يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بإعلان الحرب على المزارعين الفقراء، وإسناد صفقات استيراد الأغذية واللحوم إلى رجال الأعمال التابعين لحزب العدالة والتنمية الحاكم، يواجه المواطن التركي خطر الموت بسبب انتشار أمراض قاتلة في مقدمتها وباء الجمرة الخبيثة، التي تنتقل من لحوم الماشية القادمة من الخارج دون أن تخضع لأي فحص بيطري إلى البشر، وتخلف مئات الضحايا.
تعد تركيا من أكثر الدول التي شهدت إصابات بمرض الجمرة الخبيثة الذي ينتقل من الحيوان إلى الإنسان عن طريق الملامسة ثم ينتقل من إنسان إلى آخر، حسب معطيات منظمة الصحة العالمية. 
استقبلت مستشفيات إسطنبول بعد عيد الأضحى في أغسطس الماضي أكثر من 50 حالة مصابة بالمرض، وحسب وزارة الصحة فإن السبب هو انتقال العدوى من أضحية بمنطقة سيليفري في مدينة إسطنبول، أما المفاجأة فتمثلت في أن نصف رؤوس الماشية التي استوردتها تركيا من البرازيل لبيعها في موسم الأضحية لقيت حتفها بسبب مرض الجمرة الخبيثة، ما أسهم في تفشي المرض بالبلاد.
وذكر النائب السابق عن حزب الشعب الجمهوري المعارض فكري ساغلار أن 25 ألف حيوان مصاب بالجمرة الخبيثة جاء على متن سفينة "ندى" القادمة من البرازيل إلى مرسين، في حين أن السلطات لم تقم بأية فحوصات على الماشية قبل إنزالها من السفينة، ما يعني أن المعايير الصحية باتت آخر اهتمامات الحكومة.

تشجيع الأجنبي ومحاربة المحلي 
كشف مسؤولون محليون بقطاع الصحة عن أن السياسة التركية في القطاع الزراعي مهدت للكارثة، إضافة إلى نقص الخبرة لدى الجهات التي تقوم بالرعاية الصحية الوقائية في التعامل مع تلك الأزمات.
وقال رئيس غرفة المهندسين الزراعيين أوزدن غونغور إن سياسات الحزب الحاكم على مدار الـ16 عامًا اعتمدت على الواردات التي بلغت قيمتها نحو 185 مليار دولار في مجال الغذاء، ما يثير الشك في تعمد الحكومة إهمال الإنتاج المحلي وأن كل المعاملات المالية المرتبطة بالواردات تُمنح إلى شركات تابعة للحزب الحاكم. 
تحارب الحكومة الإنتاج المحلي بعدة طرق من بينها رفض دعم أصحاب المزارع  ورفع أسعار البذور والمبيدات الحشرية والأسمدة والري والعمالة والوقود بشكل جنوني، الأمر الذي يجبر أصحاب المزارع في نهاية المطاف على الاستدانة وبيع أراضيهم وماشيتهم.
وكشفت بيانات وزارة الزراعة أن نصف مليون مزارع هجروا أرضهم في الفترة بين عامي 2002 و 2017، فضلا عن تراجع المساحة المنزرعة بنسبة 10%.
وقال غونغور إن المساحات المزروعة تحولت إلى مساكن ومناجم ومحطات للكهرباء وطرق في ظل إهمال الرقابة، موضحا أن 10.5 مليون هكتار خرج من النشاط المخصص للرعي، وأن إغلاق الأبواب أمام المنتجين وعدم دعمهم يفتح الباب على مصراعيه أمام الواردات.
وأضاف: تأتي تركيا باللحوم من 20 دولة مختلفة في مقدمتها البرازيل وأوروجواي، وفي عام 2017، دخل البلاد 280 ألف رأس ماعز و896 ألف رأس ماشية، لافتا إلى أن الإهمال في الفحص البيطري للحيوانات المستوردة الذي تسبب في تفشي الجمرة الخبيثة مجرد بداية للعديد من الأمراض المقبلة.


غونغور قال إن السياسة السيئة والميزانية المحدودة والبنية التحتية غير الملائمة ثلاثة عوامل يمثلون جذور المشكلة وطالب بمزيد من الدعم للبيطريين الذين يحاربون انتشار الأمراض لرفع كفاءتهم.
واعترف رئيس غرفة الأطباء بأنقرة فيدات بولوت بأن سوق اللحوم المحلي هُجر لصالح الواردات، موضحا أن الشركات المستوردة لا تدفع أية ضرائب في المقابل يخضع الإنتاج المحلي لضرائب باهظة، الأمر الذي يجعل أصحابها أكثر ثراء بينما يزداد فقر عشرات الآلاف من المنتجين.
وتابع: كثير من الأطباء البيطريين ينتظرون العمل لكن وزارة الزراعة أغلقت باب التوظيف، ما يعني أن الواردات لا تخضع للفحص اللازم.

القادم أسوأ
يتزامن خطر انتشار الجمرة الخبيثة مع عدم توافر الإمدادات الطبية للرعاية الصحية وضعف تمويل المستشفيات ونقص الموظفين وفترات الانتظار الطويلة، وأخيرا فقد الليرة 40% من قيمتها أمام الدولار، ما تسبب في إيقاف واردات العقاقير الطبية، وأدى إلى نقص الأدوية.
رئيس نقابة الصيادلة في تركيا نور الدين صيدان توقع تفاقم الأزمة في الأيام المقبلة باختفاء مسكنات الآلام وتطعيم الأنفلونزا وقطرات الدموع الصناعية للعين وأدوية ضغط الدم والسكري ومرض الانسداد الرئوي المزمن.

Qatalah