يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ظل الأتراك يشعرون بالدونية أمام العرب لتباين العرقين حضاريا وثقافيا، بجانب أن التاريخ لم يعرف سكان الأناضول إلا من خلال اتصالهم بأهل الجزيرة كخدم ومرتزقة، فأكل الحقد والحسد قلوبهم وظلوا يتربصون بهم للقضاء على منجزاتهم.
الأتراك تسببوا في سقوط الخلافة العباسية ودمار بغداد على يد المغول، بسبب استئثارهم بالسلطة دون الخلفاء وصراعاتهم الداخلية التي أضعفت قوة الخلفاء العرب.
بعدما تعافت بغداد نسبيا بعد نكبة المغول جاء العثمانيون فجعلوها على خط النار في صراعهم مع الصفويين، فخربت المدينة وانكمشت وهوت في قرون من التخلف لم تستيقظ منه إلا بعد طرد الأتراك.
 
درة المدن
أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي أنشأ مدينة بغداد عام 762، وتوسعت حتى صارت الأهم في العصور الوسطى وملتقى حضارات عديدة تشابكت وتفاعلت فأنتجت الحضارة العربية الإسلامية.
تعرضت المدينة إلى نكبة لم تتعاف منها كليا على يد الغزو المغولي عام 1258، وبعدها توالت عليها أسر حاكمة من المغول والجلائريين وقبائل الخراف السوداء التركمانية والصفويين ثم العثمانيين، حتى تحررها بيد العرب في الحرب العالمية الأولى.
دخل العثمانيون المدينة عام 1535 وانتزعها الصفويون مرة أخرى في 1624 ثم استردها الأتراك في 1638 وخضعت لحكمهم مدة تصل إلى 400 عام، عانت خلالها من المشاكل المزمنة للسلطنة العثمانية.
بلغت بغداد أوج مجدها زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد وابنه المأمون، ووصل عدد سكانها إلى 1.5 مليون نسمة، وكانت عامرة بالمنشآت العامة والمكتبات والمدارس والجوامع والحمامات وغيرها من مظاهر المدنية.
مع غزو الأتراك فقدت المدينة البقية المجيدة التي حافظت عليها بسبب وقوعها بين مطرقة العثمانيين وسندان الصفويين، فزادات خرابا على خرابها وقُتل أغلب سكانها، حتى أنها وصلت في بعض فترات الصراع إلى 20 ألف نسمة فقط نصفهم من اليهود.
 
طاعون العثمانيين
تعاقب على بغداد عشرات الولاة حكم أغلبهم سنة واحدة ولم يكمل البعض العام، فأدى ذلك إلى اضطراب سياسي وفوضى أمنية كانت السمة المميزة لعهد الاحتلال العثماني في العراق والبلاد العربية.
التخلف السياسي الذي عانت منه سلطنة العثمانيين تسبب في وقوع تمردات عديدة من الولاة والعسكريين، ما أدى إلى اتباع الباب العالي استبدال الولاة سنويا خاصة حكام الأطراف مثل العراق، وتسبب ذلك في عدم الاستقرار.
نتج عن هذه الحالة إهمال شديد من الإدارة العثمانية للعراق، وعدم اهتمام بحالة البلاد وحاجاتها واقتصرت مهام السلطة على جمع الضرائب وضمان الولاء الأسمى.
 
بغداد عانت كثيرا من الإهمال فقد كانت تواجه خطرين دائمين الطاعون والفيضان، وهما مشكلتان تتطلبان تدخل الدولة فلم تكن جهود الأهالي تكفي للتصدي لهما، فيما كانت السلطة مشغولة في صراع أبدي على الولاية بين الإنكشارية وإسطنبول ومماليك الولاة.
رغم أن المدينة ما بعد المغول لم تكن بغداد المأمون إلا أنها كانت أفضل حالا من زمن العثمانيين، فقد كانت مركزا لأسر حاكمة عديدة فنالت اهتمامهم واستعادت بعض بريقها القديم.
مسيرة بعث بغداد توقفت حين احتلها العثمانلي، وجعلها في فوهة المدفع في حربه مع الصفويين حكام إيران.
حُرم العراقيون من الوظائف في مدينتهم وتولاها الأتراك، الذين ولدوا الشطر الأوروبي وكانوا يشكلون خمس سكان بغداد، ولم يعرف أغلبهم اللغة العربية مما تسبب في معاناة أهل البلاد.
 
