من قبِل تركيا.

كانت تركيا أعلنت قيام جمهورية قربص الشمالية عقب عام من تدخلها العسكري في الجزيرة سنة 1974 والذي أحدث انقساما بين شطريها، ليكون جنوب الجزيرة تحت سيادة اليونان ويحظى باعتراف دولي، والشمال تحت الاحتلال التركي.

مؤتمر الطاقة
تتجه الأنظار حاليا إلى موقف تركيا من قمة البحر المتوسط، ومؤخرا دعت قبرص الأتراك إلى الاعتراف بالترسيم الجديد للحدود البحرية المعلن منذ عام 2013، لحل مشكلة التنقيب عن الطاقة الموجود في شرق البحر المتوسط.

ومن المنتظر مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في مؤتمر التعاون في مجال الطاقة في شرق البحر المتوسط مع اليونان وجمهورية قبرص وإسرائيل ومصر، في حين قال وزير الطاقة في جمهورية قبرص لاكوتريبس: "نأمل أن تشارك تركيا أيضا في مشروع الطاقة في شرق البحر المتوسط". وفق جريدة (إيكاتهيميريني) اليونانية.

ووفق الصحيفة سيحضر وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لموارد الطاقة فرانسيس فانون المؤتمر الذي ستعقده مجلة ذي إيكونوميست يوم 29 يوليو في اليونان. 
من المؤكد أن كلا من وزير الطاقة لدولة قبرص يورجوس لاكوتريبس، ووزير الطاقة اليوناني كوستيس هاكيداكيس ووزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز سيشاركون في المؤتمر. 

ستُعقد المحطة الأولى من المؤتمر، وهو منتدى شرق البحر المتوسط للغاز الطبيعي، يومي 24 و 25 يوليو في العاصمة المصرية القاهرة. سيضم المنتدى ممثلين من مصر واليونان وجمهورية قبرص وإيطاليا والسلطة الفلسطينية. 

دعوة للمشاركة
قال وزير الطاقة لجمهورية قبرص قبل المؤتمر: "من المهم أن تقبل أنقرة النقاش حول بدء ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية في البحر بالتوازي مع حل مشكلة قبرص". وأضاف: "نأمل أن تشارك تركيا أيضا في مشروع الطاقة للدول الـ 7 الموجودة في شرق البحر المتوسط، وأن تكون تركيا جزءا من الحل وليست المشكلة". وأكمل: "يجب على تركيا التركيز على المشكلات التي ظهرت في المنطقة في الفترة الأخيرة مع تصرفاتها الاستفزازية".

ورغم عدم استخدام جميع المسؤولين اليونانيين الجدد نفس اللغة التي لجأ إليها  كيرياكوس ميتسوتاكيس إلا أن خروجها من رئيس الوزراء ورئيس الحزب الحاكم تحمل دلالات كبيرة.

نيكوس باناجيوتوبولوس، وزير الدفاع اليوناني الجديد، كان حادا في تعليقه على التحركات التركية في شرق المتوسط، وقال إن تنقيب التركي في سواحل قبرص، سلوك غير قانوني تنتهجه حكومة أنقرة يزيد الاستفزاز في أراضي قبرص.

الوزير الجديد قال إن مصداقية الاتحاد الأوروبي باتت في اختبار ويجب عليه تأكيد قدرته على حراسة مصالح دوله في البحر المتوسط.

وأعلن الاتحاد الأوروبي مؤخرًا فرض عقوبات على تركيا، التي قالت إنها مستمرة في خططها ولن تتراجع.

قضايا خلافية
من القضايا الخلافية بين البلدين هي الحقوق المتبادلة في الجرف القاري في بحر إيجة وملف العلاقة مع قبرص حيث سبق واتّهمت اليونان جارتها تركيا بتأجيج التوتر في بحر إيجة. وبسبب خلافات بين البلدين الجارين الحليفين في حلف شمال الأطلسي، تتهم اليونان أنقرة بانتظام بخرق مجاليها الجوي والبحري في بحر إيجة.

وفي 1996 كادت اليونان وتركيا تتواجهان عسكريا بسبب جزيرة إيميا التي تتنازعان السيادة عليها في جنوب شرق بحر إيجة. و يحسن البلدان علاقاتهما الاقتصادية والسياحية لكن خلافاتهما في بحر إيجة تبقى مصدر توتر.

وعلى الرغم من أن تركيا واليونان عضوان في حلف شمال الأطلسي فإن هناك خلافات بينهما منذ وقت طويل ابتداء من جزيرة قبرص المقسمة عرقيا إلى المجال الجوي وحقوق الطيران. وساءت العلاقات منذ رفض اليونان تسليم ثمانية من أفراد الجيش التركي تتهمهم أنقرة بالضلوع في محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016.
وتريد اليونان من تركيا الالتزام بالوضع القانوني لبحر إيجة استنادا إلى معاهدة لوزان لعام 1923 ومعاهدة باريس لعام 1947.

وتصاعدت حدة الخلافات بين البلدين حيث أعلنت تركيا أنها لن تتردد في مواجهة ما سمته الاستفزازات في بحر إيجة وشرق البحر المتوسط. وقالت الحكومة التركية في تصريحات صحافية إنّ تركيا لن تتردد في استخدام حقوقها النابعة من الاتفاقيات الدولية حيال الاستفزازات الحاصلة في بحر إيجة وشرق المتوسط.
بينما قالت اليونان في رسالة موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة إن "المزاعم التركية السابقة حول حدود الجرف القاري لديها في شرق البحر الأبيض المتوسط، لا أساس لها من الصحة من الناحية القانونية وغير صحيحة واعتباطية".

Qatalah