يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يصمت الليبيون أمام مؤامرة تركيا على بلادهم وبيعها إلى المحتل الإيطالي نظير حفنة من الأموال، على غرار ما حدث مع جيرانهم العرب الذين سلمهم رجل العثمانلي المهزوم إلى المستعمر الأوروبي، قبل أن يغادرهم بلا رجعة.
 
اشتعلت الثورة ضد الدولة العثمانية في كل البلاد المحتلة، من خلال صحف نادى فيها الأحرار بتوحيد كلمة القبائل العربية والوقوف صفا واحدا ضد مخططات إسطنبول، ما جعل أصحابها  يتعرضون لأبشع عمليات القمع والتعذيب والقتل.
 
معاهدة برلين العام 1880 كانت نذير شؤم على البلاد العربية في القارة الإفريقية، تنازلت الدولة العثمانية عن تونس لفرنسا عام 1881، في حين سقطت مصر في قبضة بريطانيا عام 1882، عقب خيانة عبد الحميد الثاني للزعيم أحمد عرابي، وإصداره فرمانا بعصيانه، مقابل قروض ومنح أوروبية.
نهاية عام 1882 خاضت القبائل الليبية نضالا ضد الاستعمار العثماني، حتى لا تكرر تجربة مصر وتونس، و تجد نفسها تحت سيطرة إنجلترا أو فرنسا، ما دفعل الأحرار في بلاد ليبيا للعمل على الاستقلال عن إسطنبول، قبل أن يفاجئهم السلطان ببيع البلاد لمحتل جديد نظير حفنة من الأموال.
السلطان عبد الحميد الثاني بعث برجاله إلى الولايات العربية يدعون لمشروع الجامعة الإسلامية، الذي دعمه أنصار الحركة السنوسية في البداية، إلا أن المثقفين الذين فضحوا مخطط السلطنة، وكشفوا عن نوايا السلطان الخبيثة لإحكام قبضته على البلاد من خلال المشروع، استطاعوا إقناع جموع الليبيين برفضه. 
 
ميثاق ليبيا
بخطى سريعة سار الفكر القومي العربي في ليبيا نهاية القرن الـ19، ما جعل الثورة تشتعل في نفوس المواطنين ضد الاحتلال العثماني، خاصة في طرابلس وبرقة، فظهرت فكرة تنظيم جمعية سرية هدفها ردع خطر الاستعمار التركي والأوروبي.
 
في عام 1883 تكونت أول جمعية سرية ترفع راية الثورة، ووضع إبراهيم سراج الدين نص ميثاقها ، تكون من 20 مادة، اعتبرها  الثوار دستورا لهم فيما نصت المادة العاشرة منها على أن "هدف الجمعية تفادي خطر الاستعباد الاستعماري لليبيا، ويجب على كل عضو من أعضاء الجمعية أن يعلم من له طمع في بلادنا، سواء من الأتراك أو دول أوروبا".
الميثاق دعا إلى إنهاء الإقطاع التركي الذي تقوم السلطات بحمايته، في الوقت الذي انتشرت فيه  أفكار رواد النهضة العربية في مصر والشام والجزيرة العربية أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي.
 
الجمعية السرية 
الجمعية السرية ضمت صفوة أبناء ليبيا، أبرزهم المؤرخ أحمد النائب الأنصاري الطرابلسي صاحب كتاب "المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب"، والذي شغل منصب رئيس بلدية طرابلس، وتبنى الجانب الثقافي والمعرفي في الجمعية، داعيا إلى إحياء اللغة العربية، والاهتمام بالتعليم الحديث، مع التأكيد على أهمية الثقافة العربية التي يدمرها الأتراك.
الشيخ حمزة ظافر المدني، تولى نشر أفكار الجمعية بين رجال الدين والعلماء، وأدار شبكة من الدعاة والخطباء متشبعة بروح العروبة، انطلقوا في القرى والمدن يفضحون المحتل التركي الذي باع تونس ومصر وفي طريقه لبيع ليبيا.
 
