يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على عرش من ذهب داخل قصره الأبيض يصدر إردوغان أوامره بطمس معالم الجمهورية التركية معتبرا نفسه السلطان رقم 38، بعد أن قرر استعادة معالم الدولة العثمانية بشعارها القديم ومارشها الذي عفا عليه الزمن ولغتها البائسة، يسير الرئيس التركي في حماية 16 جنديا يرتدون ملابس تحمل السمت العثماني، ما يثير سخرية العالم، بينما إذا أراد السفر استقل واحدة من طائرته الـ16 لتحمله إلى حيث يريد.
 النائبة عن حزب "العدالة والتنمية"، تولاي بابوشتشو،  لم تجد حرجًا في القول: "انتهى الفاصل الزمني الاستثنائي من عمر الإمبراطورية العثمانية صاحبة الـ 600 سنة، الذي أحدثه أتاتورك"، لتكشف بذلك عن نوايا العثمانيين الجدد، وموقفهم من جمهورية أتاتورك.
إنها حقيقة مؤكدة يحاول الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إثباتها يوما بعد يوم، مع كل قرار يتخذه يطمس به معالم العلمانية ويعطي إشارة لإعادة إحياء حلمه في "الإمبراطورية العثمانية".
العديد من الدلائل التي تشير إلى أن إردوغان يتعامل مع نفسه باعتباره السلطان الـ37 للبلاد، فمن قصوره الرئاسية الفخمة، وحرسه الشرفي، وحتى طائراته الرئاسية، ومرورا بتدريس اللغة العثمانية، وأخيرا احتلاله أراضي عربية مثل سورية والعراق.

القصر الأبيض
أطلق عليه "القصر الأبيض" لينافس به "البيت الأبيض" في واشنطن، يقيم فيه الرئيس التركي منذ افتتاحه قبل 4 سنوات بعد فوزه بولايته الرئاسية الأولى، بلغت تكلفة القصر  4.5 مليار ليرة حسب غرفة المهندسين الأتراك، ويحتوي على أكثر من 1150 غرفة، ليتفوق على القصر الملكي البريطاني "باكنغهام بالاس" في لندن، والإليزيه في باريس ويتجاوز عظمة وبهاء قصر ملك فرنسا لويس الرابع عشر، ويعد ثاني أكبر القصور في العالم بعد قصر سلطان بروناي وفق صحيفة "ديلي تليجراف" البريطانية.
أما سعر الكوب - الواحد- المطلي بماء الذهب في القصر الأبيض فيصل إلى ألف ليرة، ما يساوي قيمة مرتب عامل، بينما وضعت سجادة فريدة من نوعها على بلاط القصر مغزولة في مصانع مانيسا غرب البلاد، مساحتها 4 آلاف متر مربع، سعر المتر الواحد منها 100 يورو، أي أن إجمالي تكلفتها بالكامل 400 ألف يورو، ما يعادل مليونا و200 ألف ليرة تركية.

16 جنديا يحملونه إلى الماضي
في يناير عام 2015، تفتق ذهن الرئيس التركي عن بدعة جعلته مسار سخرية العالم، قرر أن يرافقه في المناسبات البروتوكولية الرسمية 16 جنديا كحرس شرف يحملون تشكيلة من الأسلحة القديمة كالسيوف والخناجر والسهام والنبال ويرتدون خوذات تقليدية ودروعا وملابس نظامية تجسد - وفق خياله - فيالق الدول التركية الـ16 التي تم تأسيسها على مدى التاريخ وهي: إمبراطورية الهون، والهون الغربية، والهون الأوروبية، والهون الاق، وغوكتورك، وأوار الأوروبي، والحظر الأوروبي، ومغول الهند، وأويغور، والقراخانات، والغزنويون، والسلجوقية، والخوارزمية، والقبيلة الذهبية، والتيمورية. وأخيرا الإمبراطورية العثمانية.

