يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"انتهت الحرب، لا ترسلوا مددا إلى مصر"، برقية كتبها الجنرال "ولسلي" إلى القيادة في لندن لحظة دخوله القاهرة في 15 سبتمبر 1882، بعد أن سلمها السلطان العثماني المفلس عبد الحميد الثاني إلى القوات البريطانية، مقابل حفنة من الإسترليني.

"فرمان عصيان عرابي" كان الثمن الذي دفعه السلطان نظير رشوة قدرها 450 ألف جنيه إسترليني، ليخمد ثورة المصريين ووقوفهم في وجه القوات الغازية، ويثير الارتباك في صفوفهم، بعد استقطاب بعض كبار العائلات والأثرياء الخونة، لتسقط مصر في نير الاحتلال، ويسقط عبد الحميد في بئر الخيانة.
أهمل العثمانيون مصر فتحولت من أكبر دولة في العالم في القرن الخامس عشر إلى إقليم يعمه الخراب والجهل والفقر نحو أربعة قرون، حتى أن الرحالة الأجانب رصدوا فجوة المصريين وأجدادهم في عصور العظمة، وعندما هبت المحروسة من سباتها، أطلقت السلطنة في إسطنبول حربا شعواء على مصر لإجهاض مشروع محمد علي باشا للاستقلال عنها، بل وتحالفت مع الدول الأوروبية ضده، حتى سلمت القاهرة على طبق خيانة إلى لندن.

بدأ مخطط عبد الحميد الثاني لبيع مصر حين سعى جاهدا لعزل الخديو إسماعيل وتعيين ابنه توفيق مكانه في 26 يونيو 1879، تنفيذا لأجندة الدول الاستعمارية الكبرى، إذ رفضت بريطانيا وفرنسا مشروع إسماعيل القائم على بناء إمبراطورية مصرية في قلب القارة الإفريقية، تتحدى المشروع الاستعماري الغربي في قلب القارة، مدعوما بقوة عسكرية صاعدة من المصريين، أثبتت نفسها بالوصول إلى أعالي نهر النيل، وكادت تضم الحبشة لولا التدخلات الأوروبية، لذا اتفقت هذه الدول على ضرورة تركيع مصر، خاصة بعد شق قناة السويس الشريان المائي الموصل بين بريطانيا العظمى وجوهرة تاجها في الهند.

السلطان الحائر
استجاب السلطان الحائر لأوامر لندن وباريس، فأصدر فرمانا بعزل الخديو إسماعيل العام 1879، وتم تعيين ابنه توفيق المعروف بشخصيته الضعيفة وطموحه المحدود، فاستطاعت بريطانيا ومعها فرنسا توجيه الأحداث السياسية في القاهرة وإسطنبول طوال ثلاث سنوات، بما يتماشى مع هدفها النهائي وهو احتلال مصر بالتعاون مع عبد الحميد الثاني.

وفق ما ذكره عبد العزيز الشناوي في كتابه "الدولة العثمانية"، اتسمت سياسة السلطان العثماني تجاه المسألة المصرية بالاضطراب وقصر النظر والتخبط والضعف، ما سهل لبريطانيا تحقيق هدفها الرئيس وانفرادها باحتلال مصر، بعد مفاوضات كثيرة مع بيت مال روتشيلد الإنجليزي، لتعزيز الموقف المالي للخزانة العثمانية، إثر إعلان الدولة العثمانية إفلاسها في العام 1880.

وأد الحركة العرابية
أمام تردي الأوضاع في مصر، وزيادة التدخل البريطاني الفرنسي في الشؤون الداخلية للبلاد، بدأ الفلاح المصري أحمد عرابي قيادة تذمر داخل الجيش، فتوجه إلى مقر الحكم بقصر عابدين، وفرض إرادة المصريين على الخديو في 9 سبتمبر 1881، فتم تشكيل حكومة وطنية برئاسة محمد شريف باشا، ما مثل انعطافة في تاريخ العمل الوطني المصري عقب التفاف الشعب حول الحكومة الجديدة، التي بدأت في اتخاذ إجراءات تنحاز للفلاحين في مواجهة الإقطاعيين وأعوانهم الأجانب.