أعضاء الجمعية كانوا يعقدون اجتماعاتهم لشهور في بيت الشيخ حمزة ظافر، قبل تأجير مقهى آغا الأرضروملي، واستخدام قاعته في قراءة الصحف العربية بليبيا والشام ومصر، والتركية الصادرة في إسطنبول، وتبادل الأحاديث والمناقشات عن الأحداث السياسية وأخبار الجمعيات السرية بالبلاد العربية الأخرى.
أنباء نشاط الجمعية السرية سرعان ما وصلت إلى علم الوالي أحمد راسم باشا (1882-1896)، فأمر بالقبض على أعضائها، واستمر التحقيق معهم أربعة أشهر، وصدرت أحكام عسكرية بنفي أحمد الأنصاري وحمزة المدني إلى إسطنبول، بينما حكم على إبراهيم سراج الدين بالإعدام.
 
الجمعية القومية الليبية استطاعت نقل خبرات جمعية العهد القحطانية والعربية الفتاة، وشكلت مجموعة عسكرية انخرط فيها الضباط العرب بالجيش العثماني في ليبيا، والذين يؤمنون بأن واجبهم يتمثل في حماية البلاد من المستعمرين الأوروبيين.
خلال مرحلة المد الوطني في ليبيا طرحت مسألة توزيع السلاح على الأهالي وتدريبهم عليه وإعدادهم للقتال، خاصة أهالي طرابلس وبرقة لأنهم كانوا معفيين من الخدمة العسكرية في الجيش العثماني، ما مكنهم من الاستعداد لمواجهة الأتراك والاستعمار الأوروبي.
 
الباروني في القاهرة
حملات شرسة من القمع والتعذيب نفذها الأتراك ضد أحرار ليبيا، إلا أن جهود الجمعية السرية لم تضع هباء، تسلم الراية رعيل آخر من القوميين العرب، في مقدمتهم سليمان الباروني، ابن طرابلس الذي درس بالأزهر الشريف، والتقى في القاهرة بأعضاء الجمعيات السرية وجلس إلى عزيز المصري، قبل أن يستكمل دراسته في الجزائر، ليقف على أحوال إخوانه المجاهدين ضد الاحتلال الفرنسي.
 
الباروني عاد إلى طرابلس عام 1898، وفور وصوله ألقي القبض عليه بتهمة "تشكيل منظمة سرية تخريبية تحرض السكان على الحكم التركي، و تخطط للانفصال عن الدولة العثمانية"، ما أثار غضب أهالي جبل نفوسة، فهاجموا موظفي الإدارة العثمانية، فاضطرت السلطات إلى الإفراج عنه.
إلى مصر سافر الباروني ليتخذ من القاهرة مركزا  للعمل الثوري الليبي، أصدر صحيفة "الأسد الإسلامي" التي كانت موجهة إلى الشعب الليبي، بينما بنى رؤيته على توحيد كلمة المسلمين للخلاص من الاستعمار، والتغلغل الأوروبي في الولايات العربية، ما دفع السلطات البريطانية إلى إغلاق الصحيفة، بعد عشرات المقالات النارية التي أعلن فيها  الثورة على الاستعمار التركي والأوروبي.
 
غزوة الصحف
الصحف باتت منابر للجمعيات الليبية، أصدر القوميون 22 صحيفة ومجلة معارضة للحكم العثماني، فشهد عام 1897 صدور "الترقي" كأول جريدة قومية، رأس تحريرها الشيخ محمد البوصيري، ونشر بها مثقفو ليبيا مقالاتهم المحرضة للثورة ضد الأتراك، مثل علي عياد، ومحمد نجم، وعثمان القيزاني، وخالد الغرياني، إضافة إلى الشاعرين مصطفى بن زكري وإبراهيم باكير الذين كتبوا فيها عشرات القصائد التي أججت روح الثورة العربية بالبلاد.
 