يمتلك عقيدة محتل عثماني 
تأثرت عقيدة حزب العدالة والتنمية الذي أسسه رجب إردوغان بالسلاطين العثمانيين، الذين كانوا يعتبرون أنفسهم حكاما للعالم الإسلامي كله، وإحياء لخطايا أسلافه جنح الرئيس التركي إلى التوسع خارج حدود بلاده، والتعدي على حقوق وأراضي دول الجوار، وفي مقدمتها سورية والعراق، اقتداء بالإمبراطورية العثمانية التي احتلت أجزاء واسعة من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبسطت نفوذها على الشام وفلسطين، وامتدت إلى أوروبا الشرقية على مدار 6 قرون إلى أن أسس أتاتورك الجمهورية عام 1923.

سخر من أتاتورك وأعاد اللغة العثمانية
فرض إردوغان على طلاب المدارس تعليم اللغة العثمانية منذ أن تولى الحكم في أنقرة وهو يقول: آن أوان العودة إلى جذورنا، إنها ليست لغة أجنبية، وإنما  شكل من أشكال التركية، فرضيتم أم أبيتم سيتم تدريسها، بينما سخر من التغييرات التي أدخلها أتاتورك على اللغة العثمانية، بقوله: إنها جعلت تركيا تفقد اتصالها بتاريخها.
واللغة العثمانية قالب قديم من التركية يستخدم الحرف العربي، مع هجين من الكلمات المستعارة من الفارسية والعربية، وكجزء من الإصلاحات الثقافية التي تزامنت مع إنشاء دولة علمانية على النمط الغربي، استبدل أتاتورك اللغة التركية العثمانية بالأبجدية اللاتينية. 


 الطغراء والمارش 
أمر إردوغان لجنة الشؤون الدستورية بالبرلمان بالتصويت على اقتراح نواب حزب العدالة والتنمية بإعادة شعار الدولة العثمانية المعروف بـ"الطغراء"، بعد أن ألغي عام 1922 مع سقوط الخلافة العثمانية في ذلك الوقت.
في يناير 2015، أعاد الرئيس التركي عزف النشيد التركي، المعروف باسم "المارش"، في القصر الجمهوري بدلا من النشيد التركي، ليتردد لأول مرة منذ سقوط الخلافة العثمانية، خلال استقبال رئيس أذربيجان يناير الماضي. 
كما يظهر إردوغان بين الحين والآخر جالسا على كرسي ذهبي - في قصره الأبيض - وصفه نائب حزب الشعب الجمهوري، باريش ياركاداش بعرش السلطان، في إشارة إلى الكرسي الذي يجلس عليه السلاطين في الأزمان الماضية أثناء إصدار أحكامهم على الرعية، وفي مارس 2015 حرص إردوغان على التفاخر بمقعده المذهب من خلال لقاء تليفزيوني، ما أثار الجدل داخل تركيا حول دلالة الصورة أثناء حديثه عن الاستفتاء على التعديلات الدستورية.


 

16 قصرا يحلقون في الأجواء 
16 طائرة يمتلكها إردوغان آخرها التي أهداها له أمير قطر تميم بن حمد ويقدر ثمنها بـ 500 مليون دولار، فضلا عن طائرة رئيس وزراء  إيطاليا الأسبق سيلفيو برلسكوني، وطائرة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، إضافة إلى طائرة نفاثة باستطاعتها التحليق من أنقرة إلى لوس أنغلوس دون توقف، فضلا عن طائرة أخرى تكلفت 185 مليون دولار. بينما تقدر تكاليف الصيانة السنوية لهذا الأسطول الجوي بحوالي 26 مليون ليرة تركي. 


وتقول صحيفة "سوزجو" التركية إن إطلاق اسم "إردوغان" على العديد من المنشآت والأماكن والمشاريع المهمة يشير إلى اهتمام إردوغان بتخليد  اسمه في البلد بما يتوافق مع البارانويا التي بداخله، حيث أطلق اسمه على ستاد، وجامعة، وخطوط ترام، ومتنزهات، وجسر، ومن المتوقع أن يضعه على أكبر مطار في العالم.

 

Qatalah