خرائب وأطلال
من خلال كتب الرحالة توفرت مادة كافية عن العمران في بغداد خلال الاحتلال العثماني، عدد السكان وصل إلى 20 ألف نسمة نصفهم من اليهود في بعض الفترات، زاد خلال القرون التالية إلى 150 ألفا وتحول اليهود إلى قلة بعد تنامي المسلمين.
نهر دجلة يشطر بغداد إلى جزأين الجانب الشرقي يسمى الرصافة والغربي الكرخ. تحت حكم العثمانيين فقدت المدينة سماتها وتحول الثاني إلى ما يشبه القرية كثيفة السكان، والأول كان محاطا بسور من 3 جوانب ضعيف التحصين وبه ثغرات عديدة، كما أن مدافع الأبراج لم تحدث منذ غزو العثمانيين الثاني.
المدينة كانت عبارة عن أطلال وخرائب وبقايا بيوت متهدمة ووجدت بها مساحات فضاء كبيرة بعدما زالت المنشآت التي كانت عليها، فكانت الكثافة السكانية قرب النهر أما ناحية الأسوار كانت أراضي فضاء.
كتب الرحالة الأسكتلندي فريزر عن سور المدينة عام 1856 "متهدم ومتداع ولا تزال تظهر فيه الثغرات الكبيرة التي تدخل منها ماء الفيضان".
لم يكن في بغداد شوارع منظمة، وظهرت المشكلة مع العثمانيين الذين أهملوا التخطيط ولم يكن في إدارتهم طوال قرون مسؤول واحد عن تنظيم البناء، فبنى كل شخص وفق هواه دون نظام.
 
استنزف العثمانيون سكان بغداد فتجمع عليهم الضرائب والطاعون والفيضان والصراع العسكري الصفوي-العثماني، فخربت المدينة وفقدت معالمها وغدت قرية كبيرة لا صلة لها بماضيها المجيد.
السكان أعادوا بناء البيوت دون مساعدة من السلطة فعمر كل شخص وفق هواه وحسب اقتداره بدون تصميم وبغير اتساق، فنشأت معوجة الجدران وتوسعت البيوت وضاقت الطرق وصارت تدعى بلغة البغداديين (درابين)، وما كان الولاة والحكام ليكترثوا ما دام أبناء البلد يدفعون الضرائب وهم صاغرون.
ظهرت بغداد بمظهر مزرٍ بسبب فوضى البناء وصارت الدور متراصة وتبنى بالطين، ولم تصمد أمام السنين فكانت تنهار سريعا لأن البنائين كانوا يراكمون الحجارة بعضها فوق بعض، دون مراعاة أسس هندسية ودون رقيب.
"شوارعها ضيقة للغاية والمدينة بأكملها مبنية من الآجر المفخور بالشمس فيكسبها مظهرا مضجرا إلى حد بعيد".. بهذه الكلمات وصف الرحالة كونستانس الكسندر بغداد.
مدارس بغداد استخدمها العثمانيون مقرات إدارية، فتحولت المدرسة المستنصرية إلى دار للجمرك وجزء منها أصبح خانا، وفي الشتاء تصبح الشوارع غير المبلطة مليئة بالوحل والأقذار، وفي الصيف يغطيها التراب، وكانت الأطراف صحارى وقبورا.
السراي نفسها مقر الحاكم العثماني وأهم مبنى جرى الاعتناء به كانت في الرصافة، وافتقرت إلى طابع معماري مميز فكانت واسعة بها أقسام عديدة، إلا أنها غير متناسقة وتفتقد إلى مظاهر الجمال.
الرحالة الهولندي نيجهولت زار السراي بعد إعادة صيانتها عام 1855، وكتب "الإصلاحات كانت سطحية والتوسيع يفتقد للدقة والتنظيم"، فإن كان هذا حال المبنى الوحيد الذي داوم الولاة على صيانته فكيف بباقي الأحياء التي طالها النسيان منذ قرون؟.
لم تكن بغداد مدينة كبيرة أو آهلة بالسكان، فمساحات كبيرة منها داخل الأسوار كانت تخلو من المباني، كما أنها كانت تضم عددا من الأراضي التي نبت فيها النخيل، ما دفع البعض إلى تشبيهها بإقليم مسور وليس مدينة، ولم يكن فيها ميادين أو ساحات إلا واحدة وكان من المتعسر التنقل بيسر داخلها.
لمدة 400 عام لم يفكر العثمانيون في حل لمشكلة الفيضان الذي يهدد المدينة حتى الجسور كان الأهالي من يقومون بإنشائها.
دون رحالة آخر مشاهداته قائلا: "لا يرى أحد فتح طرق ولا تأسيس مدارس ولا تشييد مستشفيات، ويجري تعيين القضاة والضباط ولا يعرف أحد من يهيمن عليهم أو يراقبهم"
 