بينما كانت بريطانيا تتابع الأحداث بعين صقر ينتظر لحظة الهجوم على الفريسة، أراد السلطان العثماني انتهاز الفرصة لتأكيد سلطته ونفوذه في مصر، فأرسل "الوفد العثماني الأول" إلى القاهرة برئاسة المشير علي نظامي باشا في أكتوبر، بحجة تقصي الحقائق عن "التمرد العسكري" على حد تعبيره، كما طلب من بريطانيا وفرنسا التدخل، والضغط على الخديو توفيق لعزل وزارة محمود سامي البارودي باشا، الذي تولى رئاسة الحكومة بطلب من الثوار، فتم عزله بالفعل في 26 مايو 1881.
سار السلطان عبد الحميد بجد في مشروعه فأرسل "الوفد العثماني الثاني" إلى مصر، بعضوية 58 تركيا وزعامة المشير مصطفى درويش باشا المعروف بميوله للإنجليز، وصل الوفد إلى القاهرة في 7 يونيو، وبعد 4 أيام فقط من وصوله بدأ الأسطول البريطاني في قصف الإسكندرية صباح 11 يونيو 1882، ويرتكب"مذبحة الإسكندرية" بقيادة الجنرال "بوشان سيمور"، حيث قتل الآلاف من أبناء المدينة.

البطل المصري
طلب مصطفى درويش باشا من وزير الحربية المصري أحمد عرابي مغادرة مصر لأنها "ستقع في يد بريطانيا"، ونصحه بالسفر إلى إسطنبول، ووعده بتلقي كل رعاية وتقدير من السلطان، وأصدر بالفعل أمرا بمنح عرابي "النيشان المجيدي" من الطبقة الأولى، لاستمالته، لكن الزعيم الوطني أدرك المخطط الحميدي، فرفض كل تلك الامتيازات واعتبرها رشوة سياسية.

بدأت أساطيل لندن التي تحاصر الساحل المصري الشمالي في التحرك، فيما أصر عرابي على المقاومة والدفاع عن تراب بلاده، لذلك أرسل إلى ويلفريد بلنت سكرتير سفير إنجلترا بإسطنبول، في 2 يوليو 1882، قائلا :"لتتأكد إنجلترا من أن أول طلقة بندقية تطلقها على مصر ستعفي المصريين من كل المعاهدات والاتفاقيات، وسيكون معنى ذلك انتهاء المراقبة والديون ومصادرة أملاك الأوروبيين وتدمير القنوات وقطع طرق المواصلات (قناة السويس) واستغلال الحماسة الدينية لدى المسلمين للترويج للجهاد في سورية والجزيرة العربية والهند".

خيانة سلطان 
خشي عبد الحميد على امتيازات الدول الأوروبية في الولايات العثمانية أكثر من الأوروبيين أنفسهم، فقرر التضحية بأي شيء في مقابل استمرار تحالفه مع الغرب، في ظل خوفه من روسيا التي كانت تحقق انتصارات ساحقة على جيوشه المنهارة في البلقان، فلم يمنع من سقوط إسطنبول في قبضة قيصر موسكو إلا تدخل بريطانيا العظمى والجمهورية الفرنسية إذ رأت الدولتان أن حماية الدولة المتهالكة أقصر سبيل لسد الطريق أمام التوسع الروسي. 
أرسل درويش باشا تلغرافا إلى عبد الحميد في 5 يوليو جاء فيه "إن عرابي يعلن أنه لا يخشى الإنجليز، الذين ستؤدي أول خطوة من جانبهم إلى حركات انتقامية تؤدي إلى دمارهم، ومما لا شك فيه أن مجرد إطلاق أول طلقة بندقية من عرابي سيؤدي إلى قيام المسلمين بالثورة من قلب إفريقيا إلى أقاصي الهند... والمصريون يفضلون أن يحاربوا الأجانب على التسليم".

انفرد الأسطول البريطاني بالإسكندرية، بعد أن تلقى الأسطول الفرنسي أمرا من حكومته بالانسحاب، فأرسل "سيمور" قائد الأسطول البريطاني إنذارا إلى عرابي في 10 يوليو بتسليم المدافع المنصوبة في رأس التين وميناء الإسكندرية، وإلا ضرب الحصون في صباح اليوم التالي، وكان رأي درويش باشا قبول الإنذار البريطاني وإعلان استسلام الجيش المصري، كما اعترض على قرار عرابي ردم قناة السويس، حتى يغلق الباب أمام القوات البرية البريطانية في حالة انتصارها في الإسكندرية، وبعد أن دكت المدافع البريطانية حصون المدينة تزعم درويش باشا والخديو توفيق تيار الاستسلام وأصبحا في رعاية سيمور والأسطول البريطاني.
في يوم 24 يوليو أعلن سعيد باشا الصدر الأعظم لسفير بريطانيا في مؤتمر الآستانة المنعقد لمناقشة المسألة المصرية أن السلطان لن يضحي بمنصب "خليفة المسلمين" بإغضاب أوروبا، وبناء على ذلك "سنضحي بمصالح إسطنبول في مصر لحساب إنجلترا".