عام 1908 كان بمثابة نقطة انطلاق للجمعيات القومية الليبية، زادت حماسة الأهالي بعد إعادة العمل بالدستور، وعزل السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909، ما ساعد في ظهور جمعيات قومية في طرابلس وبرقة والخمس وجادو، تهاجم الدولة العثمانية عقب وصول جمعية الاتحاد والترقي للسلطة، وتبنيهم سياسة تتريك الولايات العربية، وفرض اللغة التركية على المدارس والمحاكم.
 
العدد الأول من صحيفة "العصر الجديد" ظهر 1908، كان مدير تحريرها الليبي القومي محمد علي الباروني، في حين صدرت صحيفة "الكشاف في ديسمبر 1908، وتولى محمد بن النائب أحمد الأنصاري رئاسة تحريرها، داعيا إلى اتحاد الجمعيات القومية العربية، والدفاع عن حقوق الولايات العربية في الاستقلال عن الدولة العثمانية.
 
الهاشمي أبو قشة التونسي المهاجر إلى طرابلس أصدر صحيفة "أبو قشة" مطلع عام 1909، نشر خلالها مقالات محمد نديم بن موسى وأحمد الفساطوي وقاسم شكرون، الذين رصدوا على صفحاتها فظائع الاحتلال العثماني بالبلاد العربية، وفساد موظفي الإدارة التركية، وفضحوا سلوك جمعية الاتحاد والترقي التي تكن العداء للعرب، موجهين دعوتهم إلى سكان الولايات العربية للاتحاد والاستعداد لثورة عربية كبرى.
صحف الجمعيات القومية صبت غضبها على الوالي التركي حسن حسني باشا (1909-1910)، الذي رضخ لضغوط القنصل الإيطالي في طرابلس، مؤيدا الطموحات التوسعية الإيطالية في ليبيا، حيث اعتقل أعضاء الجمعيات السرية القومية، بعد أن فضحت مخطط تركيا بتسليم البلاد إلى القوات الإيطالية مقابل منح وقروض للخزانة السلطانية.
أبو قشة التونسي تولى مهاجمة الوالي التركي المتخاذل، وندد بالسياسة الاستعمارية، واتهم الشركة الإيطالية لإنتاج الفوسفات بانتهاج سياسات توسعية بمباركة إسطنبول، مدافعا عن حق الليبيين في النضال المسلح ضد الأتراك والإيطاليين.
 
220 من أعضاء الجمعيات القومية الليبية اجتمعوا في طرابلس، وأرسلوا شكوى إلى الوالي التركي تحذر من خطورة الامتيازات الممنوحة للإيطاليين، خاصة بناء ميناء طرابلس وخط السكك الحديدية، ما يمهد لاحتلال ليبيا عن طريق البحر والتوغل إلى داخل البلاد.
جهود الجمعيات السرية الليبية استمرت حتى سقطت بلادهم في نير الاحتلال الإيطالي عام 1911، بعد صفقة تركية إيطالية، لتعاني من حملات اعتقال وإعدام متلاحقة، وتبدأ صفحة جهاد أخرى تحت راية الزعيم الليبي عمر المختار، الذي ظل يحارب الاستعمار حتى وفاته عام 1935، ليقتنص الشعب الليبي بعدها بأعوام قليلة حريته بعد قرون من الاستعمار التركي الأوروبي.

المصادر :

3 - الأمين ميلاد الأمين إبراهيم: الأوضاع السياسية في المنطقة الغربية من ليبيا قبل الاحتلال الإيطالي
4 - سالم فرج عبد القادر: الحركة الوطنية ودورها في مواجهة الأطماع الإيطالية في ولاية طرابلس الغرب
5 - نيكولاي بروشين: تاريخ ليبيا

Qatalah