أسواق رثة
تحولت بغداد إلى مدينة حدودية مع دولة معادية أفقدها أهميتها التجارية، فخربت أسواقها عن قبل ولم تعد المركز التجاري المهم على طريق الحرير.
كان في المدينة اثنا عشر سوقا منها فقط اثنان عامران أما الباقي فكان مهدما وخربا، كتب الرحالة بكنغهام :"أسواق بغداد قديمة وخربة وتفتقر إلى التخطيط العمراني، وذات طابع بدائي ولم يطرأ عليها أي تغيير منذ القرن السابع عشر".
مقارنة بأربعة قرون احتلال كان عهد المماليك (1749-1831) من أفضل فترات العثمانيين ورغم ذلك لم ينل البلاد تحسين يذكر حتى في عهد أهم والي وهو داود باشا، فقد كتب الرحالة الإنجليزي جيمس فريزر الذي زارها بعد عزله بثلاث سنوات عام 1834 :"خاب أملي بأسواق بغداد، ليس بسبب افتقارها إلى السعة والامتداد أو البضائع إنما من ناحية البناء والعمارة.. فقر في التخطيط وبساطة في التنفيذ ومظهر من مظاهر التهدم الذي يعزى جزئيا إلى الكوارث، لكن السبب الأول هو عيب أصيل في طراز البناء منذ البداية".
رحالة آخر الإنجليزي سوانس كوبر كتب عام 1893 عن الأسواق: "رغم اتساعها وتعددها إلا أنها تتميز بالقذارة التي لا تشاهد في حلب أو القاهرة.. مظهرها في الواقع رث".
يعود سبب تخلف أسواق بغداد وانحطاطها إلى الحالة السياسية التي فرضها العثمانيون على العراق، من سوء الإدارة والفساد وضعف الاقتصاد وسرعة تبدل الولاة، بالإضافة إلى أنه في بداية الاحتلال قتل الأتراك نصف تجار بغداد وصادروا أموالهم.
 
يهود بغداد
سياسة المحاباة العثمانية لليهود مكنتهم من السيطرة على تجارة ولاية بغداد حتى اضطر التجار المسلمون لمشاركتهم حرصا على حصة هزيلة من الأسواق، أما المسيحيون فقد اختفوا تماما.
ثراء اليهود بفضل الدعم العثماني أدى إلى تحسن حياتهم الاجتماعية، فزاد عدد السكان في بغداد حتى فاق العرب أصحاب المدينة، فقد كانوا في ملجأ عن الأمراض التي أفنت أهل البلاد بسبب إهمال الإدارة العثمانية، فيما فقد الأرمن أهميتهم نتيجة احتكار التجارة.
 
تحديث استعماري
ارتبط التحديث في بغداد بخطط بريطانيا وألمانيا الاستعمارية، فقد كانت الأولى المهيمنة على المدينة بسبب قربها من مصالحها في الهند وإيران، ثم حلت الثانية مكانها في نهاية القرن التاسع عشر بعد تحالف العثمانيين معهم في محاولة بائسة لاستعادة مجدهم.
أنشأت بريطانيا أول خط برقي في العراق عام 1857 عن طريق الهند إلى البصرة ثم بغداد، وأنشأت هيئة للبريد في 1868، وتميزت بالكفاءة فغار الأتراك منها ووضعوا العراقيل أمامها، ثم أنشأوا هيئة بريد تركية عام 1878 إلا أن الخدمة التي قدمتها كانت سيئة، وكانت شرطة العثمانلية تفتح الرسائل وتتجسس على الناس.
المدارس بدأت الإرساليات التبشيرية بفتحها ولم يكن للعثمانيين دور في نشر التعليم، ولم تعرف بغداد الصناعة الميكانيكية حتى عام 1905، وكانت أول المشاريع الصناعية الحديثة مملوكة للأجانب، مثل النقل النهري والترام وغيرها.
بعد انتقال التبعية العثمانية من بريطانيا إلى ألمانيا حلت الأخيرة محل الأولى في صدارة النفوذ في العراق، وسعت إلى إنشاء خط سكة حديد برلين-بغداد لتوطيد نفوذها العسكري في المنطقة، التي تتماس مع مصالح خصمها اللدود بريطانيا في الهند وإيران.

المصادر :

1 - عبد الكريم العلاف، بغداد القديمة

Qatalah