ووفق ما ذكره أحمد عبد الرحيم مصطفى في كتابه "مصر والمسألة المصرية"، انزعج عبد الحميد حين تلقى تحذيرات علماء الأزهر وأنصار حركة الجامعة الإسلامية مفادها أن تعاونه مع إنجلترا ضد حماة الإسلام (عرابي) سيثير الاستياء لدى عامة المصريين والسوريين والعرب، وقد يمكن عرابي من الحصول على فتوى تنص على خلعه.

فرمان بيع مصر
أرسل عرابي باشا برقية إلى السلطان، شكا فيها من مسلك درويش باشا مستنكرا الموقف العثماني المتخاذل، فقال: "آثر درويش باشا أن يقف إلى جانب الخديو في الإسكندرية، يقدم له التأييد على الرغم من احتلال القوات البريطانية لهذه المدينة".
 
تلقى عبد الحميد الرسالة بغضب شديد، بعد أن انكشف المخطط الحميدي لبيع مصر. وكان رده على برقية عرابي إصدار "فرمان عصيان عرابي" في 5 سبتمبر 1882، ونشره في الصحف العثمانية، بعدما حصل على ثمن خيانته في صورة قروض من بنوك بريطانية، وافقت على منحه 450 ألف جنيه إسترليني.
أضفى فرمان الخليفة المزعوم الشرعية على الاحتلال، بعدما تمكن الإنجليز من دخول بورسعيد والإسماعيلية، رغم تكبدهم خسائر ضخمة على يد أبطال المقاومة المصرية، لم تمكنهم من السيطرة على السواحل لفترة طويلة،  كما ترك أثرا كبيرا في حالة الضباط والجنود المعنوية،وفي صفوف الشعب ذاته الذي وقع ضحية الارتباك.

وش القملة
ادعى فرمان العصيان أن "أعمال عرابي باشا مخالفة لإرادة الدولة العلية، فقد هدد أساطيل دولة حليفة للدولة العلية السلطانية، وبناء على ما تقدم يحسب عرابى باشا وأعوانه عصاة ليسوا على طاعة الدولة العلية السلطانية، وحركة عرابي باشا مخالفة للشريعة الإسلامية الغراء مضادة لها بالكلية".

في أعقاب الفرمان، انطلقت أبواق الدعاية العثمانية تنشر الأخبار المغلوطة بصدور فتوى من شيخ الإسلام بتكفير عرابي، وكل من يحارب في صفه، فيما تروج لقوة الجيش البريطاني، وتفتي بحرمة قتالهم لأنه بمثابة إلقاء المسلم بيده للتهلكة.
في المقابل، انتصر المصريون لعرابي، ورأوا فيه المنقذ، واعتبروه باعثا للأمة قامعا للفساد، وخرجت الحشود تهتف "الله ينصرك يا عرابي" و"يا مولانا يا عزيز أهلك عسكر الإنجليز" و"يا سيمور يا وش القملة.. من قال لك تعمل دي العملة".

لكن الخيانة العثمانية أثرت في وحدة الجبهة الداخلية، وفي 13 سبتمبر أحرز "ولسلي" قائد الغزو نصرا سهلا في معركة لم تستغرق أكثر من 30 دقيقة في التل الكبير، حيث فاجأ الإنجليز القوات المصرية المتمركزة بالقرب من قناة السويس، فحصدوا أرواح الآلاف، وقد تسلحوا بخطط عرابي العسكرية التي سلمها خونة إلى إسطنبول، ولم تكن هزيمة عرابي مرجعها كفاية القوات الإنجليزية، بقدر سوء حالة الجيش المصري المعنوية والعسكرية بسبب فرمان العصيان، لتسقط مصر في قبضة محتل بعد محتل.

المصادر :

9 - لورد كرومر: الثورة العرابية

Qatalah